ثالوث التلوث، انهيار المآثر والبطالة.. رصاصات في قلب اسفي

اسفي مدينة على ساحل المحيط الأطلسي التي لطالما اشتهرت بالخزف و السمك هي المدينة التي احتلت المرتبة الأولى عالميا كأكبر مخزون للسمك، ظلت اليوم مدينة خاوية على عرشها، تائهة في مجدها، مثل سيدة جميلة كبرت فجأة،  فوجدت نفسها وحيدة لا أحداً يُغازلها او يهتم بها.. بات يبدو أن كل تلك الخطابات من طرف مسؤولي المدينة، و البرامج التنموية، ماهي إلا كذبة موسمية تتجدد على مدار السنة وفي كل إنتخابات جماعية، بعدما عجزت السلطات و المنتخبون المحليون و البرلمانيون عن إجاد حلول لعدة مظاهر مخيفة في المدينة، فماهي الأسباب التي أدت إلى نهاية اسفي بهذا الشكل؟ وهل حقا أعلن المسؤولون نهاية المدينة؟ وماهي الرصاصات التي اقتحمت قلب هذه المدينة المسكينة؟

اسفي تودع تراثها بالموت البطيئ

اسفي

تم إعلان مؤخرا نهاية اسفي الإنسانية والتاريخية، حينما تفجرت فضيحة كبرى تجلت حينما أعلن المجلس البلدي لمدينة اسفي والذي ظفر برئاسته حزب العدالة والتنمية في الإنتخابات الجماعية الأخيرة عن تخصيص مبلغ ألف درهم لترميم المآثر ولجمعيات المجتمع المدني ودور الشباب، بينما وصف ذات المجلس مبلغ 320مليون للسيارات والمحروقات، كما أظهرت ذلك أرقام ميزانية تسيير مدينة آسفي.

فضيحة مسؤولي اسفي الثقافية، وصلت إلى القنوات العمومية البرتغالية، بكون أن الأسوار التي تعرضت للإهتراء، هي ذات الحقبة التاريخية البرتغالية، والتي يعود أغلبها إلى الاستعمار البرتغالي. فقصر البحر الذي يطل على البحر وعلى ميناء الصيد البحري أسس من طرف البرتغال في القرن 16 من أجل حماية المدخل الشمالي للميناء ومقر اقامة عامل المدينة، وهو ما يفسر وجود العديد من المدافع الحربية به وعلى أبراجه. وقد أعيد ترميم هذا القصر في عام 1963 وقلعة “القشلة” التي تطل على المدينة القديمة وقصر البحر أسست من طرف البرتغال من أجل حماية المدينة.

الإعلام البرتغالي، تساءل عن الإهمال الذي يطال هذه التحف، فمندوبية الثقافة في المدينة  اقامت دعمت العديد من السهرات والمهرجانات دون ان تخصص جزء من دعمها للاهتمام بالمآثر التاريخية للمدينة، بل لأزيد من ستة سنوات ظلت هذه الأسوار التراثية و الأبراج تتساقط على عرشها، أمام أعين المسؤولين و السلطات و المجلس البلدي.

نشطاء يتساءلون.. ويقترحون الحلولا

نشر عدد من نشطاء المدينة، صور الأبراج المهترئة، يحذرون من نهايتها بشكل عام، و وصفوا الأمر بالفساد الذي ينخر الثقافة و التراث، مُعتبرين أن المسؤولين عن المجال تعمدوا هذا الإهمال الحاصل، وكتب أحد النشطاء على الفيسبوك ” لماذا لا يتم ترميم هذه المآثر هل ينتظر مسؤولونا المبجلون أن يعود البرتغاليون القدامى من أجل أن يرمموها، فلو كانت هناك إرادة سياسية من أجل إصلاحها لقامت السلطات بالتحرك من أجل فعل شيء حتى ولو إن لم يكن لديها إعتمادات مالية لإصلاحها يكفي فقط أن تطرق باب الدولة البرتغالية وهيئاتها المدنية والجمعوية المعنية بالآتار والمآثر التاريخية البرتغالية لرأيناها تتسابق من أجل ترميمها.“ و وصف بعض الأخر مدينة اسفي بابقرة حلوب، حيث ينخرها المسؤولين من ترواثها الطبيعية و يستفيدون منها دون أن يتجلى ذلك على المدينة في أيّ تنمية.

