جرائم السكن الاقتصادي.. هكذا تواطأت الدولة والمنعشون والبنوك ضد المغاربة

مهما كانت بساطة «قبر الحياة» ومهما قل ثمنه، لابد أن يستجيب للحد الأدنى من معايير السكن الصحي والمريح الذي يضمن كرامة ساكنيه، فالسكن هو منظومة متكاملة تحترم معايير دقيقة لا على مستوى المساحة أو طريقة البناء أو المساحات الخضراء أوالمرافق الضرورية، ولا حتى على مستوى التمازج الاجتماعي بين مختلف الفئات والطبقات.

عندما أعلن الملك الراحل الحسن الثاني عن برنامج 200 ألف سكن سنة 1995 كان الهدف هو تمكين الأسر من الفئات الاجتماعية الأقل حظا من تملك سكن ملائم يدفعون ثمن شرائه أقساطا تكون أقل من ثمن الكراء المرهق، لكن اليوم، وبعد مرور 20 سنة تقريبا تحول هذا الحلم إلى كابوس بعدما انقلب «السكن الملائم» إلى «كيطوهات» وأصبحت حياة الأسر الفقيرة أكثر إرهاقا بعد أن كبلتها الأقساط والفوائد البنكية التي لا تنتهي، وذلك في أكبر جريمة ضد المغاربة صاغت خيوطها الدولة ولعب فيها المنعشون العقاريون دور البطولة.
لقد كان المنعشون العقاريون، إلى جانب الدولة طبعا، لاعبا أساسيا في مباراة إقبار حلم أبناء هذا الشعب بسكن يحترم آدميتهم ويحفظ كرامتهم.. سكن لا يلعبون فيه مع أبنائهم لعبة «من ينام أولا»، ولا يضطرون إلى إعادة «بنائه» بسبب العيوب التي تعتريه بمجرد أن تطأه أرجلهم.. أو إلى إفراغه لأن البنك قرر أن يبيعه «فوق ظهورهم» بسبب عسر في الأداء وجور في الحساب.
لقد شارك «وحوش العقار» في جرائم إبادة لكل ما هو جميل في حياة هذا الشعب، فإضافة إلى مسخ المعمار المغربي الأصيل وتقزيمه، ساهموا في تفريخ التجمعات السكنية على حساب المساحات الخضراء وأماكن الاستجمام، فتحولت مدننا إلى ميناء كبير يعج بالحاويات المبعثرة من كل الأصناف والألوان.
المشاريع السكنية الاقتصادية، التي تناسلت كالفطر خلال السنوات الأخيرة في عدد من المدن، لا تتوفر على الشروط الدنيا للعيش الكريم ولا تحترم القواعد البسيطة في إنجاز التجزئات السكنية، كالمساحات الخضراء والمرافق الاجتماعية والرياضية والثقافية، إضافة إلى أن مساحة الشقق، والتي لا تتعدى في أحسن الأحوال 50 مترا مربعا، تجعل هذه الشقق كيطوهات سكنية أو معتقلات بأثمنة تزيد على 40 مليون سنتيم، إذا ما تم احتساب الفوائد عن القروض البنكية التي تبقى الوسيلة الوحيدة المتاحة أمام غالبية المواطنين للحصول على هذه الشقق، التي لا تحترم الخصوصية المغربية ولا تعتبر بديلا سكنيا يحترم كرامة المواطن وإنسانيته.
ويظهر من الطريقة التي أنجزت بها هذه المشاريع السكنية غير الإنسانية أن الهمّ الوحيد الذي يشغل بال فئة كبيرة من المنعشين الذين سهروا على بنائها هو توسيع هامش الربح، حتى ولو كان ذلك على حساب راحة المواطنين، فنحن في ظل هذه المشاريع أمام بناء عشوائي مقنن تعترف به الدولة، بل يشكل بالنسبة إليها خطة للقضاء على دور الصفيح، دون أن تدرك السلطات العمومية أنها ساهمت في بناء قنابل سكنية يمكن أن تنفجر في أي وقت، فما معنى وجود مشروع سكني بدون مساحة خضراء ومرافق للعب الأطفال ودور للشباب، وأيُّ معنى لمشروع سكني أشبه ما يكون بزنزانة في السجن، في الوقت الذي يمكن فيه إنجاز بديل سكني بمساحة تتجاوز 80 مترا مربعا احتراما لكرامة المواطن المغربي، وذلك بتقليص هامش الربح وحفاظ الدولة على الوعاء العقاري وتوزيعه بشكل عادل بين المنعشين العقاريين والقطع مع لوبيات العقار التي تستغل الحاجة إلى السكن لمراكمة المزيد من الأموال.
