جائزة خديجة الرياضي رسالة عالمية إلى المغاربة

dghrniilyasomari

قبل نهاية سنة 2013 بعدة أسابيع حصلت السيدة خديجة الرياضي على جائزة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان لهذه السنة (10/12/2013)، وهي أول من حصل بشمال إفريقيا على جائزة من هذا المستوى الرفيع بعد الأفارقة الآخرين مثل نيلسون مانديلا والقس “Desmond Tutu” ديسمون توتو الذي حصل على جائزة نوبل للسلام، ولا يسعنا إلا أن نهنئها، ونعتز بها، في بلد كان أحد مشايخه يدعو الله “أن يغيث هذا الشعب المظلوم على يد النساء” بعد أن جرب الناس طويلا حكم الرجال، ولم يتخلصوا من الظلم، وهذا الشيخ كان من سوس (تيزنيت) الذي تنحدر منه خديجة الرياضي (تارودانت).

وهذه الجائزة العالمية جاءت بعد أحداث خمسة كبر ى عرفتها سنة 2013 في مجال حقوق الإنسان الاقتصادية والثقافية والاجتماعية بالمغرب، ألا وهي:

1- مشروع الولايات المتحدة المتعلق بتوسيع اختصاصات المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء (أبريل 2013).

2- وتقرير Human rights Watch الذي قدم للرئيس أوباما ونشر على موقع المنظمة الأمريكية (20 فبراير 2013) قبيل زيارة الملك محمد السادس للولايات المتحدة، والمتعلق بخرق حقوق الاسلاميين والأمازيغيين والصحراويين في التنظيم الجمعوي والسياسي بالمغرب وتكسير عظام المحتجين من طرف قوات الأمن.

3- وتقرير منظمة الشفافية transparency الذي أعلن تدني درجة المغرب في مجال محاربة الرشوة بفقدانه ثلاث درجات سنة 2013، بالمقارنة مع سنة 2012.

4- وتفجير قضية العفو على دانيال كالفان (شهر غشت 2013) المتعلقة بحقوق الأطفال ضحايا البيدوفيليا بمدينة القنيطرة، وظهور قوة الاحتجاجات الشعبية أثناءها.

5- التحرك القوي للمتضررين من انتزاع أراضي السلالات والقبائل وثرواتهم المائية والمعدنية والغابوية في جميع أنحاء المغرب.

وهذه الجائزة هي تقوية ودعم لنضال النساء الذي يلقى تأييدا قويا لدى حركات حقوق الإنسان عبر العالم. وسوف تكون مجالاً لتنافس النساء المغربيات وكل المغاربة في مجال النضال الحقوقي خلال السنوات المقبلة لكي لاتبقى خديجة الرياضي وحيدة، ومهددة بالتهميش والهجرة إلى الخارج مثل من سبقها من المعارضين، والخطر المحدق بحياتها أمام من سيحاولون تصفية الحسابات بوسائلهم المألوفة. والشعب في حاجة الى مآت من نساء حقوق الإنسان اللائي سوف يطمحن إلى الحصول على شرف الجوائز العالمية.

لكن المغاربة يعرفون جميعا المثل الذي يقول “إذا كنت في المغرب فلا تستغرب” ونعني أن بعض الشخصيات المغربية التي تشتهر على مستوى من المستويات الثقافية والمعارضة والنضال السياسي والديني والحقوقي أو الدرجات العلمية والأدبية والجوائز الدولية تكون عرضة لاستجلابها إلى صفوف الحكم المخزني بوسائل إغراء معروفة تحولها إلى أبواق للدعاية المقلوبة، (بنزكري، حرزني، اليزمي، الصبار، أمينة بوعياش، الفقيه البصري، كجمولة، عبد الرحمان اليوسفي، صلاح الوديع، عبد الله العروي، حسن بنعدي… وكثير من قدماء الجمهوريين الصحراويين، والريفيين، والمنفيين، والمحكوم عليهم بالسجن في الملفات السياسية من الانقلابيين والإسلاميين والأمازيغيين..) حتى أصبحت أساليب “قليب الفيستة” قاعدة راسخة في صفوف السياسيين، والمعارضين والمثقفين، والثوريين، وأصبحت المبادئ والقيم النبيلة لدى الكثيرين مجرد ترويج وترشيح للوظائف والامتيازات ومناسبات كتابة ونشر وطبع مذكرات نضالات سياسية مضت وأصبحت مجرد ذكريات تؤرخ للتراجع والهزيمة.

ونتمنى أن لايتكرر ذلك مستقبلا، خاصة بعد أن أصبح المغرب شعبا بدون زعماء حقيقيين يتصفون بالثبات على المبدأ، وسوف تكون جائزة خديجة الرياضي إذا فهم الشعب المغربي رسالة الأمم المتحدة التي تحملها هذه الجائزة منطلقا لتجديد الزعامة الحقوقية والسياسية بالمغرب، وهي من نماذج  السياسة العالمية المعتمدة على نساء دعمهن الرأي العام العالمي والداخلي معا، في إيران، وبنكلاديش، وباكستان، واليمن… ودول كثيرة تعاني من قمع الحريات الأساسية مثل أمريكا الجنوبية وجزر المحيط الهادئ ونجحت الخطة وأصبحت قابلة للتطبيق في بلد كالمغرب.

