جمال فزة يطلق رصاصه تجاه مجاهد ونورالدين الزاهي بسبب “هابرماس”

وجه الباحث السوسيولوجي جمال فزة رصاصه تجاه كل من نور الدين الزاهي و محمد مجاهد ردا على انتقاداتهما لمداخلته التي ألقاها الى جانبهم في الذكرى الثانية للراحل أيمن المرزوقي، خلال مقاربته للحركات الاحتجاجية انطلاقا من رؤية يورغن هابرماس، وتجسيده لمفهوم الفضاء العمومي، بعد النقاش الذي دار بينهم الثلاثة، يوم السبت قبل الماضي الماضي بمدينة طنجة، في الندوة التي نظمها الحزب الإشتراكي الموحد فرع طنجة.

جمال فزة الذي شارك في ندوة “الحركات الإحتجاجية و التغيير الديمقراطي، المعيقات و الآفاق”، وجه ردا على الانتقادات التي وجهت له من طرف مجاهد والزاهي. من خلال نص تحليلي نشره على صفحته الخاصة بشبكة التواصل الاجتماعي، توصل موقع “أنوال بريس” بنسخة منه، هذا نصه بالكامل:

احتضنت مدينة البوغاز يوم السبت 28 فبراير 2015 الذكرى الثانية لرحيل فقيد الحزب الاشتراكي الموحد وروح الممانعة والصمود: الرفيق أيمن المرزوقي.

وبهذه المناسبة التي امتزجت فيها مشاعر الحزن بمشاعر الفخر، لا يسعني إلا أن أنوه بالمجهود المحمود الذي بذله رفاق الحزب الاشتراكي الموحد بمدينة طنجة من أجل إنجاح هذه التظاهرة.

والحق إني لم أكن أرغب البتة في إثارة النقاش حول ما بدر من الأستاذين محمد مجاهد ونور الدين الزاهي، لولا أن بلغني من الرفاق أخبارا تؤكد أن سوء الفهم قد خيم على بعض مجريات الندوة، وبخاصة بعض الأفكار التي ضمنتها مداخلتي في “الحركات الاجتماعية بين الكوني والمحلي”.

ولعمري سوف أكون مقتصدا في العبارة، قاصدا صلب الموضوع: كل شيء تم على ما يرام والندوة كانت تشرف على نهايتها حينما قرر الرفيق محمد مجاهد أن يكرس رده الذي كان آخر ردود المتدخلين، في خرق سافر لتقاليد وأعراف الندوات، للطعن في مجمل الأفكار التي وردت في مداخلتي، محولا الندوة إلى ما يشبه مناظرة من طرف واحد؛ مادام أن الرد على الرد أمر غير وارد في تقاليد وأعراف الندوات.

وإذا كان الرفيق محمد مجاهد قد وقع في مطب مخالفة شروط المقام (ندوة)، فإن الأستاذ نور الدين الزاهي، بالمقابل، قد اختار الالتزام بقواعد اللعبة التي يبدو أنها لم تنصف “عظمته” و”مجده” قبل أن يتحول كلامه، بعد خروجنا من القاعة، إلى مجمع عبارات جوفاء يطبعها التعالي والعنجهية؛ حيث اختار أن ينسج حججه على هذا المنوال: “أنا واكل كتب هابرماس كاملين فكرشي”، “أنا ست سنين وانا خدام على موضوع من الزاوية للحزب”، “سير تعاود القراية !”. هذا في ما يخص الشكل.

أما في ما يخص المضمون، فقد وصف محمد مجاهد الأفكار التي طرحتها في مداخلتي بالشعبوية؛ لذلك ارتأيت أن أقدم للقارئ ملخصا بالأفكار الرئيسة التي وردت في المداخلة. وهي أفكار تمتح من معين الفاعلية التواصلية لدى يورغن هابرماس ومفهومه حول الفضاء العمومي. وللقارئ أن يستخرج منها عناصر النزعة الشعبوية التي وجدها فيها الرفيق مجاهد.