والخطير، الذي أصبح مما لاشك فيه الآن، أن «كيطوهات» السكن الاقتصادي والاجتماعي ساهمت بشكل كبير في ارتفاع معدلات الجريمة داخل المدن المغربية، حيث تؤكد الدراسات أن الجريمة – كشكل من أشكال الخروج على قواعد الضبط الاجتماعي – ترتبط ارتباطا مباشرا بطبيعة الحياة في المدن، فدخول المجتمع المغربي بشكل سريع في مرحلة تمدن تختلف حضاريا وثقافيا عما اعتاد عليه ساهم في زعزعة الكثير من القيم والعادات والمفاهيم التقليدية، وظهرت الكثير من القيم الجديدة، خاصة تلك التي تعطي المال أهمية كبرى، كما أدى إلى تفاقم مستوى الجريمة، خاصة في المناطق والأحياء التي لا تحترم معايير معينة للبناء والعمارة.

لوبيات العقار والبنوك.. لهاث وراء الثروة ترعاه الدولة على حساب الفقراء
دفاتر تحملات على المقاس وأسعار بيع خيالية وخزينة الدولة والمواطنون أكبر الخاسرين

بعد حوالي 18 سنة على إطلاق برنامج 200 ألف سكن من طرف الملك الراحل الحسن الثاني، تحول حلم شريحة عريضة من المستفيدين من السكن الاجتماعي والاقتصادي إلى كابوس بعد أن أصبحوا يعيشون داخل «كيطوهات» لا تضمن أبسط شروط العيش الكريم، وذلك في أكبر جريمة ضد المغاربة صاغت خيوطها الدولة ولعب فيها وحوش العقار والبنوك دور البطولة.
استبشر المغاربة خيرا عندما أطلق الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1995 برنامج 200 ألف سكن، الذي كان بروم تمكين الأسر من الفئات الاجتماعية الأقل حظا من تملك سكن ملائم يدفعون ثمن شرائه أقساطا تكون أقل من ثمن الكراء المرهق. تحركت وزارة السكنى حينذاك، وعقدت اجتماعات ماراثونية مع بعض شركات العقار، التي لم يكن أصحابها يملكون من الثروة والنفوذ ما وصلوا إليه حاليا، من أجل وضع دفاتر تحملات مضبوطة لإخراج المشروع إلى أرض الواقع.
ولم يفطن المغاربة في ذلك الوقت، عندما خرجت دفاتر التحملات التي حددت بعض مواصفات السكن الاقتصادي، خاصة من حيث المساحة التي تتراوح بين 50 و100 متر مربع، والثمن الذي لا يتجاوز 200 ألف درهم للشقة، إلى أن المشروع الاجتماعي الضخم كان يخفي وراءه خطة كبرى لخلق لوبيات عملاقة للمنعشين والبنوك من أجل التحكم في دواليب الاقتصاد الوطني وخلق الثروة على حساب الفقراء.

وحوش العقار والبنوك يستفيدون من غطاء الدولة
بعد إطلاق مشروع 200 ألف سكن، استبدت حمى امتلاك الشقق بمختلف الشرائح والأسر المغربية بشكل ساهم في موجة ارتفاع أسعار البيع بصورة غير مسبوقة بفعل المضاربة وتفشي ظاهرة «النوار»، مآزرة ببرامج ضخمة واتفاقيات بالجملة وقعتها الدولة مع كبار المنعشين العقاريين لاستثمار الطلب المرتفع على اقتناء السكن، بطريقة لم تكن بريئة، فهناك جهات في الدولة ظلت دائما طرفا في معادلة التشجيع على التملك، وفي المقابل، دعم مصالح المنعشين العقاريين والحفاظ على مورد دائم لتعزيز أرصدتهم البنكية ذات الأرقام الفلكية.
