ثامغرا وبندير الحاج أعبسرام

-آه، هَمْمْمْمْ. ‘حفلة السابع’ أم حفلة الزواج؟ تساءل وهو يمطط في حروف الهاء والميم وكأنها لقمة شهية في فمه، وكأنك تتلقاها وتمضغها بشفتيك بدل الأسنان واللسان لشدة لذتها. همممم، هكذا.
الذي يفكر… عنه سنكتب، أم هو صاحبنا الذي سيحكي عنه؟ الراوي؟..

جميل ! جميل جدا! مكسب عظيم أن تفكر، لكن تصوروا معي أنكم تفكرون وفي نفس الوقت تقربون منكم الأحداث وكأنها من رحم اللحظة. ارجوكم… تصوروا معي ذلك الرحم الذي استرقتم النظر فيه وربما تلصصتم عليه، وتابعتم توالده، ثم مخاضه و حضرتم حتى في حفلة تسمية الوليد.
إنه شيء أجمل أن تفكر وتتصور، لكن ما بالكم في أن تجتمع كل الأشياء، فتستمعون وتفكرون وفي نفس الوقت تتصورنها بطريقة … وكأنكم تسللتم خفية الى تلك الاحداث وها نحن الآن نعيشها معا، حرقة حرقة، تفصيلا تفصيلا، رجفة، ثم ارتعاشة.

كان اليوم خميسا. أتذكر هذا جيدا لأن الحاج أعما غضب في لحظة معينة وصرخ في وجه الحاضرين:
– لقد أنهكتمونا بهذا التبضع وكدتم تقتلوننا وتحرموننا من حضور هذه الحفلة التي انتظرناها طويلا: إذهب الى حانوت نسيمحماذ، إذهب الى حانوت ناسيعما أوراغ، إذهب الى الهادي أقوضاض، إذهب الى اسيكّوح، الى بوحدو، الى بوزيث، الى بوكيدان، الى آيت بوعياش. لو انتظرتم يومين لتبضعتم من ‘سوق اسبث’ ولوجدتم هناك كل ما تحتاجون إليه دفعة واحدة. لماذا هذا التسرع؟ الجنة الحقيقية تنتظر المسلمين منذ زمان لتفتح لهم أبوابها، لم لا ينتظر العريس؟ لم لا تنتظر العروس يومين قبل أن تفتح له فخذيها؟

الحفلات التي يعرفها الريف كثيرة… والعرس، حفلة الزفاف، هي أكبرها وأهمها. كانت ستكون هذه هي الحقيقة المطلقة لو لم تكن حفلة التسمية تلك، أسبوعا بعد الولادة، أرقى وأكبر وأجمل من العرس نفسه.

على كل حال، استدعيت للحضور.. الحضور فقط . هكذا أكد لي صديقي وعائلته منذ البداية، لكن ما إن لبست أجمل ملابسي الداخلية وارتديت عليها سروالا من ثوب فصله لي أعما أخياض بيديه وانتعلت حذاءً لامعا وقميصا أزرقا أهداهما لي خالي من هولندا، ولم يسبق لي من قبل أن لبستهما إلا مرة واحدة ولمدة نصف ساعة فقط في العيد الكبير، لبستهما وحين سلمت على ضيوفنا ورأتني بنات الحي بلباسي، انتزعتهما توا عني كي لا يتسخا على جسدي وكي تبقى صورتي عند البنات بقميصي الجديد وحذائي اللامع، حية ولامعة. ما إن فعلت حتى سمعت صديقي يناديني. أختي أيضا تسرعت لتخبرني بأن سعيدا ينتظرني عند الباب.
قلت في نفسي: يوم سعيد وكبير هذا، أكبر من العيد الكبير نفسه.
حينما خرجت إلى سعيد والقيت نظرة فاحصة عليه ، بدا لي مهموما ومنشغلا جدا بأفكار وربما أيضا بمشاكل لا يعرف لها حلا. رمقني وأتاني مسرعا خطاه وهو يردد:
– كم أنا فرح بك، أنت الذي ستساعدني هذا اليوم، أراك على أتم استعداد يا صديقي، هيا بنا الى حانوت بورعراصي لشراء بعض الاشياء للحفلة وسترافقني بعدها الى دارنا.
كنت قد سمعت من قبل، الحاج أعما يشكو من التبضع واستنتجت أن كل شيء يوجد ولا يخص صاحبي وعرسهم إلا بعض الاشياء القليلة، لكني وأنا أرى نظرته الميؤوس منها، قررت أن أحرن دعابة وتمنعت عن أن أرافقه الى الحانوت.
– هيا ! لا تكن عنيدا الى هذا الحد، فأنت صديقي، وأنا…أنا في شدة، أمر بوقت عصيب وأحتاج اليك هذا اليوم بشدة.
– كيف سأرافقك وأنت لم تعر ولو اهتماما صغيرا لملابسي هذه التي أرتديها؟
نظر الي بدهشة صديق مسرور لحظوظ صديقه. يظهر الأمر وكأنه تخلص من شروده ورمى إلي بنظرة كما أعرفه، لكن قبل أن أنهي حديثي المتصنع معه، تغيرت سحنته وبدأ يتوسلني:
– إن رافقتني وساعدتني فسأترك أختي تنظم بعض إزران عليك، أعاهدك بأنها ستذكرك بالاسم فيها.
– لا أريد أن تغني أختك لي ولا علي ولا أريد أن تذكر اسمي. انت صديقي وقطعا لا أريد هذا، اذهب لوحدك الى الحانوت وسنلتقي عند عودتك.
– لم تفهمني صديقي. أختي سترتب الحفلة كلها وستحدد بنفسها ما سيقع في الامسية وما سيقال. تصور: أربعة بنات من هنا وأربعة من هناك مع دفوفهن في تباري الكلمة العلياء والمعنى الجميل في وسط ‘أزقاق’ الدار. تصور المتفرجين الذين أتوا من كل حدب وصوب وهم في لهفة مما يرونه ويسمعونه في شبه حلقة كبيرة. تصورصديقي أن تذكر أنت بالاسم من طرف أجمل فتيات القرية وأصدحهن لسانا. تصور الجمع الذي سيحول نظراته من الفتيات اليك وأنت في بذلتك الزرقاء الساطع لونها تحت القمر، فما بالك تحت إنارات الفوانيس وأحداق الحسناوات. تصور عيون أعدائنا وحاسدينا…
تصورت المنظر فعلا وفكرت في كلمة الأعداء وتخيلت ما يحلو لي أن تعنيه وقررت أن أرافقه. برشاقة خفيفة ذهبنا معا الى الحانوت.