أما نور الدين الزاهي، فقد اندهش لكوني أضع أفكار هابرماس في مواجهة تيار ما بعد الحداثة وقال إن هذا المفكر الألماني هو مفكر ما بعد حداثي، لكن دون أن يكلف نفسه عناء تقديم أي حجة اللهم أنه “واكل كتوبو كاملين فكرشو”! وعندما أخبرته أن هابرماس قد كرس كتابا ضخما يتألف من 484 صفحة لمواجهة أفكار ما بعد الحداثيين؛ وهو كتاب الخطاب الفلسفي للحداثة، قال لي “سير تعاود القراية”، وبدت عليه علامات الانفعال والتشنج قبل أن أدير له ظهري وأنسحب في سلام، تجنبا لما يمكن ألا تحمد عقباه. بالنسبة لنور الدين الزاهي سوف لن أناقشه في مضمون الحداثة وما بعد الحداثة، بل سوف أقتصر على إهدائه نصوصا لهابرماس يعلن فيها صراحة انه يواجه تيار ما بعد الحداثة، ويعمل على تفنيد حججهم مبينا أن العقل لم يستنفذ مخزونه التأويلي بعد. – ملخص المداخلة انطلقت في مداخلتي من شهادة للرفيق أيمن المرزوقي مسجلة بصوته، يقول فيها أن “الملكية البرلمانية حد أدنى وأفق الشارع مفتوح” واعتبرت هذه الشهادة تعبر عن حدس تاريخي رفيع يدعونا إلى استيعاب اللحظة التاريخية، ووضع انشغالاتنا الحزبية، والنضالية على وجه العموم، في إطار تحول تاريخي للممارسة السياسية يستلزم من بين ما يستلزمه إعادة تعريف لدور الحزب من خلال خلق موازنة جديدة بين مفهوم الحزب ومفهوم الحركة الاجتماعية.

وهذا كله في إطار مهمة مركزية تتمثل في إعادة تعريف الديمقراطية على أساس تسييس الفضاء العمومي من خلال فعل الحركات الاجتماعية ونشاطها. ربطت مفهوم الحركة الاجتماعية على المستوى الكوني بفكرة الممانعة.

فالمحور الذي يدور حوله نشاط الحركات الاجتماعية على اختلاف أنواعها هو، بحسب رأيي، مقاومة مخاطر الانشراح الذي خلفه لدينا مفهوم التقدم خلال القرنيين الماضيين. وأعني هنا بالانشراح والحماسة لفكرة التقدم تلك القناعة التي كانت تستحوذ على كل التقدميين، سواء كانوا اشتراكيين أو ليبراليين، والتي تفيد أن العلاقة بين العقل الآداتي والرفاه الإنساني علاقة بديهية لا يشوبها أدنى شك أو ارتياب.

اليوم، وبعد حروب كونية، ومظاهر لتدمير البيئة مثيرة للرعب، ومختلف أشكال الاستلاب التكنولوجي والحضري، سادت وبقوة مشاعر الارتياب وتنامت الشكوك إزاء العقل الآداتي، ونهضت الجماعات البشرية للممانعة ضد كل أشكال تدمير الإنسان عبر تدمير بيئته وتنوعه الثقافي ووضعه في قالب ثقافي واحد. هي ذي الحركات المدافعة عن السلام وعن البيئة والحقوق الثقافية وحقوق الأقليات والحركات النسائية والحركات المناهضة للعولمة إلخ. على المستوى المحلي تمكنت حركة 20 فبراير من تحرير الفضاء العمومي وجعله مفتوحا أمام الاحتجاج المباشر للحركات الاجتماعية؛ وهذا ما حول الاحتجاج إلى فعل يسهم-إلى جانب العملية الانتخابية- في هيكلة الممارسة السياسية في بلادنا.

على هذا الأساس يتعين على الحزب أن يعيد الاعتبار لفكرة الممانعة بين صفوفه، فلعلها قمينة بأن تمنحه إشعاعا داخل فضاء عمومي ينفتح أكثر فأكثر على الحرية والاستقلالية الفرديتين.

أكيد أن القاعديين قد أبدعوا ممارسة ممانعة ضد أشكال البيروقراطية واستغلوا الساحات الجامعية لنشر أفكارهم عبر أسلوب المناقشة والحجاج، ونجحوا في مقاومة سياسة الإنابة والوصاية على الناس، لكن هذا لا يعني أن القاعديين أنفسهم لم يكونوا إقصائيين في علاقتهم ببعض الأطراف داخل الساحات الجامعية؛ ومن ثمة، فإنهم مدعوون، هم كذلك، إلى توسيع فكرتهم عن الفضاء العمومي الذي لا شروط للولوج إليه سوى القبول بالاختلاف والتعدد والتنوع، ولا معيار للمفاضلة فيه بين الأفكار والآراء سوى أفضل حجة أثناء المناقشة.

