جدلية النقابي و السياسي و سؤال الاستقلالية

في خضم الصراع الوطني الذي قادته حركة المقاومة و جيش التحرير إبان فترة الحماية بالمغرب، سجلت الـنقابة لنفسها حضورا سياسيا مهما في سياق سيرورة النضالات الجماهيرية ضد قوى الاستعمار، إذ أن تأسيس الإتحاد العام للنقابات المتحدة بالمغرب سنة 1943 من قبل كان يسمى ب “الحزب الشيوعي المغربي”، سيساهم من موقعه في تفجير معارك المقاومة الوطنية من أجل ضرب طوق الحماية و إنجاز مهام التحرر الوطني. من هنا يتضح أن “الإتحاد العام للنقابات المتحـدة” في المغرب لم يقتصر نضاله في تأطير الطبقة العاملة و فقط، بل تجاوز أسوار النقابة ليلعب دورا لا يستهان به في مناهضة سياسة الإدارة الاستعمارية بالمغرب. ذلك أن الحركة النقابية عندما ظهرت في أوساط الشغيلة المغربية في شكلها الجنيني، لم تكن إلا تعبيرا عن لحظة من لحظات وعي الصراع الوطني ضد الاستعمار و الاستغلال الرأسمالي العالمي لثروات البلاد و خيراته.

     و بهذا الصدد، كان للمقـاومة المسلحة التي قامت معاركها على أكتاف بعض الخلايا العمالية المنضوية تحت لواء النقابة، دورا رياديا في الدفع بدينامـية الأحداث السياسية و التحكم في مجرياتها، لدرجة الانخراط في العمل السياسي المباشر الذي خلخل الأوراق الاستعمارية و عجل بالحصول على الاستقلال. و يأتي ذلك طبعـا انسجاما و تصور “الحزب الشيوعي المغربي” للعمل النقابي، الذي كان يعتبر النقابة قطاعا حزبيا يتحكـم فيه وفق ما يخدم تعاليم الحزب وتوجيهاته السياسية.

 و في إطار تسييس العمل النقابي و تحزيبه، ظل مبدأ استقلالية النقابة مجرد شعارا أجوفا خاليا من المضمون الحقيـقي لهذا المـبدأ، الذي يتجسد في عدم الارتباط التنظيمي للنقابة بالحزب، من خلال تصريف الفعل الحزبي تحت عباءة الفعل النقابي و أيضا من خلال تداخل المستويات البنيوية للنضال التي تنطرح على جدول أعمال الصراع الذي كانت تخوضـه الحركة الوطنية و عموم روافدها من أجل التحرر و الانعتاق من الاستعمار..

     و نتيجة لتوسع و امـتداد قواعـد الطـبقة العاملة و قطاعاتها، و نظـرا لتجذر الوعي النقابـي الجـاد و المسؤول في صفوف العمال المغاربة و عموم الجماهـير الكادحة، تأسس الإتحاد المغربي للشغل، كتنظيم جماهيري مســتقل ما فتئ يستشرف آفاق عمل نقابي وحدوي للطبقة العاملة المغربية.

     و لكون ميلاد الإتحاد كان في ظل السياق العام لتنامي الكفاح الوطني ضد نظام الحماية، فإن هذا الإطار النقابي في تلك الفترة، انخرط بشكل بارز و فعــال في الصراع السياسي من أجل انتزاع الحقـوق الاقتصادية و السياسية التي كانت ترنو إليها آنذاك الأمة المغربية.

و في هذا الإطار، يسجل للحركة النقابية عـموما و على رأسها الإتحـاد المغربي للشغل، نجاح نضالاتها في تحـقـيق جملة من المكاسب التاريخية من خلال استصدار مجموعة من القوانــين والتشريعات المتعلقة بقانون الشغل و الحمـاية الاجتماعية للطبقة الكادحة.

     و بالموازاة مــع ذلك، كان الإتحاد المغربي للشغل بحكم طبــيعة المرحلة التي كان يجتازها المغرب، يرفع نفــس الشعارات والمطالب السياسية المترددة في أوساط القوى الوطنية و المتمثلة في المطالبة بإقرار ديموقراطية حقــيقية عبر إقرار مجلس تأسيسي ينبثق منه دستور ديموقراطي كمطلب ملح يندرج ضمن استكمال إنجاز مهام التحرر الوطني .

     و بعد ذلك كله، سيأتي الــمؤتمر الثـالث للمركزية النقابية سنة 1963، ليخــرج بقناعات جديــدة، فحواها هــو فـك الارتباط بين الحركة النقابية و الحركة السياسية، بعد أن كانت الأجهزة النقابية تتحكم فيها أجــنحة حزبية/سياسية تتوزع بين حزب الاستقلال و حزب الإتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى حدود1960.

     هكذا سيدشن الإتحاد المغربي للشغل تجربة نقابية متميزة جسدت بكل وضوح استقلالية العمل النقابي عـن كل مكونات النسق السياسي من قوى حزبية ومجتمع مدني و لوبيات ضاغطة و سلطة سياسية، دون أن يتجاهل التفاعل الموضوعي بــين النضال النقابي و النضال السياسي في إطار النضالات الجماهيــرية التي تخوضها القــوى الشعـبـية المعدمة. و بالدرجة نفسها ظل الإتحاد، أكثر من غيره، وفيا أيما وفاء للمبادئ النقابية الأخرى

       إلا أن الساحة النقابية، ستعرف استمرارية لإشكالية الارتباط السياسي و الحـزبي في العــمل النقابي بحكم الجـدلية التي ظلت إلى حدود الآن تحكم الساحة، حيث يتداخل الفعل النقابي و الـفعل الحزبي في إطار شروط و رهانات لا تخدم إلا سياسة و مصالح أعداء الطبقة العاملة.

     و يظهر ذلك بجلاء من خلال بلـقنة صف الطبقة العاملة عبر إغراق الساحة العمالية بتعددية نقابية زائفة و غير صحية، نظرا لتفاقم ظاهرة الانشقاقات المرضية في ظل تعددية حزبية مائعة، و ما ينتج عنها من تفريخ آلي للقطاعات النقابية، و ذلك بفـعل تظافر مجموعة من عـوامل و عناصر الأزمة الـذاتية و الموضوعية المتطابقة و رهانات أعداء الشغيلة فـي تكسير شـوكة العمل النقابي الوحدوي، واستئصال شــأفة الحريات النقابية، انسجاما مـع إملاءات مراكز بروتـن وودز الإمبريالية..

إن النقـابة هي السلاح الأهـم الذي تملكه الطبقة العاملة لمواجهة ما يمكن مواجهته من المخططات التي تحاك ضدها، و لذلك، فإن التوجيه السياسي للنضال النقـابي ضرورة لا مندوحة عنها من أجل ضمان عـدم انزلاق هذا الأخير و انسياقه بين الفينة و الأخرى وراء أوهام القوى الإصلاحية، التي ترتهن بشكل أو بآخر لسياسات المؤسسات الاقتصادية و المالية العالمية، ذلك أن الوجود السياسي للإصلاحية داخل النقـابة، إنما يلعب دور مكمل لدور أعداء الشغيلة في إطار الإجهـاز على حقوقها ومكتسباتها..

* باحث في الدراسات السياسية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.