*****

ما إن وصلنا إلى دار سعيد وسلمنا البضائع حتى تلقينا قائمة لبضائع جديدة وجب أن تقتنى أيضا. لم يكن في وسعي أن أرفض تلبية طلبات أمه التي خرجت من الدار تاركة أشغالها لتتوجه الي وتقبلني على جبيني وهي تدعو معي وتباركني كإبن من رحمها.
بقينا اليوم كاملا ونحن منشغلين صعودا وهبوطا مِن… الى الحانوت.
تصبب العرق على كل جسدي وتلون عنق قميصي الازرق وابتل في أماكن أخرى. لم يكن في وسعي أن أعمل شيئا آخر غير الاحتفاظ به على جلدي ما دمت لا أملك من الثياب ما هو أجمل أو أحسن.
– المهم أن العرس الحقيقي بالرقص وبإزران سيتم ليلا بعد الوجبة الاخيرة… وفي الليل كل الأوساخ اللاصقة بقميصي، لن ترى. فقط رائحة العرق التي بدأت تخمرعلى وقع نسائم المساء العليلة، ستشكل مشكلا لا بد من إيجاد حل له آنا.
هكذا قلت لصديقي وأنا أفتح الأزرار العليا للقميص الذي لصق بجلد صدري وأنا أهزه بأطراف أصابعي وأرفع ذراعي ليتسنى لي شم الرائحة المخمرة والقوية التي تنبعث من إبطي.

-أعرف الحل لمشكلتك،
-ماهو الحل؟
-أختي.

*****

أخته؟ فتاة وسيمة وجميلة وتكبرني بعام أو أكثر قليلا. كنت مولعا بها. أحببتها وحادثتها كثيرا، كنت أحلم كل الوقت بها. أعرفها قبل أن أتعرف على أخيها وأتصادق معه، حتى أني كنت أستغل صداقته للاقتراب منها ومن محيط منزلها، لكن عندما بدأت صداقتي بسعيد تتقوى، بدأ حبي لها يكتسي شيئا فشيئا نكهة الخيانة، خيانة صديقي وخيانة ضيافة عائلته الطيبة لي. الكل يعرف أني أحبها وهي تحبني، لكن لأجل صداقتي مع صديقي وبسببها فإني جازفت بحبها الى درجة أنني لم أُرد بتاتا أن أتكلم معها أو أسمع أحدا يشير إليها في حديثه ولا أن يذكر حتى اسمها أمامي. ليست كراهية هذه، لكن هناك ما هو اكبر، وهناك ما هو أمَر أكثر: الخيانة.
– ما الذي أدخل أختك في هذا الموضوع، أأنت مجنون صديقي، أنا أتكلم عن رائحة قبيحة وعن العرق وأنت وأنت تزج بأختك في..؟
– لا، أنا لا أتكلم عن أختي، أريد أن أحدثك فقط عن شانيل ورائحتها، وأختي لديها في غرفتها قنينة منها، لا تزال مملوءة للنصف.
فهمت قصده وقلت بدون شعور:
– لكن الرجال لا يستعملون عطر النساء
– لديك الحق صديقي، رائحة العرق أحسن من أنوثة شانيل ومن هدايا أصحاب الخارج.

*****

بعد الأكل وبعد إنهاء كل أشغال العرس والساعة تقترب من منتصف الليل تجدني في فناء الدار ببذلتي ورائحة شانيل الزكية تتبعني في خطاي وتتبخر حولي.
سعيد أوجد لنفسه ولي كرسيين وضعمهما في جبهة الفناء بعيدا عن زوايا المنزل القروي المعتمة تحت إنارة قوية لمصباح، وضع على قنينة غاز صغيرة وزرقاء، في لون بذلتي عند واجهة الباب الذي سيشهد دخول وخروج كل الحاضرات من الفتيات. بدأ الناس يدخلون واحدا واحدا ويصطفون أمام الحيطان التي تحيط ب’أزقاق’ الدار والتي تتوسطها بعض المجامير محمرة الوهج بالفحم والحطب الثقيل الذي يحترق داخلها. الدفوف تدفأ وتسمع طقطقات تجربية عليها لجعلها تكتوي وتحدث ذلك النغم الذي يصاحب أصوات فتيات الفناء العندليبية. الكل يسترق النظر بينما يختارون أحسن الامكنة.
في الفناء، أزقاق، في هذا المسرح سيقع الحدث الذي سيذكره الحاضرون طويلا وسيذكرونني أنا الذي أروي هذه القصة لكم أو أكتبها، سيذكرونني باسمي، في نظم إزران منعنعة:
آعلي أيافريو ناناعناع (يا علي يا ورقة نبتة النعناع)، آعلي يا أنوار أنبنعمان ( يا علي يا وردة بنعمان)، آعلي أثاستا نزيتون ( يا علي يا غصنة زيتون)…

