جمال الكتابي يكتب: زلزال 2004 والتنمية المعطلة بالريف.. شهادة شخصية

جمال الكتابي

بعد مرور 13 سنة على وقوعه مازلت أتذكر جيدا تلك اللحظة الرهيبة التي عاشها أهلنا في الريف والأرض تهتز من تحتهم وينامون في العراء. صور الخيام دفعت كل واحد منا أن يفكر في التحرك لجمع مساهمات عينية ومادية للمنكوبين. في إطار البحث عن هذه الإمكانيات، اتصلنا (جمعية المغربة لحقوق الانسان بهولندا) في اليوم الثاني لحدوث الزلزال بأكسفام نوفيب Oxfam Novib بهولندا لطلب المساعدة المالية حتى نتمكن من شراء الخيام للمنكوبين. بعد مشاورات سريعة داخل مؤسسة نوفيب تم استدعاؤنا لاجتماع عاجل في اليوم الثاني بمحطة القطار في لاهاي. بعد الأخذ والرد اتفقت نوفيب على المساهمة بمبلغ مالي يقدر ب 80.000 ألف أورو من أجل شراء الخيام ومن ثم إرسالها إلى الريف.

لم يكن من السهل العثور على عدد كبير من الخيام في دفعة واحدة، لكن بعد بحث مضني وجدنا شركة وحيدة تبيع خياما مستعملة وبجودة لا بأس بها (لا تحترق كما قيل لنا). الشركة تحصل على هذا النوع من الخيام من طرف الجيش الأمريكي. عقدنا (الجمعية ونوفيب) الصفقة مع هذه الشركة، بالمقابل استلمت هذه الأخيرة القدر المالي كاملا مباشرة من عند نوفيب. السؤال الذي طرح نفسه مباشرة هو كيف سننقل هذه الشحنة الثقيلة إلى الريف. هذا المشكل دفعنا أن نتصل بالحكومة الهولندية لطلب مساعدة في هذا الجانب. وضعنا (الجمعية ونوفيب) طلبا مكتوبا لدى وزارة الدفاع والوزارة الخارجية الهولندية من أجل الحصول على طائرة لنقل الخيام ومساعدات أخرى جمعها المحسنون والجمعيات والمساجد.

إلى جانب هذا الطلب اتصلنا بالنائبة البرلمانية من أصل مغربي السيدة خديجة أعريب للتشاور في الموضوع ووضعها في الصورة. السيدة أعريب كانت نائبة برلمانية عن حزب العمل وتترأس حاليا المؤسسة التشريعية في هولندا. بتوجيه منها اتصلنا مع زميلها السيد ‘فرانس تيمرمانس (كوميسير المفوضية الأوربية حاليا) الذي كان عضوا برلمانيا عن حزب العمل وناطقا باسم لجنة الدفاع في البرلمان الهولندي. بعد يوم أو يومين اتصل بنا السيد ‘تيمرمانس’ ليزف لنا خبرا مفرحا هو أن وزارة الدفاع تضع إحدى طائراتها من نوع Hercules، والتي يستعملها الصليب الأحمر كذلك، من أجل نقل المساعدات إلى الريف، كما أنها ستتكلف بنقل الخيام وشحنها داخل الطائرة من خلال شاحنات تابعة للجيش وبالخصوص ان مقر الشركة يوجد بعيدا عن المطار، كما سيسمح لعدد محدود منا بمرافقة هذه المساعدات على نفس الرحلة.

عندما أذيع الخبر عبر الراديو اتصلت بنا العديد من المنظمات والمساجد والأفراد من هولندا وألمانيا أساسا لطلب حمل المساعدات والهبات التي جمعوها مع نفس الرحلة. لكن المفاجأة غير السارة هي أن السيد “فرانس تيمرمانس’ سيتصل بنا في اليوم التالي ليقول بأنه تم التراجع عن قرارهم وبأن الحكومة قررت توقيف كل المساعدات فيما يخص زلزال الحسيمة، والسبب هو أن الدولة المغربية لا تتعاون معهم، بل إنها تبدو غير معنية بهذه المساعدات أصلا، لذا قررت الحكومة الهولندية أن تشطب على المغرب مؤقتا من قائمة الحالات المستعجلة التي تعتمدها الحكومة في هذا الجانب.