ويرى المحللون أن دفاتر التحملات التي تمت صياغتها بالنسبة للسكن الاقتصادي والاجتماعي كانت على المقاس ووفرت هوامش مناورة واسعة بالنسبة للمنعشين، خاصة على مستوى المساحة والبناء، كما أن أذرع الدولة التي تشتغل في تجهيز وبناء السكن، كمجموعة «العمران» و»الشركة العامة العقارية»، لم تقم بدورها في الحد من غلاء العقارات، بل أشعلت المنافسة بينها وبين المنعشين الخواص وأصبحت تسوق منتوجها السكني بمستويات الأسعار المرتفعة نفسها.
لذلك، يجمع المحللون على أن تقاعس الدولة «المتعمد» عن أداء دورها في تقنين سوق العقار أدى إلى تجاوزات في هوامش الربح وأيضا في مواصفات البناء وجودة المنتوج السكني، والتي لم يسلم منها حتى السكن الراقي، في غياب دفاتر تحملات ومواصفات مدققة.

أثمنة باهظة وهوامش ربح خيالية
إلى جانب الاستفادة من المشاريع الكبرى التي ألقتها الدولة، ظل المنعشون منذ سنة 1995 يستفيدون من تفضيلات وامتيازات ضريبية غير مسبوقة، وعندما ألغت الحكومة الإعفاءات الضريبية لفائدة المنعشين العقاريين الخواص في نهاية سنة 2008. أثار ذلك، آنذاك، غضب المنعشين، وتسبب في تراجع عدد وحدات السكن الاقتصادي من 129 ألف في سنة 2008 إلى 35 ألف فقط في سنة 2009. هذا الأمر دفع جهات في الدولة إلى تسريب دراسة لـ»ماكنزي» حول هوامش ربح المنعشين العقاريين، تضمنت معطيات صادمة وكشفت أن بعض المنعشين يربحون أزيد من 100 في المائة.
المعطيات التي خلصت إليها دراسة مكتب الخبرة «ماكينزي»، أحرجت المنعشين العقاريين وضاعفت من قلقهم في مرحلة دقيقة من التفاوض مع الحكومة بشأن مقترحات حاول لوبي العقار الدفع بها داخل مجلس المستشارين، على بعد حوالي أسبوع من موعد التصويت على ميزانية 2010.
وهكذا، كشف مكتب «ماكينزي» أن هامش الأرباح يصل إلى معدلات قصوى بالنسبة للسكن الفاخر (أزيد من 100 في المائة)، بينما يتجاوز حدود 50 في المائة في السكن المتوسط والاقتصادي، ويتراوح بين 15 إلى 20 في المائة في السكن الاجتماعي، رغم ما يستفيده المنعشون العقاريون في هذا الصنف الأخير من إعفاءات ضريبية ومن أراض عمومية بأسعار تفضيلية، إضافة إلى ضمان الدولة للقروض البنكية سعيا منها إلى تشجيع إقبال شرائح واسعة من ذوي الدخل المحدود على اقتناء السكن.
أما اليوم، فيرى الخبراء أن هوامش الربح تقلصت قليلا، لكنها تظل في مستويات مرتفة جدا تفوق 50 في المائة بالنسبة لمعظم أصناف السكن، بينما لا تقل عن 20 في المائة بالنسبة للسكن الاجتماعي، إذ تؤكد مصادر «المساء» أن الشقة الاقتصادية تكلف تقريبا أقل من 2000 درهم للمتر المربع دون احتساب ثمن الأرض والتجهيز، وهو ما يعني أن كلفة الشقة الاقتصادية لا تتعدى في أحسن الأحوال 150 ألف درهم، ما يضمن للمنعش العقاري حوالي 100 ألف درهم كهامش ربح في الشقة الواحدة.

«النوار» يقسم ظهر المواطن والدولة
بالموازاة مع الأسعار القياسية التي وصلتها الوحدات السكنية، والتي مكنت المنعشين من تحقيق هوامش ربح خيالية، طفت إلى السطح ظاهرة أخرى أكدت مستوى الجشع الكبير الذي بلغته معظم شركات العقار، فقد كشفت دراسة سبق أن تناولت ظاهرة «النوار» داخل سوق العقار، وهو ما يصطلح عليه قانونيا بالتهرب الضريبي، أن مجموعة من المنعشين العقاريين لم يكونوا يصرحون بالقيمة الحقيقية للمباني عند تسجيلها، حيث تتأرجح نسبة الفرق بين القيمة الحقيقية والقيمة المصرح بها ما بين 15 في المائة و25 في المائة.