بينما أحاول أن أستبق الأمور وأتكهن حول نصوص إزران التي ستدور حولي، خصوصا وأن سعيد أكد لي أنه قد كلم أخته في الموضوع وقبلت هي بدورها بالفكرة، يدخل الحاج أعما بعصاه المسلحة بأسلاك حديدية، لفها على طولها، وإذا به ينظر في الوجوه المصطفة ويعلن:
– أهلا ومرحبا بكم كلكم ، المدعوين منكم وغير المدعوين. في الحقيقة كنا نريد أن يشهد فناء منزلنا لهذا العرس المبارك وفيه سنرقص معا وستلقي بناتنا إزرانهن، لكن وأنا أنظر اليكم وحضوركم الكث والمكثف وأعرف أن الحاج أعبسرام قد سافر من بعيد ووصل توا ليحضر معنا هذا العرس، فما علينا إلا أن نغير المكان وننتقل الى مكان أرحب بكثير. أنتم تعرفون الحاج أعبسرام ودقاته على الدفن. إذا ضرب بطن الدف هنا براحته القوية، ستجد البنات يشطحن بصدورهن ويهزن بطونهن راقصات هناك في جبال تمسمان وجبال آيت توزين. يالله بنا، سنترك الفناء ولنذهب الى البيدر خارج المنزل.
هناك مكان لنا ولكل الذين ستجذبهم ضربات الحاج أعبسرام ‘أناخ’ الى عرسنا.لم أسمع يوما ضربات الحاج أعبسرام، لكني سمعت حكايات كثيرة عنها وعن ابهامه الغليظ الذي لا يستطيع إيلاج الفتحة المخصصة له جنب الدف، كل الدفوف التي تباع حاليا لا تناسبه. يقال أن لديه دفا خصيصا له ولا أحد يستطيع الضرب عليه سواه. على أية حال فدوره سيأتي في فصل الرقص بعد الغناء.

****

القمر في السماء مكتمل ودائري منير، يشبه قرص ‘ دورو’ الفضي الذي يوضع على جبين العروس الريفية.
لضوئه الساطع شيء من توهج ‘رمشاعشاع’ و’ارماجن’ اللذان يشكلان صورة التاج الذي يوضع على رأس العروس ويحمل اسم ‘أربوكاع’ بالريفية.
للبيدر أيضا شكل القمر أو شكل الدائرة الضوئية المنيرة وسط المسارح بفعل ما جهز وصقل به من مواد وأتربة هي على العكس تماما من محيطه الذي يظهر منغمسا في العتمة ويظهر الحاضرون فيه كصور ظلية
(silhouette)،
يغادر الرجال فناء المنزل الكبير وفي أياديهم كل الادوات التي يحتاج اليها العرس، دفوف معدة للضربة والنغمة، سنسونات ‘ لأنغام مشاكسة،’ مجامر موقدة ومتوهجة احمر حطبها جيدا بعد أن غادرته كل السنة النار، مصابيح زيتية تقليدية (اللمباث) وضعت حول البيدر وبعضها ثبت من يدها حول الأغصان السفلية لشجر التين بأوراقه العريضة و الوافرة. المصباح الكبير الذي ثبت على قنينة الغاز والذي يصدر ضوءا قويا، وكنت قد جلست تحته في فناء المنزل، وضع الآن في أبعد نقطة من المنزل، خارج البيدر بأمتار وكأن مهمته حراسة العرس والبيدر عن طريقة إضاءة محيط العرس.

الرجال أخذوا أمكنتهم في نصف دائرة تماما كما في مسرح يوناني. الاعراس الريفية لا تتم في حلقة. الدائرة المنغلقة لا تمت بصلة الى الاعراس وتنم عن عدم احترام عروض العرس اضافة الى الاستهزاء والاستخفاف بالأشخاص الذين يقومون بلعب أدوارها أو ينظمونها .
العرس الذي يشكل الناس حوله دائرة يوصف بالضعف ويشبه سريعا بالعهر. لذلك لا تجد في المظاهر العامة في الريف حلقة مغلقة سوى في الأسواق حول المهرجين وبائعي الأعشاب البرية والوصفات الوهمية ودعاة الدين.
في فناء المنزل المربع الشكل اصطف الناس أمام ثلاثة أسوار وتركوا سور غرف النساء خاو. هنا في البيدر خلف الدار، حام الناس في نصف قِمع حول البيدر وتركوا الوجهة المطلة على المنزل الذي فتحت فيه بوابته الخلفية، مفتوحة، ليشكل ممرا لمنظمي العرس وللفنانين الذين سيطربون فيه. المنزل بحد ذاته يشكل كولس للمسرح حيث تهيأ الادوار وتقسم، إضافة الى تهييئات أخرى تحتاج اليها العروض لتتم على أحسن أحوالها وفي ظروف تناسب منزلة العائلات المتزاوجة.
حول البيدر وضع سعيد بعض الكراسي ووضع كرسيه وكرسيي في مكان استراتيجي جنب ممر المسرح الذي يؤدي الى الباب. أكثر الناس جلسوا على الأرض، بعضهم استعان بأحجار كبيرة أو بجذوع أشجار جافة. جمع صغير احتكر شجرة التين حيث أبعدوا منها المصباح المعلق عليها وعوضوه بمجمارة موقدة وأخرجوا كومات الكيف والسبسي لينفثوا دخانها ويتمتعوا بالعلياء من السماوات التي تخلقها النبتة الريفية المتميزة التي يدخنونها.
هنا وهناك تسمع ضربات دفوف ودقات سنسونات وهي توقد فوق المجامر لتضبط النغمة المطلوبة منها.
عم الصخب الحضور وهم في انتظار مشحون بالقلق…انتظار الافتتاح. قهقهات وضحكات تسمع هنا وهناك في محاولة لتكسير جدار القلق والترقب.