السيد ‘تيمرمانس’ أكد لنا عبر التليفون أن قرار الرفض جاء أساسا كاحتحاج على التعامل السيء للسلطات المغربية مع فريق التدخل والإغاثة المكون من 40 فردا والذي أرسل الى الحسيمة مع كلابه المدربة للبحث عن المواطنين تحت الأنقاض، مما دفع الحكومة الهولندية لإرجاع هذا الفريق فورا.

حاولنا الضغط عن طريق زميلته السيدة خديجة أعريب، لكن لم ينفع ذلك وبالخصوص أن فريق الإنقاذ عن طريق الكلاب المدربة اضطر للعودة ،كما قلنا، من الريف بناء على نفس الإحساس. بطلب من جمعية المغاربة لحقوق الإنسان بهولندا وأكسفام نوفيب قدمت النائبة البرلمانية خديجة أعريب في بداية شهر مارس 2004 سؤالا شفويا أثناء جلسة البرلمان على وزير الدفاع (انظر السؤال/الاسئلة وجواب وزير الدفاع وزميله كاتب الدولة في الدفاع آنذاك السيد هيلبر على هذا الرابط). السيد وزير الدفاع حاول من طبيعة الحال أن يكون ديبلوماسيا في إجاباته حول الأسئلة الشفوية التي طرحتها السيدة أعريب على وزارته خلال جلسة برلمانية. الوزير عزا رفض الحكومة إلى ثلاثة اعتبارات: الاعتبار الأول هو أن الحكومة الهولندية سبق لها ان ارسلت طائرتين محملتين ب 15 طن من المعونات والتي يقدر ثمنها بنصف مليون أورو بالإضافة إلى إرسالها فريق الإغاثة المكون من 40 فردا. الاعتبار الثاني (وهو الأهم، بل هنا يلمح بوضوح إلى ما صرح به لنا السيد تيمرمانس) هو أن حاجة المغرب إلى المساعدات بدأت تنقص كما يبدو. الاعتبار الثالث هو أنه يرى بأن المساهمات المالية قد تفيد أكثر. خديجة حاولت إقناعه بضرورة التراجع على هذا القرار وأن المنطقة في حاجة ماسة إلى المزيد من المساعدات وهي كانت شاهدة على ذلك من خلال زيارتها للمنكوبين في عين المكان. أما كاتب الدولة في الدفاع السيد هيلبر (من حزب يميني غير موجود حاليا المسمىLPF) حاول أن يرجع الكرة الى خديجة من خلال مساءلته للحكومة المغربية حول عدم تحمل مسؤوليتها تجاه مواطنيها لشحن هذه المساعدات وبالخصوص أنها تتوفر على 8 طائرات للنقل العسكري من نفس النوع.

وكما طالبنا الاتصال بالحكومة المغربية لعرض المشكل. فريق العمل في ورطة ديال المعقول… أحد الأصدقاء اقترح “نعيطو على الدولة” في الرباط. اقترح أن نتصل بالراحلة السيدة زوليخة الناصري التي كانت تقود غرفة عمليات الزلزال من الحسيمة. قبل أن نتصل بها طرحنا سؤالا وجوديا على أنفسنا وهو: أي موقع للسيدة الناصري في هذه العملية حتى نتصل بها؟ إنها ليست بوزيرة المواصلات وليست عضوة في الحكومة(حكومة جطو). إنها تشتغل كمستشارة ملكية وأن طلبنا له علاقة بوزارة المواصلات وليس بشؤون القصر. لكننا قلنا نعل الشيطان سير على الله إقدر هاذ لمرا إبقاو فيها الاطفال اللي كيباتو في العراء والبرد القارس وبالخصوص أن النسا لكبدة ديالهم دغيا كتقاس. هاتفناها ووضعناها في الصورة حول الخيام وحول المساعدات الأخرى التي جمعها المحسنون هنا والتي يجب أن تصل إلى المنكوبين. طالبناها بتوفير طائرة أو باخرة أو وسيلة أخرى لنقل المساعدات إلى المنطقة. السيدة الناصري رفضت طلبنا منذ الوهلة الأولى كمن يتوفر على تعليمات مسبقة، وعندما تشبثنا بطلبنا فكان جوابها على الشكل التالي “شوف أسيدي اللي دارها بيدو إفكها بسنو”، أنهيت معها المكالمة مع اعتذار مني على إزعاج الدولة .