وتبين الدراسة ذاتها، التي أنجزتها الوزارة الوصية على قطاع الإسكان والتعمير، أن هناك عددا قليلا من المنعشين العقاريين من يصرحون بالمبالغ الحقيقية، في حين أن جميع الأطراف المتدخلة تعمل على إخفاء القيمة الحقيقية للصفقات. فبالنسبة للبائع والمشتري، فإن التصريح بقيمة أدنى من قيمة التفويت الحقيقية يعني تقليص الضرائب ورسوم التوثيق والتسجيل ونفقات نقل الملكية الناتجة عن العملية.
أما البنوك التي تمول الصفقات، فإنها تكون مسرورة بالحصول على رهون تفوق قيمتها الحقيقية قيمة القروض التي تمنحها لتمويل الصفقات كضمانات لهذه القروض. وغالبا ما تتساهل البنوك من خلال منح قروض شخصية أو قروض تكميلية، تحت غطاء تمويل التأثيث والتجهيز، والتي يتم استعمالها في واقع الأمر لتمويل الجزء غير المصرح به من قيمة الصفقة العقارية، بل إن بعض المصارف أصبحت تعرض منح قروض عقارية تغطي نسبة 110 في المائة من ثمن شراء الأصل العقاري. فالمضاربون يفرضون على النشطاء عدم التصريح بالسعر الحقيقي للأرض قصد إخفاء جزء مهم من أرباحهم الهائلة عن عيون إدارة الضرائب. فنسبة الضريبة المفروضة على الأرباح العقارية، أي الفرق بين كلفة شراء العقار وثمن بيعه، تبلغ 20 في المائة من مبلغ الأرباح، ونسبة 3 في المائة من ثمن البيع كحد أدنى. وبإضافة باقي الرسوم والتكاليف، فإن المبالغ المستحقة للضرائب قد تبلغ أحيانا أرقاما كبيرة.
وقد انتظرت الدولة كثيرا لتتحرك من أجل مواجهة هذه الظاهرة، حيث لم تخرج وزارة المالية والاقتصاد إلا منذ شهور قليلة من الآن لتعلن عن إطلاق برنامج جديد يختص بتحديد أسعار مرجعية لقيمة الصفقات العقارية، والذى سيتم على ضوئه تحديد الضرائب على عمليات البيع والشراء.
ووفقا للبرنامج الجديد، سيجرى تحديد الضريبة المدفوعة بناء على سعر مرجعي محدد للمتر حسب المنطقة، ويلتزم البائع بسداد الضريبة على أساس هذا السعر حتى لو قام ببيع المتر بسعر أقل من ذلك.
وحسب محمد بوسعيد وزير المالية والاقتصاد، فإنه تم اختيار الدار البيضاء لإطلاق هذه التجربة، على اعتبار أنها أكبر سوق عقارية بالبلاد، وسيتم تعميمها على المستوى الوطني لاحقا، مشيرا إلى أن اعتماد هذا الإجراء سيؤدي إلى ارتفاع حصيلة الضرائب على الصفقات العقارية.
ومن جهته، صرح المدير العام لإدارة الضرائب التابعة لوزارة المالية، بأن اتخاذ المغرب لهذا الإجراء جاء بعد ملاحظة حدوث ارتفاع في عمليات التهرب الضريبي في مجال الصفقات العقارية، من خلال عدم إعلان الخاضعين للضريبة عن الأسعار الحقيقية لعمليات البيع والشراء للعقارات لدى إدارة الضرائب.
وأضاف أن اعتماد هذا البرنامج الجديد سيساهم في محاربة هذه الظاهرة بالسوق العقار المغربي.
وقال المدير العام لإدارة الضرائب التابعة لوزارة المالية المغربية، إن حصيلة الضرائب على الصفقات العقارية في البلاد بلغت 4 مليار درهم (415 مليون دولار) وذلك في عام 2013.
وأضاف، أن البرنامج الجديد القاضي بتحديد قيمة العقارات سيساهم في زيادة حجم المبيعات، وبالتالى فى ارتفاع المداخيل (الحصيلة) الضريبية.

المنعشون يؤدون الآن ثمن جشعهم
أمام ارتفاع اسعار العقار وانتشار ظاهرة «النوار»، تراجع الطلب على العقار بشكل كبير، في الوقت الذي مازال بعض المنعشين، خاصة في المدن الكبرى، متشبثين بعدم تخفيض الأسعار في انتظار تحسن الوضع.