فجأة يعم الصمت والهدوء كل الأرجاء.
إنه الحاج أعبسرام. ما إن رمقه الحاج أعما الذي أخذ مكانه على كرسي بمعية من بعض المسنين، إلا ويشير له ليقترب منه ويأخذ مكانه على الكرسي الذي حجزه له.
يدخل الحاج أعبسرام دائرة البيدر بخطا ثابتة تعرف ثقة نفس كبيرة. يتوقف قليلا ويأخذ برأس سبابة وإبهام يديه بجلبابه الثقيل من موضع الصدر ويرفعه وكأنه يمسك بحلمتيه ويمددهما. يمرر أولا نظرة على كل الحضور ويرفع صوته المعروف بعدها:
– السلام عليكم يا أهل العرس.
– السلام عليكم أرحاج ، يرد الجمع بشكل جماعي يضمر احتراما كبيرا له، ثم يتابع الحاج كلامه:
– في الحقيقة فالأعراس للشباب…نحن كبار السن كان علينا أن نبقى في ديارنا، لكن كما تعرفون فالعرس أمانة ، ومع الأسف ما ان وضعناها في أيديكم إلا ورأينا الفوضى تنتشر، ولاحظنا مستوى الأعراس في تردي. إن هذا هو بالضبط السبب الذي جعلنا نأتي من بعيد ونتعب أنفسنا وبغالنا معنا للحضور.
قبل أن يأخذ مكانه يوجه كلماته الاخيرة لجهة معينة من الدائرة حول البيدر:
– الله اخليكم.. لقد نقلت بغلتي و جعلتها قريبة من البيدر وهي مربوطة خلفكم هناك. أرجوكم لا تقفوا واتركوا لها فتحة في الجدار تنظر منها وتتفرج معنا في هذا العرس الكريم.
ما إن أنهى الحاج كلامه وفتحب البوابة الخلفية للمنزل، حتى انتشر صمت رهيب. من مكاني الاستراتيجي تابعت نظراتي نظرة لطيفة، أخت سعيد. نظرت الي بشكل يجعل الروح ترتجف. توقفت ما إن رأتني. عدلت في وقفتها، رفعت صدرها بعض الشيء واستقامت. ركزت نظرتها علي وابتسمت لي ببسمة ذابت سكر جوفي. تناست الكل حولها والنظرات التي وقعت عليها. خفضت بصرها ونفثت كل الهواء من رئتها ثم رفعت عينيها ببطء وثمالة، بشكل سيعجل بنهايتي، اعتقدت لحظة. إنها من نوع تلك النظرات التي تمص رحيق الروح فيك بداية من سطح القدم. وحين ترفع أهدابها وتفتح عينيها بأكملها، يكون ذلك الرحيق قد غلى وصعد الى ناصية الرأس.
أخذت لطيفة نفسا طويلا ملأت به رئتيها بالهواء لتخف أرجلها وتستعيد رشاقتها قبل أن تخط على عتبة المنزل وهي تضرب على دفها متبوعة بسبعة بنات مرة واحدة.
يظهر الأمر أن البداية ستكون لإزران في شكل التباري بالرايس. أربعة فتيات مقابل أربعة. لكن بعد أن قادت المجموعة عبر عقبات التعثر في البداية ونجحت المجموعة في إيجاد طريقها الى النبوغ في الأمسية، تراجعت لطيفة الى الوراء وتركت فتاة أخرى تأخذ مكانها. إنها أكبرهن سنا.

******

تتشكل إزران في حلقات مختلفة وتعتبر الحلقة الاولى أقل ابداعا حيث تعد من الرسميات وتتركز الاغاني فيها على مدح العروس والعريس وأهلهما ونقل التمنيات الجميلة والدعوات المباركة اليهما. عادة لا تختلف عن عرس آخر إلا بتبديل الأسماء، لكن رغم هذا فإنها تجذب انتباه الحضور وترغمهم على التركيز. في هذا الطور يتم تفحص البنات، لباسهن، حركاتهن، مهاراتهن، أصواتهن، أمزجتهن والتفاعل مع بعضهن البعض في رايس يطوف ويترنح مدا وجزرا في أرجاء البيدر.
ما إن انتهت الحلقة الأولى التي عادة ما ينعدم فيها التباري على مستوى النصوص حيث تنظم الفرقة الاولى إزري وتنشده، ثم تعاود الفرقة الثانبة نفس إزري بنغمة صوتية أخرى.
الفتاة الأكبر سنا أخذت مباشرة القيادة في يدها وغيرت مجرى إزران في إعلان صريح لحبها لذلك الرجل الاربعيني الجالس تحت شجر التبن. تبادل الرجال نظراتا بينهم وهمس سعيد في أذني:
– حسب ما يظهر فمعجزات الرب لم تغب عن هذه الدنيا. أقامر معك بإنها ستكون العروسة القادمة في القرية وهذا بعد أن سحب الكل أمله في وقوع ذلك.
تصورا معي ذلك المشهد. الفتاة تعلن علانية غرامها والرجل يغمره الغبط وتنتشر الفرحة في أرجاء البيدر. لقد قلتها لكم من قبل. تفصيلا تفصيلا، حرقة حرقة، رجفة وارتجافا.