الفوسفاط .. ثروة وطنية تحولت إلى نكسة محلية

اسفي1

اشتهرت مدينة اسفي في أواخر السنوات الماضية بتواجد مصنع تخصيب الفوسفاط، حيث تضم المدينة واحدا من أكبر المصانع في المغرب المُخصبة للفوسفاط و مادته الحيوية، إلاّ أن الكثيرين في المدينة كما الحقوقيين و الفاعلين المدنيين، يعتبرون أن الفوسفاط تحوّل إلى نقمة على سكان المدينة، حيث ساهم في تدمير المآثر الثقافية على ساحل المدينة، بسبب القطار الذي يُنقل حمولة مشتقات الفوسفاط يومياً على مدار خمسون سنة، مما اثر على تعرض المآثر للانهيار بكونه يمر من نفق تحت قصر البحر ، و علق عبد الله النملي كاتب وباحث  “أن الروائح و الغازات السامة التي ينفثها الفوسفاط في المدينة أثرت أيضا على الجدران بفعل تركيز الانبعاثات؛ حيث يؤثر ذلك على العمران، فيؤدي إلى صدأ المعادن وتآكل حجارة المباني والمآثر التاريخية”.

ساكنة مدينة اسفي إذا سُئلوا عن مصنع الفوسفاط، أجابوا بكونه نقمة باتت تنخر المدينة على صعيد البيئة والهواء وصحة المواطنين ايضا، خاصة اولئك الذين يقيمون في جنوب المدينة وقد تمت معاينة  عدد من سكان ” دوار البورات ” الذي لا يبعد إلى بأمتار قليلة عن مصنع الفوسفاط حيث تلاشت بيوضة أسنانهم وتحولت إلى الاصفرار الشيء نفسه بالنسبة للمواشي التي تضررت وفقدت انتاجها، الحال ذاته بالنسبة للنقابيي المدينة الذين يعملون في قطاع الفوسفاط. فبالنسبة للاحصائيات نقابية صادرة عن نقابة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، فإن أغلب الوفيات في صفوف العمال كانت ناتجة عن إصابتهم بأمراض مسرطنة سببها يعود لإستنشاق العمال مواد كيمائية في المصنع، السرطان واحد من الأمراض المسبب لأغلب الوفيات.

في بلدية المدينة.. طامة الفساد والرشوة تختم المشهد

اسفي بنكيران

قبل أن يتم تنصيب حزب العدالة والتنمية على رئاسة مجلس مدينة اسفي، في إنتخابات جماعية محلية شهدت فضيحة كبرى حول دفع رشوة 70 مليون لعصام اجريد، المستشار الجماعي للأصالة والمعاصرة، من أجل التصويت على تحالف حزب العدالة والتنمية وحزب الاستقلال لانتخاب رئيس المجلس الإقليمي اسفي، وهي الرشوة التي كان يفترض ان يتم إيصالها من طرف عضو في حزب العدالة والتنمية، قبل ان يسقط مجموعة من المستشارين في مصيدة نصبت لهم من خوصمهم الأخرين.

وقال حزب العدالة والتنمية إنه حزب نقي ولن يضع يده في أيدي من أسماهم بالفاسدين، رغم أنه الحزب الذي كان في المجلس نفسه منذ سنة 2009 وشغل اعضائه عدة مناصب في المجالس الماضية كما أنه تحالف في الإنتخابات الجماعية الأخيرة مع خصومه السياسيين الذين وصفهم بنكيران بـ ” الفاسدين” ، وقال عبد الجليل البداوي عمدة المدينة، أنه سيقود معركة من أجل إصلاح المدينة ووعد بحل لأزمة النفايات وأزمة التلوث، غير أن اجراءت عمدة المدينة بدأت تدور في دائرة الفراغ وبدأ بقرارات قال عنها متابعون إنها إعلان لمسيرة استمرار النهب والفساد  والتواطؤ في المدينة.

وكانت البداية بقرار رفع تكلفة الأجور إلى 11  مليار سنتيم، وهي مجموع رواتب قرابة 2000 موظف جماعي، ربعهم لا يلتحقون بعملهم وفيهم من يمتهنون مهنا حرة وأعمالا تجارية، حيث تقدر إحصائيات غير رسمية عدد الموظفين الأشباح ببلدية اسفي بقرابة 500 موظف شبح، دون أن يكلف عمدة المدينة نفسه عناء البحث في ملفات هؤلاء الموظفون الأشباح الذين يتقاضون أجور وهم بدون عمل، في الوقت الذي تشهد فيه مقاطعات المدينة الإدارة المختلفة خصاص ونقص مهول في عدد الموظفين حيث تتعثر مصالح المواطنين.