اللي عجبني فالمستشارة الملكية هو أنها جات ديريكت كيما قالت نجاة عتابو. إنها لم تحتاج للاستشارة مع الحكومة ولا البرلمان ولا الوزارة المعنية لأخذ القرار، أراه على هاذ الأساس كيبقاو محبوبين عند الغرب لأن قرارتهم لا تحتاج إلى كثير من الاجتماعات. رئيس الدولة أو المستشارين ديالو كايقضيو الغراض في الساع.
عند انتهاء المكالمة فكرنا في الحل الثالث وهو كراء شاحنتين من الحجم الكبير والذي يبلغ ثمن كراءهما 6000 أورو، لكن من أين سنأتي بهذا القدر المالي الكبير. قررنا أن نعتمد على أنفسنا وجيبنا وأن لا نطلب مساعدة مالية أخرى لاوكسفام نوفيب (أغراس أغراس).
لقد تم شحن كل الخيم والأغطية الواقية من البرد والشتاء. في طريقها نحو الجنوب توقفت الشاحنتان في روزندال لشحن مايقارب 500 خيمة إضافية تبرع بها بعض المحسنين من تلك المنطقة. الشاحنتان وصلتا إلى مطار الشريف الإدريسي بعد 100 كشفة وكشفة كما يقال، لقد تم توقيفهما في مدريد لمدة أسبوع تقريبا بسبب العملية الارهابية حتى أرسلنا ( الجمعية وأوكسفام نوفيب) للشرطة الاسبانية في مدريد رسالة نتعهد فيها ان تلك الخيام ستذهب الى المنكوبين وليس الى أغراض خارج القانون الدولي الانساني وبالخصوص ان هذه الخيام تستعمل من طرف الجيوش، كما تم عرقلة تقدمهما في ميناء طنجة لمدة يومين أو أكثر إلا بعد تدخل بعض الجهات العليا. لقد وصلت الشحنة بعد ثلاثة أسابيع من المعارك الطاحنة على كل الجبهات.
الزلزال كان يجب أن يكون لحظة تاريخية لطرح برامج تنموية للمنطقة، لكن بسبب غياب الإرادة السياسية لدى الرباط ضيعنا هذا الموعد مرة أخرى مع التاريخ. لهذا فالمشكل لا يرجع بالدرجة الأولى إلى الفريق المدني الذي أسسه إدريس جطو وبعض أعوان السلطة في المنطقة، بل يعود في نظري إلى غياب أي تصور تنموي لدى الدولة، مع عدم إعفاء الفريق المدني من مسؤلياته وتهاونه وبعض مسلكياته المدمرة.
قدمت هذه الشهادة الشخصية لأبين أن التنمية لا يمكن أن ترى النور بدون توفير رجالها الحقيقيين. فجواب أو قل طريقة جواب المستشارة الراحلة لا يمكن اعتباره سلوكا شخصيا أو معزولا بل يعكس عقلية متأصلة في دواليب المخزن خاصة تجاه قضايا الريف.
الرحمة على الأرواح الطاهرة البريئة التي سقطت تحت الأنقاض. التحايا والتقدير إلى كل من ساهم في التخفيف من حزن المنكوبين في حينها. كما أحيي الشباب الذين ساهموا في هذا المشروع وعلى رأسهم أعضاء مكتب الجمعية آنذاك وكل المتطوعين من كلا الجانبين.
للتذكير ان جريدة ‘ثيفراز ناريف’ قامت بعمل جبار لتوثيق هذا الحدث ومتابعته.

أمستردام 28 -2-2017

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.