******

كان علَي أن آخذ قلما وورقة وأكتب، لكن حكاية صديقي لم تترك لي فسحة تنفس وبلأحرى أن أفكر في تدوين روايته. نظرت حولي ورأيت أحمد يرتجف بينما يستمع بانتباه وباخلاص كبير، مشدوها بالقصة. أتكون هذه هي الرجفة والارتجاف الذي بتحدث عنه علي؟
أبدا لن تكون. فما ان شاهدت أحمد على هذه الحالة وجسمه خرج عن نطاق تحكمه في ارتعاشات قصيرة ومتتالية ورأيت راحتي يديه وقد وضعهما بشكل وكأنه عاري من الملابس ويحاول بها ستر ذكورته، قاطعت علي وأنهيت بذلك نكهة القصة:
– علي، علي انظر الى أحمد وهو يرتجف. إدرج استراحة من فضلك حتى يتمكن من زيارة المرحاض.
نظر علي اليه وضرب على جبينه مقهقها:
– ‘أياو! أياو!’ كاد أحمد أن يتبول في سرواله ويفضحنا هنا. كاد أن يقوم بجريمة تجعلكم تنسون روايتي وستتذكرون فيما يلي فقط البول في سرواله. هيا اسرع..ماذا يمنعك…هناك المرحاض.
– لكن… لا أريد أن تفوتني أي لقطة. توقف قليلا…حتى أنت تحتاج الى نفس وتنفس. سأعود حالا.
ذهب أحمد مسرعا الى المرحاض وبقيت راحتا يدبه على تلك الرقعة من سرواله وكأنها تحمي عش (فرخ) ذكورته.
تنفس صديقي الصعداء وتابع:
– قولوا لي، أسبق لكم أن رأيتم هذا المنكر؟ صديقي الذي يقاطعني وأحمد الذي يريد استراحة عند ذروة الحكاية؟ على أية حال، فمادام ليس لدينا أي خيار فلنسترح. أتعرفون كيف تتم الاستراحات. تمتد على الارض في راحة وهناء. تدخل يديك البمنى في جيب معطفك الداخلي وتخرج منه ‘السبسي’، تنقله الى يدك اليسرى وتمدد اليمنى من جديد الى جيبك الجانبي أو الى جوربك بسرية تامة، وتخرج منه ما تيسر من كيف أو قطعة حشيش وت…
– ها أنا عدت، قال أحمد على بعد أمتار.
فكرت أني سأنسى كثيرا من التفاصيل من القصة، لكن القلم والورقة لا تناسب موضع الكلام. ما إن يرى الراوي شيئا من قبيل هذا إلا ويكف توا عن الحكي والكلام.
– يظهر أنك لم تتوقف وتنتظرني حتى أعود. أين وصلت يا علي؟ يسأل أحمد.

******

كلما ازدادت حماسة الفتاة الأكبر سنا وأبدعت في نصوص غرامها، كلما تمدد الرجل تحت شجرة التين ونفث دخان الكيف ما يجعله يغرق في شرود غرامي عميق حتى يتراءى له وكأنه مستلق الى جانب حبيبته العارية على سرير ناعم. إنه الأكثر حظا بين كل الرجال وأنا بدوري أنتظر بشغف كبير إزري الذي بخصني أنا دون غيري.
طال غرام الفتاة وبدأت الأغاني تضجرني. انتظرت وانتظرت. لم يتغير شيء في الوصفة. تسامُح البنات الأخريات استفزني. متى سنسمع قصتهن؟
هكذا وجدتني أنكز جنب سعيد بدون أن أشعر:
– صبرنا كفاية صديقي. تلك الفتاة تجاوزت حدودها الآن. لقد أفسدت علينا هذه الفرجة. إنه أسوء عرس شاهدته في حياتي. أعرف أنك ستخذلني صديقي وسيخيب ظني. لدي شعور بأنك لن تفي بعهدك لي.ما إن سمع كلامي حتى وقف على رجليه وبسحنة مليئة بالجدية توجه الى أخته التي بادلت نظرة معي وكأنها تقول:
– قليل من الصبر يا عزيزي، سأنهي هذه المهزلة توا وأضع حدا لها. غادرت لطيفة مكانها وتوجهت الى أمها. تبادلتا أطراف الحديث وعادت الى مكانها متجاهلة إياي دون أن تبادلني ولو نظرة واحدة.
انتظرت وانتظرت. أنفاس صديقي علت وأسمعها. نكزته مرة أخرى وقلت له:
– يبدو أن لا شيء سيتغير. سأنصرف لحالي
شهق سعيد زفرة عميقة واتجه من جديد الى أخته. تبادل معها كلمات بعصبية ظاهرة وعاد بعدها ليجلس بجنبي.
كان غاضبا ولم أسأله عماذا دار حديثه مع أخته، لكنه نهض فجأة وبدأ يصرخ في وجه تلك الفتاة بجمل حاول أن يضعها في وزن إزران دون أن يفلح تماما:
– أخزا دايي مليح أخزار الحب إتخساخ… داحشايشي نتا يسو أموجاثير كي ثموث واينافاع ( حبيبك الذي تنظمين عليه إزران مدح، هو ‘حشايشي’ ولا ينفع).
لم تعر الفتاة أي اهتمام لكلماته ولا لأوزانه، لكنه عندما واصل هجاءه وحول لغته من وزنها، لتتلون كلماته بلغة الشارع هذه:
– الليف أني ميخاف أدتاويد ينغاناخ دا ساريحات داشوم … (حبيبك الذي تنظمين عليه إزران مدح، كاد أن يقتلنا برائحته الكريهة)

فقدت الفتاة التحكم في نفسها. أوقفت الغناء وتوقفت عن الضرب على الدف وتجمدت في مكانها وكأنها ضربت بصعقة كهربائية. صرخت في انفعال وعلت صرختها وهي ترفع يدهيا الى السماء:
-آعباد الله ما يسحقاراي ناش ميوغاي حد (لماذا هذه الحكرة والاحتقار؟ ألأنه لا يوجد لدي من يدافع عني؟)