وحسب مصادر «المساء»، فإن مبيعات السكن الفاخر تكاد تكون قد توقفت نهائيا، في حين يشهد السكن الموجه للفئات المتوسطة إقبالا ضعيفا، مشيرة إلى أن أرقام الشهور الأخيرة شكلت صدمة للمنعشين العقاريين الذين سيضطرون إلى تقديم تنازلات مستقبلا من أجل ضخ نفس جديد في سوق العقار.
وعزت المصادر حالة الركود التي يعيشها قطاع العقار حاليا إلى الانتظارية التي تشهدها الأسواق، حيث أن الزبناء فضلوا انتظار ما ستسفر عنه المفاوضات بين الحكومة والمنعشين.
على مستوى آخر، أشارت مصادر «المساء» إلى أن البنوك من جهتها مازالت تمارس سياسة إغلاق صنبور القروض تجاه المنعشين العقاريين، وذلك في ظل التراجع الحاد للطلب الموجه إلى العقارات، مؤكدة أن المؤسسات البنكية أصبحت أكثر تشددا على مستوى الضمانات المطلوبة من المنعشين مقابل الحصول على القروض.
وكان يوسف بنمنصور، رئيس فدرالية المنعشين العقاريين بالمغرب، قد أقر بأن الأزمة الحالية للقطاع ألقت بظلالها على السكن المتوسط والفاخر وخلقت نوعا من الركود خلال الشهور الماضية في هذا الصنف من العقار، مؤكدا أن فدرالية المنعشين العقاريين لمست تراجعا مهما في الأسعار في مجموعة من المدن المغربية، خاصة منها فاس ومكناس ومراكش وأكادير ووجدة.
ووجه رئيس الفيدرالية أصابع الاتهام إلى البنوك المغربية الذي قال «إن إحجامها عن تمويل عمليات شراء الشقق السكنية سواء تعلق الأمر بالسكن المتوسط أو الاجتماعي كان له تأثير سلبي على القطاع».
وأكد بنمنصور أنه يتفهم إشكالية تقلص هامش الثقة في تمويل القروض العقارية الموجهة لاقتناء السكن الفاخر الثانوي، «لكن أن تطال مشاريع السكن المتوسط والسكن الاجتماعي الذي يستفيد من ضمانة صندوق فوغاريم الحكومي، فهذا يعتبر أمرا غير مفهوم»، وفق تعبير رئيس فيدرالية المنعشين العقاريين.
ويضيف المسؤول نفسه أن الإحصائيات تشير إلى أن 10 في المائة فقط من الطلبات التي تتقدم بها الطبقات المتوسطة لاقتناء شقق في مشاريع السكن المتوسط هي التي تتم الموافقة عليها من طرف البنوك المغربية، مردفا في هذا الاتجاه «ما يقلقنا في واقع الأمر هو تخلي البنوك عن تمويل مشاريع اقتناء الشقق المتوسطة، حيث لا توافق سوى على ملف واحد من أصل عشرة ملفات فقط تهم طلب قروض لتمويل اقتناء الشقق المتوسطة».
وكنتيجة لتراجع الطلب على العقار، عاش سوق الإسمنت في المغرب سنوات عجفاء، وفق ما أظهرته أرقام جمعية مهنيي قطاع الإسمنت، التي أكدت تراجع استهلاك الإسمنت بشكل كبير.

الاستثناءات العقارية.. وسيلة للاغتناء غير المشروع شوهت التعمير وخنقت المدن
حولت أزيد من 420 هكتارا من الفضاءات الخضراء إلى عمارات ومبان سكنية
منذ أن انطلقت فورة العقار بالمغرب، والتي وصلت ذروتها سنة 2008، لم يستطع أحد الوقوف في وجه لوبيات العقار التي تضاعفت ثرواتها نتيجة هوامش الربح القياسية، وكذا الاستفادة من امتيازات كبيرة تمنحها الدولة، وعلى رأسها الأراضي «المجانية»، التي تقدم للمنعشين بأسعار زهيدة، والاستثناءات العقارية، التي مكنت من تحويل أراضي فلاحية أو فضاءات خضراء إلى عمارات لم تكن تتضمنها تصاميم التهيئة المنتهية الصلاحية.