لانقصدمن هذه الأمثلة سوى أن ينتبه الشباب إلى خطر “قليب الفيستة” وأن يضع كل مواطن أمام عينيه لوائح المعارضين الذين تحولوا الى أدوات لتسفيه المعارضة والعمل السياسي والثقافي والديني والحقوقي بالمغرب. ولا عيب أبدا في أن يتولى الشخص كيفما كان ماضيه السياسي مناصب الحكم والسلطة في بلده، فمثلا نيلسون مانديلا انتخبه شعبه بعد خروجه من السجن رئيسا لدولة جنوب إفريقيا، لكنه لم ينضم إلى صفوف العنصريين البيض الذين وضعوه في السجن، ولم يبع لهم ضميره مقابل إطلاق سراحه وتعويضه بالمال وضمه إلى الحكم العنصري… ونفس الشئ التزم به القس ديسموند توتو الحاصل على جائزة نوبل للسلام وزعيم المسيحية الانجليكانية في جنوب إفريقيا وهو مثال رجل الدين المسيحي الإفريقي الذي لايبيع دينه للحكام.

لقد دلت التجربة على أن الكثير من المعارَضات المغربية وقيادات ماكان يسمى المقاومة وجيش التحرير والحركة الإسلامية والأمازيغية والنقابات العمالية هي كرات ثلج تذيبها حرارة المال ومناصب السلطة المخزنية، وهل يمكن أن تتبدل الحالة في الحاضر والمستقبل، وأن تعود الثقة في أطر المعارضة وحركات التحرر، والزعماء والزعيمات وهن كثيرات وتفوقهن شهرة الحاصلات على الميداليات في الألعاب الرياضية؟

لاشك أن المسألة تحتاج إلى اكتشاف العوامل الموضوعية المؤثرة على المعارضين والحقوقيين والمثقفين والمتدينين الذين تذيبهم الأساليب المخزنية، وليس فقط الحديث عن السلوكيات السياسية والحالات الذاتية التي تتغير، وهي من مهام الباحثين والمفكرين والعلماء، فبعض المتراجعين من المعارضة يفسر تراجعه بأنه ارتكب خطأ سياسيا (حرزني مثلا في شهادته أمام هيأة الإنصاف والمصالحة) وآخرون يعتمدون على الغفران (إن الوطن غفور رحيم بالنسبة للصحراويين العائدين من صفوف البوليساريو إلى المغرب) وآخرون يبنون موقفهم على المصالحة والتوافق مع النظام الحاكم (الذين وقعوا عقودا مع الهيأة المستقلة للتحكيم، والذين يؤمنون بالتناوب على مقاعد الحكم دون تغيير للسياسة) وآخرون أنهكهم الخوف وعاهات التعذيب والأمراض وظلمات السجون والفقر.

ويمكن القول بأن المجتمع المغربي لم يستطع حتى الآن إبرام تعاقد اجتماعي مابين الشعب ومناضليه ومناضلاته من مختلف التوجهات يقيهم من خطر التحول المفاجئ إلى صف الذين يخرقون حقوق الإنسان وأعداء الشعب… وأيضا القول بأن الشعب يعاني من عدم استقرار الفكر السياسي وزعزعة العقائد والإيديولوجيات ولم يستطع بعد ظهور الجهاد المتشدد لدى المسلمين، وسقوط أنظمة الشيوعية في الاتحاد السوفييتي والصين أن يحول الهزائم إلى انتصارات.

إن جائزة خديجة الرياضي (إحدى زعيمات حركة 20 فبراير 2011 ومن غير المحتجبات، ومن الملتزمين بالنضال في الشوارع ومشاركة كل الحركات الاحتجاجية في نضالاتها دون ميز عنصري أوديني أولغوي..) هي مؤشر على وجهة نظر وخطة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بالمغرب خلال سنة 2014 حيث ينتظر أن تثار مسائل حقوق الإنسان والحريات العامة بمزيد من الجدية، وأيضا تقوية جانب المجتمع المدني والحركة النسائية والشباب على حساب مجلس اليزمي والصبار، ومندوبية المحجوب الهيبة، ووزارات PJD وحلفائهم الذين يلقون الخطب لتزيين صورة المغرب.

وقد تزامن منح الجائزة مع إخراج “الميثاق الوطني لحقوق الإنسان” من أرشيف الجمعيات التقليدية لحقوق الإنسان، وكان توقيعه منذ ثلاثين سنة في ظروف أقسى سنوات الرصاص ليؤكد العودة بحالة حقوق الإنسان إلى الوراء بثلاثين سنة.

وأخيرا فعلى الجميع أن يقرأ رسالة الأمم المتحدة في طي هذه الجائزة ويمعن النظر فيها ويحاول فهمها من أجل مستقبل أفضل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.