جهشت الفتاة متقعطة لتحدث صرخة بكاء قوية الصدى. رمت الدف على الأرض وهرعت بعد ذلك الى غرفة النساء، لكن أرجلها فقدت توازنها قبل أن تخرج من دائرة البيدر وسقطت على الأرض. سريعا تجمعت الفتيات حولها في محاولة لطمأنتها، لكن دون جدوى. صيحات البكاء تعلو. حبيبها الذي امتد تحت شجرة التين، لم يستسغ ما رآه وفقد التحكم في نفسه فوقف وركل المجمارة التي بقربه، كرد فعل مباغت، ليتناثر الجمر في كل الجهات. حاول الهجوم على سعيد دفاعا على حبيبته وتفنيدا لما قالته بأن لا أحدا لديها، ليحميها.
حاول رفاقه منعه وقوفا بينه وبين سعيد. تدخله أعطى منحى آخر ليختلط الحابل بالنابل وتتطور الامور الى حالة لا يحمد عقباها.
ساد الصمت والذعر في أوساط الحاضرين الآخرين وانتشر الهمس بينهم ليتحول بعدها الى صخب.
كان الحاج أعما الذي عادة ما كان يغادر كرسيه ليتجول بين الحاضرين ويقوم بجولة تفقدية في محيط العرس، كان قد تسلل خفية خلف المتفرجين وفتح لنفسه طريقا في جدارهم ليفاجئنا وهو واقف خلفنا. يرفع عصاه المسلحة ويضرب بكل ما في ساعده من قوة، مصوبا عصاه على ظهر ابنه.
أحدثت الضربة انفجارا مدويا وزاده إنكسار ظهر الكرسي البلاستيكي دويا. صرخة ألم حادة عند سعيد تسمع مباشرة بعد الضربة وتتلوها صرخات أخرى لرجال لم يرووا قدوم الضربة ولا كان في حسبانهم أن تتطور الأمور الى هذا الحد.
ارتطم سعيد على الأرض واستعاد سريعا اتزانه ليركض في هستيرية فوضوية مبتعدا عن أبيه. لكنه قبل أن يختفي في العتمة كان الحاج قد رفع عصاه ولوح به كما في رماية الاثقال ليطلقه كحوامة اتجاه ابنه. أصبت العصا الهدف وسمعت في البعيد صرخة علي الحادة متبوعة بحشرجات عالية وضيقة. مباشرة تعلو صرخة نسوية وتتبعها صرخات أخرى.
– آمي إينو يمووث!!! تصرخ أم علي ملء رئتيها (أي= ابني مات)

كان الرجال قد وقفوا في فوضى وهرج وبدأت مشادات تتشكل هنا وهناك. فجأة تسقط حجارة ثم أخرى على البيدر، هرع بسببها الكل في كل الاتجاهات. النساء فرت الى داخل المنزل والرجال هربوا مبتعدين عنها ورؤوسهم تحت معاطفهم أو بين أيديهم لحمايتها خوفا من تلقي ضربة بالأحجار لا ترى في العتمة. تعثر رجل هارب على مجمرة فتلوحت الألهبة على البيدر الذي ترائى كسماء من نجوم الوهج الأحمر.
الحاج أعما بقي بدون عصا. اتجه الى الباب الخلفية وأغلقها خلفه ليخرج بعد دقيقة أو اثنتين من الباب الأمامية للمنزل وهو مسلح بفرشة تبن حديدية. وقف أمام الباب كحارس لها.
وحده الحاج أعبسرام بقي طول الوقت جالسا على كرسيه وكأن لا شيء قد حدث. في لحظة ما وقف عى رجليه واتجه الى الحاج أعما وصرخ بصوت عال ضده:
– آياو قا عاد أنعقار أخشا ، مي داوران إيوسورا تازان ثامغرا. ما يمي إيستكيد أميا إميش ما درحاق وغاس إيدجين؟ ( الله اله، سنرى معجزة في آخر هذا الزمان، سيخ يفسد العرس، لماذا عاملت ابنك بهذه الطريقة وهو على حق فيما قاله)