لا يبدو لي أن للشعبوية مكانا بين هذه الأفكار، لكن عندما سمعت الرفيق مجاهد يردد في مداخلته عبارة ذكرتني بشعارات ستالينية بائدة، مفادها أن الحزب الاشتراكي الموحد هو الذي يملك الحل التاريخي والوحيد للقضاء على الاستبداد في المغرب، أدركت أن صاحب العبارة قد يجد في أفكار تدور حول مفاهيم الفضاء العمومي والحرية الفردية والمناقشة والحجاج والمعقولية وجها من أوجه الشعبوية.

وقبل أن أهدي لنور الدين الزاهي نصوصا صريحة لهابرماس يعلن فيها أن مشروعه يقع على طرف نقيض من مشروع ما بعد الحداثة، أضع بين يدي الرفيق مجاهد هذا النص المقتطف من كتاب هابرماس «Discours philosophique de la modernité » وهو نص يكثف روح المداخلة التي قدمتها في طنجة. يقول هابرماس: « la question qui se pose aujourd’hui est de savoir s’il est possible d’établir un nouveau compromis par les vieilles règles de la politique d’orientation systémique, ou si les gestionnaires de la crise, axés sur des crises d’origine systémique et perçues comme telles, seront surpris par des mouvements sociaux qui ne se référeront plus à la régulation requise par le système, mais aux frontières tracées entre système et monde vécu » – هدايا لنور الدين الزاهي على ظهر غلاف كتاب هابرماس «Le discours philosophique de la modernité»اختار كل من كريستيان بوشندهوم ورينر روشلتز؛ وهما ناقلي كتاب هابرماس من اللسان الألماني إلى اللسان الفرنسي عبارات صريحة للتعريف بمحتوى الكتاب. يقولان: «Face au pensées qui rejettent la modernité dans son ensemble en l’identifiant à ses dérives totalitaires, Habermas commence par retracer l’histoire des discours critiques que l’époque moderne n’a cessé de tenir sur elle-même » وفي استهلال الكتاب يقولان: «….. tandis que le post-modernisme détourne la critique des injustices sociales vers un fondamentalisme anarchisant qui renonce à distinguer entre le pouvoir établi dans les sociétés démocratiques et celui des régimes totalitaires, l’un et l’autre émanant à ses yeux de l’irrémédiable machiavélisme de la modernité, c’est par là que le post-modernisme rejoint la pensée pré-moderne, nostalgique de l’autorité religieuse ou metaphysique » p. VII لكن دعونا من كلام المترجمين، فلربما كان نور الدين الزاهي أكثر منهما فهما لأطروحات هبرماس. ولنستطلع كلام هابرماس نفسه. يقول هابرماس في افتتاحية الكتاب: «La modernité : un projet inachevé, tel était le titre de la conférence que j’ai donnée en septembre 1980 lorsque j’ai reçu le prix Adorno. Ce sujet controversé, aux multiples facettes, ne m’a plus lâché depuis. » يميز هابرماس بين الحداثة (modernité) والتحديث (modernisation) ويعتبر أن فكرة التحديث التي تبلورت في سنوات الخمسينات والستينات هي التي كانت خلف شروط انتشار مصطلح ما بعد الحداثة (le post-modernisme). يقول هابرماس: «Il est un fait que c’est bien la recherche sur la modernisation, telle qu’elle s’est développée dans les années cinquante et soixante, qui a créé les conditions permettant au terme de “postmodernité” de se répandre parmi les sociologues» تجدر الإشارة إلى أن وضع كلمة ما بعد الحداثة بين مزدوجتين هو من فعل هابرماس نفسه؛ وهو بذلك إنما يريد أن يقول أنه قد يجيز كلمة ما بعد التحديث لكنه يتحفظ بقوة على استعمال لفظ ما بعد الحداثة. على كل حال، هذه بعض العبارات التي لا تحتاج إلى مجهود تأويلي كبير. وإذا اضطررت أن أخوض في نقاش حول المعنى الذي تتخذه المزدوجة (حداثة / ما بعد حداثة ) في فكر هابرماس سوف لن آلو جهدا في المشاركة.

