“جريمة” دولة ضد الطفولة

منذ قدوم هذه الحكومة كان واضحا أن برنامجها الأوحد هو تعاليم المؤسسات المالية الدولية ، وبالتالي فحصيلتها لن تكون سوى الإجهاز على مكتسبات عقود من نضالات هذا الشعب ،و الدوس على كل حقوقه ، فبعد رفع الدعم عن المواد الأساسية ، وبعد فتح أبواب الاستثمار في أمراض المغاربة وصحتهم أمام الرأسمال الجشع الباحث عن الربح، وبعد محاولة الإجهاز النهائي على شيء اسمه التعليم العمومي ،وبعد التنصل من مسؤولية الدولة في توفير الشغل الملائم لأبناء وبنات هذا الوطن ،و بعد محاولة ضرب الحماية الاجتماعية للموظفين عن طريق تخريب أنظمة التقاعد تحت مبرر الإصلاح.

يبدو أن الحكومة ذات النفس الليبرالي المتوحش مستمرة في نهجها غير مبالية بكل الأصوات الرافضة لما يتم التخطيط له،حيث وصل الأمر اليوم إلى حد شرعنة استغلال الأطفال القاصرين كخدم في البيوت ،من خلال التصويت بالأغلبية على مشروع قانون العمال المنزليين الذي تقدمت به الحكومة والذي يتضمن بندا يسمح بتشغيلهم دون بلوغ سن الرشد وفق شروط وضمانات يعرفون جيدا منذ البداية انه لن يتم تطبيقها.

ونشير هنا أن منظمة اليونيسيفْ سبق لها أن علقت على مشروع القانون هذا” بأنَّ عمل الأطفال، فِي أيِّ سنٍّ كان، يحرمهم منْ حقوقهم في التربية والحماية والإشراك، والتنمية والصحة”  كما ذكرت اليونيسيفْ حكومة بنكيران بكون المغرب صادق في سنة 1993 على اتفاقيَّة حقوق الطفل، وهو ما يجعله ملزمًا شأن الدول الأعضاء باحترام مادتها الثانية والثلاثين، القاضية بحماية الطفل من الاستغلال الاقتصادِي والإكراه على أيِّ عمل، يعرضه لمخاطر تعرقل تمدرسه، وتؤذي تطوره البدني والنفسي والرُّوحِي والأخلاقِي والاجتماعِي.

كما أن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أوصى في رأيه الخاص حول مشروع القانون هذا ، بضرورة وضع حد لتشغيل الأطفال دون الخامسة عشر من عمرهم ،ومطابقة أحكام التشريع الجديد لالتزامات المغرب بالقضاء الفوري على أسوء أشكال تشغيل الطفلات والأطفال دون 18 سنة.

و من جهته أوصى المجلس الوطني لحقوق الإنسان في رأيه، الذي تم إعداده بناء على إحالة من مجلس المستشارين ، أن يحدد مشروع القانون المذكور السن الأدنى للاستخدام في العمل المنزلي في 18 سنة.

لكن الحكومة وأغلبيتها داخل البرلمان تجاوزت كل الاعتراضات، ولم تعر انتباها لكل التوصيات وذهبت مباشرة للمصادقة على القانون متضمنا لهذا الخرق الفظيع لحقوق الطفل ، ما يتعارض في جوهره مع دستور البلاد ومع كل القوانين والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

إن محاولة تبرير هذه الجريمة من طرف الحزب” اليساري” المشارك في الحكومة ، بان الموافقة على مسالة السن كانت بمثابة تنازل ضروري من اجل تمرير القانون ، هي عذر أقبح من زلة. فشرعنة اغتصاب طفولة بنات مقهوري وكادحي الوطن ،من اجل توفير عبيد رهن إشارة أصحاب المال والنفوذ ، هي جريمة مكتملة الأركان لا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة كانت.

كان منتظرا أن يكون هذا القانون طريقا نحو القطع مع سنوات من استغلال طفلات صغيرات في أشغال منزلية شاقة و مرهقة ، و لكن المتحكمون في رقاب التشريع كان لهم رأي أخر وهو أن توفير خدمة جيدة للأسياد بثمن بخس ،هي ضرورة تنتفي معها كل الالتزامات الدولية في النهوض بالطفولة وتوفير عيش كريم لها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.