تسرعت أنا بعد أن استعدت اتزاني من الضربة على ظهر الكرسي ، في اتجاه الوجهة التي أخذها سعيد في هروبه. هناك في العتمة وجدته مع ثلة شباب التفت حوله مهتمة بأمره:
– على سلامتك صديقي، قلتها قبل أن أرى بذلته البيضاء وقد تلطخت بأحمر الدم على طول ظهره وثقبت من بعض الأماكن. رأى سعيد دهشتي فبدأ يهدأني:
– إنها إصابة خفيفة فقط سببها انكسار الكرسي، عصا أبي لم تلمسني إلا في الضربة الثانية التي أسقطتني على الارض، لكنها لم تبرحني كثيرا، ربما قد تكون أمي قلقة جدا علي. إذهب اليها من فضلك واخبرها بأني والحمد لله على سلامة.
عدت الى المنزل…وجدت الباب الامامي موصدا والحاج أعما أمامه في حراسة مشددة. لم أتجرأ أن أقترب منه. اتجهت الى الباب الخلفي. حتى هو كان موصدا.
هناك في البيدر رأيت الحاج أعبسرام يحمل مجمارة في يده اليسرى وبيمناه وهي عارية يجمع الجمر وقطع الحطب الكبيرة المتوهجة والتي تناثرت قبل قليل في حالة الفزع الذي عرفه العرس على البيدر، ويرجعها الى مكانها في المجمار. الأحطاب الصغيرة تركها تتوهج على سطح البيدر واتجه الى بغلته. حتى هي كانت واقفة على أرجلها بعدما كانت طول العرس القصير مستلقية على الأرض. تظهر وكأنها قلقة شيئا ما.
اقترب منها وقرب رأسها إليه وكأنه يضعه على صدره العريض. مسد على طول كتفها وظهرها ثم ردفها. حين استعادت هدوءها بعض لشيء تركها خلفه واتجه الى الشواري الموضعة عن قرب مترين أو ثلاثة منها. أدخل يده في إحداها ليخرج منها كيسا مغلقا بحبل لف حول فمه بطريقة محكمة. خلص الحاج عقدة الحبل وفتح الكيس. غاص بيده فيه ليخرج منه شيء مجهول. أدار وجهه الى البيدر ورمقني بنظرة لم أفهم هدوءها وسط هذا الجو الصاخب. حرك خطاه وتقدم في اتجاهي بينما هو منكب ليخلص ما بين يديه من المناديل الملفوفة حوله. ببطء يرمي المناديل واحدة واحدة وهي تترنح على وقع نسائم الليل وتتطاير ببطء كفراشات وراء خطاه. واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة… أربعة مناديل القى بها في الهواء ليظهر أخيرا وجه ما يحمله في يده. إنه بندير كبير. بندير لم أر مثله من قبل. تفحصه الحاج أعبسرام من كل جوانبه. أخذ وقتا كاف ولم ينه تمعنه وتفحصه حتى حرك رأسه بطريقة تعبر عن رضاه. اتجه بعده الى المجمارة التي أعاد اللهب اليها لتتوهج من جديد كما من قبل. انحنى عليها ووضع البندير على بعد شبر أو شبرين فوقها وبدأ يدوره بين راحتا يديه ويدفأه. ضرب برفق ناعم على جلد البندير بأطراف أصابعه فانبعث منه صوت مدهش رغم أنه كان خفيفا وخافتا في نبرة صوته. يظهر الأمر وكأنه منشغل بضبط الضربة والنغمة المناسبة.
فجأة يقف الحاج وينتصب بقامته الكبيرة. يسير الى نقطة المركز في البيدر بينما أنا بقيت في مكاني واقفا مشدوها ومندهشا أتابع حركاته بكل انتباه. رمي الحاج نظرة علي وأشار إلي بحركة فهمت منها أنه يريد مني أن أقترب منه.
مد لي بنديره كي أمسكه له دون أن يبادلني ولو كلمة.
مسح على جلبابه الثقيل وأخذ بقب جلبابه العميقة ووضعها مدثرا بها كامل رأسه وجزء من صدره.المشهد رهيب جدا. هدوء وصمت غريب يحوم في البيدر وصيحات وصخب تعم محيطه. يظهر الحاج أعبسرام في صورة وكأنه من القساوسة القدماء في رحلة عبر الزمان. أو لم يسافر من بعيد وأتى من زمان آخر ليحرس أمانة قد تضيع في أيادي الشباب،كما قال بنفسه؟
ابتسم لي ومد يده وسلمت له بنديره.
ولج بابهام يده الغليظة في فتحته التي قيل عنها أنه وسعها لتناسب غلاظة إبهامه.
وأخيرا تأتي الضربة التي طالما سمعت حكايات عنها. ضربة قوية. ضربة واحدة فقط كانت. أحسست بقشعريرة اجتاحت كل بدني وتسللت الى جوف روحي وتركتهما في ذبذبات طيبة خفيفة. انتظر الحاج حتى تركن الذبذبات وتختفي كي يضرب ثانية.
فجأة سمعت الباب الخلفي للمنزل يفتح ورأيت لطيفة تخرج منه تاركة الباب الذي بدأ يمتلأ ويعج بالعيون المسترقة للنظر مفتوحا على مصراعيه.
تبادلنا نظرة طويلة بدون حركة أو رمشة عين، وكأننا لا نريد افساد اللحظة كما أُُفسِد العرس من قبل. عرفت أن هذه هي اللحظة التي فيها تحتاجني لطيفة. اللحظة التي أنفيتها من حسباني خوفا من خيانة مفترضة. هرعت الي مسرعة وهي تنفض رجليها مع كل خطوة كي تخلصهما من كعبها العالي.
عارية القدمين اقتربت مني ومدت لي يديها الاثنتين وأمسكت بهما كمن يمسك بشيء استعاده ولا يريد أن يفقده من جديد.
لطيفة…يداها لطيفتين وناعمتين.استدار الحاج بوجهه المدثر إلينا والبندير لا يزال في يده وبدأ يضرب:

– دز دز دزدزدز دز دز دز دزدزدز دز

تضغط لطيفة بدفء على أصابعي في راحتها وأنا أشد بحرارة مضاعفة يديها وأضعهما في راحتي. نظرت الي وكأن عيناي مرآة تعكس نظرتها. غصنا عميقا في لآلئلنا وأحداقنا. خفتنا النظر ونزلناها الى موضع القمر ..الهلالين… الشفتين.
رأيتهما كشقائق نعمان محمرة تنفرجان ويطير عن نعومتهما الخجل.. شقائق تترطب وتتضخم وينفتح القمر كهلالين ببطء فاجر يسبب العمى.اقتربت لطيفة مني وكأني ألامس أنفاسها وأحس بنعومة بشرتها الغاوية. مسامات جلدها تنفتح على وقع ضربات أعبسرام المدوية. شعيرات جلدها الخفيفة تتذبذب على وقع انفجارات داخلية تتالى. أصفها لكم أو ربما أوهم نفسي أتخيلها، لكن فجأة أسمع صوتها:
– قل لي، أرأيت علي؟ ماذا وقع له؟ اخبرني، صوتها الشجي يفيض بالأنوثة. ابتلت عيناها وتلألأت أكثر كما النجوم البيضاء في سماء ليل صاف،، كما يتلألأ سطح لبيدر بوهج محمر للجمر سقطت كأحجار كريمة من المجمار.
– هو بخير ووصاني أن أخبر أمك أنه بسلام، اذهبي واخبريها واحذري اللهب المتناثر على البيدر.اقتربت مني أكثر ورفعت رأسها إلي وكأنها تتوسل أن أترك أثرا عسليا عليهما كذكرى لهذا العرس الغريب والعجيب.تخيلت وكأنها تقبلني وأنا أتابع تموج لسانها وانعطافات شفتيها على جسد روحي وروح جسدي.