لكن منذ شهور وضع فريق العدالة والتنمية بمجلس النواب، اليد على هذا الملف الساخن بمطالبته رئيس مجلس النواب بإعداد دراسة حول الآثار المترتبة عن الاستثناءات في مجال التعمير، خاصة في المدن الخاضعة لنظام وحدة المدينة، والتي تعرف عدة خروقات وتجاوزات في مجال منح رخص الاستثناءات، التي لا ينظمها أي قانون، وتترك باب التقدير للولاة والوكالات الحضرية.
وسرعان ما خرجت إلى الوجود دراسة صادمة تكلف بها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، الذي أجاب عن علامة الاستفهام الكبيرة: هل سمحت الرخص الاستثنائية الممنوحة بخلق مشاريع استثمارية خالقة للثروة ومناصب الشغل؟ الجواب الذي يمكن استخلاصه من الأرقام الواردة في دراسة المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، التي ركزت على الرخص الاستثنائية الممنوحة ما بين 2003 و2013، تطرق صراحة لكيفية تحول الاستثناءات التي تمنح في مجال التعمير، إلى وسيلة للاغتناء غير مشروع عبر خرق القانون من خلال تفويت مناطق مخصصة للمرافق العامة أو للمساحات الخضراء في المدن إلى الخواص، والاستفادة من زيادة طوابق إضافية في العمارات تدر أرباحا كبيرة، فضلا عن فتح أراض فلاحية شاسعة استثناء أمام التعمير، وجني الأموال من ورائها.
وأظهرت الدراسة التي همت مدن أكادير والدار البيضاء وفاس والقنيطرة ومراكش ومكناس ووجدة والرباط وآسفي وسلا وطنجة وتازة وتطوان، أن العديد من قرارات منح الاستثناء لم تراع القانون، ما أدى إلى تحويل 900 هكتار كانت مخصصة أصلا لمنشآت ذات منفعة عامة منها 420 هكتارا كانت مخصصة للمساحات الخضراء، إلى عمارات ومبان فوتت للشركات العقارية، في حين أن القانون ينص على عدم منح استثناءات في المناطق المخصصة للمنفعة العامة. كما أن الدراسة لاحظت أن الاستثناءات عادة ما تمنح لإنجاز مشاريع عقارية أكثر مما تمنح لإنجاز مشاريع صناعية أو سياحية أو لإنجاز تجهيزات أساسية.
وبخصوص توزيع المساحات التي شملتها الاستناءات ما بين 2003 و2013، جاءت مدينة مراكش على رأس القائمة بـ26 في المائة، والدار البيضاء بـ19 في المائة، ومكناس تافيلالت بـ11 في المائة، ودكالة عبدة بـ 10 في المائة، وطنجة تطوان بـ8 في المائة.
ولاحظت الدراسة أن من بين المشاريع البالغ عددها 7578 الحاصلة على الموافقة المبدئية بالاستثناء، فإن 898 مشروعا فقط، هي التي أقيمت في مناطق جديدة للتعمير، بمساحة إجمالية تبلغ 6649 هكتارا، أما الباقي «الأغلبية» فهو عبارة عن رفع في عدد الطوابق، وتسوية الوضعيات العقارية ومراجعة للمقتضيات الملزمة لبعض المشاريع المنجزة سلفا.
وإذا كانت الرخص الاستثنائية الممنوحة لإقامة مشاريع عقارية ظلت مرتبطة بشرط يفرض على المنعشين العقاريين وهو إنشاء مرافق عمومية معها بغرض تجنب تحويل وحدات سكنية إلى «كيطوهات» يتكدس فيها السكان دون وجود منافذ حيوية، وأيضا لتخفيف العبء على الدولة الملزمة أساسا بتوفير مرافق اجتماعية للسكان، فإن الملاحظ، وفق الدراسة، أن عددا من الشركات العقارية الحاصلة على رخص استثنائية لم تعمد إلى إقامة مرافق عمومية على النحو الذي يفترض القيام به.
وبقيت الممارسة السائدة هي تقليص عدد هذه المرافق أو الاقتصار على إقامة ما يستجلب زبناء للوحدات السكنية، من قبيل وجود مساجد أو حمامات وأفرنة عمومية يفوت تسييرها لبعض المحسوبين على هذه الشركات العقارية نفسها، وفي أقصى الحالات تبنى مدارس أو حضانات ومستوصفات صحية في شقق أرضية رديئة بالمشاريع العقارية المرخص بإقامتها استثناء على وثائق التعمير.