6 تعليقات
  1. متتبع يقول

    عدد كبير من الباحثين يقرأون الفكر المكتوب، ويستوعبهم النص معتقدين أنهم استوعبوه. هذه حالة القراء العقائديين والأيديولوجيين الذين لا يضعون مسافة نقدية بين النص المقروء والواقع. وأحيانا لا يسألون حتى أسئلة بذيهية قد يسألها قارئ في بداية التعلم. المتحاورون الثلاثة “فقهاء” في التفكير، لأنهم أسرى المرجع/النص.
    مجاهد انتقد “شعبوية” هابرماس، وهذا الأخير من أشد المدافعين عن إشراك المواطنين في صناعة القرار (ها هذا يعنى العمل من خارج التنظيم والحركات السياسية غير المنظمة). كل مناقشات هابرماس تقوم على هذا (انظر مقال هابرماس في لوموند بعنوان: Rendons l’Europe plus démocratique ! – الفقيه مناصر هابرماس أخذ كلمة “الشعبوية” كما صنفتها الماركسية اللينينية في بداية القرن العشرين واستعملها في القرن 21
    الراهي وفزة (ثنائي يصلح عنوانا لفيلم مصري، آسف اضحكوا للحظة) – ما معنى ما بعد الحداثة. لنخرج من الكتب قليلا. بعض الفلاسفة نظروا للحداثة في القرن الماضي الذي لم يعد حديثا. هل للرجلين فكرة عن مقولة “الحداثة هي التي لم نرها بعد”؟ وعبارة ما بعد الحداثة تعرضت لإنتقادات شتى. أليست كل المشكلة اصطلاحية؟ أي في المفردة وليس في الواقع؟ هل نعيش أزمة مصطلح، حيث يعجز المحلل/المنظر عن إبداع مصطلحات للدلالة عن اللحظة التاريخية التي يعيشها؟ هنا أودعكم جميعا. وشكرا على حادثة “المنصة” التي أتاحت الفرصة لهذا النقاش. تحياتي للثلاثي الغاضب وأنصحه أن يكون مرحا. تحياتي للقراء.

  2. حمدان يقول

    هل صدركم ضيق لهذا الحد؟ ارحموا أنفسكم. المبدأ في الحرية أنها لمن نختلف معه، وليس فقط لمن يتفق معنا.

  3. حمدان يقول

    التعليق حذفتموه .. كان بالعنوان أعلاه.. لماذا .. أنتم لا تستحقون هذا العنوان “انوال” أنتم ليس لديكم شرف الإنتماء للكلمة. لن أقرأكم أبدا. وداعا

  4. قاصح ماشي كداب يقول

    أستاذي جمال فزة، أعتقد بأن ثقتكم بنفسكم أعبر رد على السفهاء و ما صدر من المتدخلين انفعال و حسد لا غير. كن كما العادة أسدا واثق الخطوات غير مبال بالخراف… فكفاءتكم المهنية و المعرفية أبلغ من هرطقات زنديقين خرقوا أعراف و تقاليد الندوات كما أشرتم الى ذلك أعلاه… دمتم أستادي عنوانا للتألق و النجاح

  5. سلوى يقول

    انا اتفق مع من وصفك بالشعبوي في مذاخلاتك .وانصحك يا فزة بمراجعة نفسك وافكارك وسلوكك ,لانك تصنف ضمن الفئة التي قال عنها الله يقولون بافواههم ما ليس في قلوبهم .

  6. حميد المصباحي يقول

    بالنسبة للرفيق محمد مجاهد,الذي نعرفه جميعا,فقد عايشناها في تجربة المستقلون الديمقراطيون,و سايرنا تحولاته عندما تأسس اليسار الإشتراكي الموحد,فمن الطبيعي أن أي حديث عن القاعديين,و أي محاولة لتطوير رؤاهم,يعتبرها مدا لجسورهم و تجربتهم نحو الفضاء العمومي,مزاحمة لوجود حزب اليسار الإشتراكي الموحد,و من هنا له مبرراته السياسية,التي تتغذى من الخوف الغريزي لهيمنة الأصل الإيديولوجي للقاعديين,المعروفين بقدرتهم على التطوير و الممارسات الحجاجية,داخل الجامعات المغربية و خااجها,الأمر الذي استغربت له,هو موقف الأخ نور الدين الزاهي,فهابرماس كما بينت في ملاحظاته,لم يكن داعيا لما عرف بما بعد الحداثة,بل إن هذه التسمية ذاتها,ليست تاريخية,فما بعد لا يعني الرفض,بل تأسيس بديل عقلاني مغاير,له جدته و نظامه الخاص,لكأني بدلالة ما بعد الحداثة,ليست إلا تحايلا على العقل,الذي لم يستنفذ بعد كل مهماته العلمية و المعرفية,بل إن إمكانات فتحه لمجالات أعمق,تظل رهانا حاضرا,حتى في السياسة نفسها,فقد انتصرت الجماهير بدون تملك أسلحة أو ذبابات في كل من مصر و تونس,مما دفع الفكر الغربي للتفكير في مفهوم الثورة,مع استحضار قراءات جديدة لاغرامشي,و دلالات المجتمعات المدنية الكونية و ليس فقط المحلية.
    حميد المصباحي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.