– لا تهتم بأمي، سأخبرها من ها هنا وبطريقتي.فجأة يعيدنا صوت الحاج أعما الى واقعنا وتنفك العقد التي ربطت يدايا بيديها
– ماذا تفعلون أنتم هناك، ماذا تفعلون؟
– سألت علي عن أحوال أخي…إبنك، سألته إن كنت قد قتلته أم لا يزال حيا.
قالتها وتبللت عيونها. انجرفت دمعة على خديها وتبعتها أخرى بينما لطيفة تبتعد مني بخطوة، بخطوتين. فحرّكت رأسها شمالا وهي تنزع عنها حجابها ثم تضرب رأسها في الهواء يمينها، بقوة. يتناثر شعرها في الهواء فوقي خصلة خصلة.

*******

– أوقف هذه اللقطة، أمر الكاتب’

إنه شيء أجمل أن تفكر وتتصور، لكن ما بالكم في أن تجتمع كل الأشياء، فتستمعون وتفكرون وفي نفس الوقت تتصورنها بطريقة … وكأنكم تسللتم خفية الى تلك الاحداث وها نحن الآن نعيشها معا، لهب حرقة، خصلة شعر، خصلة. وكأن المطر الناعم يتساقط فيحدث بخارا وهو يلمس حرارة أجسادنا المشتعلة، وكأن مزهرية شجرة في مصب ريح الحب، تنثر علينا شقائق زهورها، زهرة زهرة.

*****

– الدورة الأخيرة أيها الناس، لقد حان وقت النهاية.. أيها الناس، اسمعوا، إنه وقت لآخر الطلبات، يصيح الرجل.ضربات الحاج أعبسرام ورأسه لا يزال مدثر بقب جلبابة، سمعت من بعيد. الوهج المحمر الخفيف الذي لا يزال يشع على مساحة البيدر بدأت تخفت شعلته شيئا فشيئا تحت رقص أقدام لطيفة الحافيتن. لقد ربطت حجابها على أردافها وبدأت ترقص وكأنها بصدد اعطاء جواب عن سؤال الكينونة: أكون؟ أو لا أكون؟.
انضمت بنات القرية اليها، بعضن حافيات الأرجل. لم يهتمن للجمر الذي يخمد وهجه بعد.عاد الرجال واحدا واحدا الى أمكنتهم بعدما طلبوا المسامحة من بعضهم البعض وسووا الأمور فيما بينهم والمشاجرات التي عرفها العرس.
في البعيد، على جبال تمسمان وجبال آيت توزين التي تشكل مسرحا يونانيا طبيعيا يتكون منظر جميل جدا….هناك أناس يتوافدون على وقع سحر ضربات الحاج أعبسرام من مناطق بعيدة، يحملون فوانيسا ومصابيح يدوية، تترائى وسط ذلك الظلام الدامس لكثرتها، كضوء خافت، كانها نجوما تتحرك، وكلما تقلصت مسافة الوصول، كلما تلألأ الضوء اكثر، فترتفع الاهازيج والمواويل والزغاريد. تتناوب الفتيات عن دورات ارايس جديدة، أناشيدها تحكي عن الرجولة وعن ملاحم قديمة وحية فيكثر الرقص، حتى المتزوجات من النساء تتجرأن. تكاثر الوافدون حتى أن سعيد أظهر وجهه واندس بين جموع الناس ناسيا ألمه. الشيوخ الكبار في السن والذين عادة ما يبقون في غرفة المنزل يستمعون فقط الى أطوار العرس، خرجوا على غير العادة المتعامل بها، الى محيط البيدر.فرحة عارمة عمت أهل العرس والحاضرين. طول الليل ولا أحدا تجرأ على الامساك بالبندير. إنها أمسية أعبسرام وربما ستحسب كأمسية حياته. عادة ما يتفرق الناس مع آذان الفجر ويذهب كل واحد الى منزله، لكن الليلة انطفأت كل النجوم من السماء كما انطأفت من قبل الفوانيس في البعيد البعبد، كما انطفأ الوهج الأحمر للجمر على بساط البيدر. أشرقت الشمس والعرس بقي حيا.
أما اسمي… فلم أسمع أحدا لفظه من قبل كما لطيفة فعلت من داخل البيدر. لم يبق الأمر في خانة تنظيم إزران، بل كان إعلانا صريحا لحبها لي.
حتى أن الحاج أعما تصنع التهجم على وجهه حينما رآني أنظر اليه وهو يبتسم لسماع اسمي وإعلان الحب على لسان ابنته. لقد سبق لي أن قلت لكم أن هناك تلك الحفلة، حفلة التسمية، حفلة المواليد تلك التي كانت أروع من أي عرس مر من ريفنا، إنها القصة التي كنت أريد أن أحكيها لكم، لكن …الوقت… لم يبق لدينا أي وقت لأروي قصة أروع ‘سابع’. لا يسعفني الوقت حتى أن أنهي قصتي مع لطيفة وأن أحكي لكم عن نصوص إزران التي ألقيت وعن تاريخ بندير الحاج أعبسرام وقصته ولا عن رقصة العروس ولا عن العريس.

******

– الناس، أيها الناس، سنطفئ الاضواء توا وسنغلق الأبواب… من فضلكم… نطلب منكم دفع الحساب، يقول النادل
– قبل أن يطردونا من هنا ونزعج حفلة العرس ونفسد هذه القصة، هيا بنا… سنغادر، قال الكاتب.
– انتظروا، إن رويتم هذه القصة لأحد، فلا تذكروا فيها اسم لطيفة ولا رقصتها على الجمر. إن علمت بهذا، فلن تتركني أدخل. قد تغلق في وجهي الباب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.