هذا الأمر انتبه إليه تقرير المجلس الاقتصادي حينما ذكر أنه «غالبا ما تصبح الأماكن المخصصة لأنشطة الترفيه والمرافق العمومية عرضة لزحف الإسمنت، نظرا لعدم قدرة الفاعلين العموميين على إنجازها بسبب نقص الموارد المالية».
وتشير الدراسة، كذلك، إلى أمر بالغ الأهمية في هذا الصدد، وهو أنه حينما تنتزع ملكية أراض للمنفعة العامة بغرض إقامة مرافق عمومية ضمن مشاريع حاصلة على رخص استثنائية لا يقوم المستفيدون من هذه الرخص بذلك في أجل 10 سنوات، وهو ما يتيح للمالكين الأصليين للأراضي استرجاع عقارهم، دون إقامة مرافق حيوية في مشاريع سكنية مكتظة، وقد يحدث أن يستغل مالكو الأراضي عقاراتهم لبناء مشاريع سكنية تزيد الوضع اختناقا.
عند هذا المستوى يظهر «خطر» الترخيص غير المنضبط للترخيص الاستثنائي، وهو الأمر الذي حول مدينة الدار البيضاء، مثلا، إلى ما هي عليه الآن من تشوه عمراني وعدم توازن سوسيو ديمغرافي ومجالي حاد.

مديرية الضرائب شجعت المنعشين على الإدلاء بتصريحات ضريبية ناقصة
وجه ادريس جطو، رئيس المجلس الأعلى للحسابات، انتقادات شديدة لاتفاقات الصلح المبرمة بين المديرية العامة للضرائب والمنعشين العقاريين، معتبرا أن هذا النهج شجع ظاهرة عدم التصريح بالمبلغ الكلي للبيع «النوار» وساهم في انتشار ممارسة التصريحات الضريبية الناقصة بالنسبة لقطاع يحقق هوامش ربح هامة.
وقال جطو، في تقرير للمجلس، إنه نظرا لشيوع ممارسة التصريحات الضريبية الناقصة من طرف المنعشين العقاريين، بالرغم من المستوى العالي لهامش الربح، فقد أبرمت المديرية العامة للضرائب مع ممثلي المنعشين منذ سنة 2008 اتفاقات ذات طابع حبي تقضي بوضع هؤلاء لتصريحات تصحيحية من أجل الزيادة في مبلغ الضريبة، وذلك على أساس مذكرة اتفاق بين المنعش العقاري وإدارة الضرائب، وهو ما يثير عدة ملاحظات أهمها: إبرام اتفاق عام مع قطاع الإنعاش العقاري برمته، في حين كان من الممكن أن يتم إبرام هذه الاتفاقات بشكل فردي، ثم إبرام اتفاقيات تعتبر عمليا بمثابة تخل عن التصحيحات الضريبية، بالإضافة إلى أن هذه الاتفاقات تمت قبل الشروع في المراقبة أو مباشرة بعد الشروع فيها، ناهيك عن عدم وضع التصريحات التصحيحية المنصوص عليها في الاتفاقات.
وأكد تقرير المجلس الأعلى للحسابات أن إدارة الضرائب تلجأ في بعض الأحيان إلى إبرام اتفاقات صلح مع المنعشين العقاريين في غياب إشعار هؤلاء بالمراجعات المتخذة في حقهم، وكذا من دون إجراء أية مراقبة أو عن طريق مراقبات جزئية، مشيرا إلى أن المراقبة تنحصر فقط في إرسال الإشعار بالمراقبة دون أن يتم ذلك فعلا على أرض الواقع، وهو ما يخل بمبدأ العدالة الجبائية بين الملزمين، إذ أنه لا يتم اعتماد عنصر موضوعي لتحديد مبلغ الاتفاق.
ويضيف التقرير أنه، في بعض المديريات الجهوية للضريبة، يلاحظ أن مكاتب المراقبة لا تقوم بمراقبة العمليات العقارية التي ينجزها المنعشون العقاريون. وغالبا ما لا يتم استغلال المعلومات المتوفرة عند هذه المكاتب من أجل اقتراح القيام بمراجعات لتصاريح بعض المنعشين العقاريين الذين يصرحون بأثمنة هزيلة وغير مطابقة للواقع.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.