محطة حرارية ” سعادة الحكومة ” على حساب فقراء المدينة

اسفي2

انقسم المغرب الرسمي إلى جزئين، جزء يقوده الملك محمد السادس يبث خطاب المحافظة على البيئة ووعود خفض انبعاثات الغازات الدفيئة وتوقيع على مزيد من البرتوكولات الإطارية بشأن المناخ أخرها نداء طنجة بحضور الرئيس الفرنسي فرنسو هولاند، وجزء أخر الذي يقوده رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران، الذي ذهب الى توقيع عقود الاستثمار حول بناء المحطة الحرارية تعمل بالفحم الحجري في مدينة اسفي وعلى الساحل الأطلسي من ما يضعاف خطورة إنهيار الصناعة في المغرب تزامنا مع موجات التسونامي التي يتنبأ بها علماء البيئة علما أن كل الوحدات الصناعية التي يمكلها المغرب تم توطينها على ساحل البلاد دون تغيير الاستراتيجية.

لكن الحكومة، التي يقودها حزب المصباح، ترى أن المحطة الحرارية استثمار ضخم بقيمة 2.6 مليار دولار،واعتبرته أكبر استثمار أجنبي في المغرب، وهو يجلب سعادة الحكومة.

فمنذ توطين المحطة الحرارية في مدينة اسفي، والاحتجاجات تواكب هذا المشروع، كانت البداية من منظمات المجتمع المدني في المدينة، التي عبرت عن رفضها للمشروع ونبهت الحكومة لخطورته الفائقة على البيئة والإنسان والمدينة بكل ماتحمل من كائنات.

تم إلى احتجاجات العشرات من شباب المدينة، الذين خاب ظنهم بعدما فضلوا عدم الاحتجاجات على خطورة المصنع طمعا في العمل بهذا المصنع ولو بعقود مؤقتة غير أنه تم رفض الكثير منهم وتشغيل بعضهم حتى  تم بناء أساس المحطة الحرارية وتسريحهم فيما بعد.

البطالة تدفع شباب المدينة نحو قوارب الموت

اسفي3

“بدون إحصائيات رسمية مدينة اسفي تشهد بطالة جماهيرية بشكل كبير”،  هذا ماتبين إبان سنة 2011 حيث تصاعدت الاحتجاجات المطالبة بالشغل عندما واكب ذلك احتجاجات حركة الـ 20 من فبراير واقترحت السلطات المحلية تقديم لوائح للعمالة وكانت هذه اللوائح بعشرات الالاف، وبات اليوم في رفوف الارشيف إذا ماصدق أنه تم رميها حقا.

نتج عن ذلك واحدة من أكبر حمالات الاعتقال في 01غشت 2011  ونتجت احتجاجات مختلفة احداث شغب كبيرة في جنوب المدينة، حيث اعتقلت السلطات الأمنية مايقارب عن 22 شاب، تم اطلاق سراح بعضهم فيما بعد، واعتقال قرابة 13 ومحاكمتهم بتهم مختلفة.

ولم تكن مثل هذه المحاكمات ورفض الشغل وتآزم الوضع الاجتماعي ونهيار فرص الشغل وغياب المرافق الاجتماعية ودور الشباب إلا رسالة واضحة، حتى اجاب عنها شباب المدينة في هذه السنة، وذهب العشرات منهم صوب قوارب الموت مفضلين أنفسهم لاجئون سوريون ، بينما لا زال الكثير منهم يحلم ويخطط للنفس الهجرة صوب الديار الأروبية عسى أن يدفن يأسه الواضح.

لمَ يقدم المسؤولون المحليون أيّ حل لأزمات المدينة، بين استخدام اليد الحديديةو بين تلوث الهواء واهتراء المآثر التاريخية وغياب فرص الشغل و البطالة الجماهيرية وغيرها من المظاهر المُخيفة، حتى أضحت مدينة اسفي، مدينة دون هوية ولا تنمية و لا أفق، فلم يعد يبدو أن المدينة تتحمل أكثر من ماعليه الأن، قنبلة موقوتة وكفى !

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.