تيري إيجلتون.. موت الله والحرب على الإرهاب

نعيد فيما يأتي نشر مقال للناقد والمنظّر الأدبي والثقافي الايرلندي الشهير تيري إيجلتون، الذي نُشر مؤخرا في مجلة “أكسفورد ليفت ريفيو”، بعنوان: “موت الله والحرب على الإرهاب”، في العدد 14 (2015)، وقام بترجمته أسامة اسبر وأعيد نشره على موقع “جدلية”، يتناول ايجلتون في هذا المقال -بطريقته المعروفة في الكتابة- البحث في موضوع الارهاب وعلاقته بفكرة موت الله كما شاعت في الفلسفة الغربية، وكيف شكّلت الرأسمالية المتقدمة (في مرحلتها الراهنة) الواقع المادي لتبلور هذه الفكرة من خلال البدائل التي وفرتها لنفي فكرة حاجة الانسان إلى الدين، لكن يعود ايجلتون للحديث عن أحداث 11 شتنبر ليخلص الى أن الغرب لم يساعد في إنتاج العلمانية فحسب بل أيضاً الأصولية، معلقا على ذلك بسخرية المعهودة:”الغرب عالقٌ في ما يدعوه اللغويون تناقضاً إنجازيّاً بين ما يفعله في الواقع وما يقول إنه يفعله”. ويعدُّ هذا المقال لإيجلتون تتمة للأفكار والأسئلة العميقة التي طرحها في كتابه “الارهاب المقدس” الذي حاول فيه تتبع نزعة “الارهاب” بعمق قلّ نظيره، في مجمل ما أبدعه الانسان من أفكار وأطروحات، وبدأ هذا الجرد من الاله ديونيسوس الذي اعتبره أحد أقدم القادة الارهابيين، الى فرويد وفكرته حول أن الرجال والنساء يرغبون بشكلا لاواعٍ بموتهم. قراءة مفيدة

ليس الإلحاد سهلاً كما يبدو عليه. ربما كان بسيطاً إلى حدٍّ واف على المستوى الفردي، لكن من الصعب، كما تبيّن، أن تُحَقِّقَ مجتمعاتٌ بأكملها هذا الوضع*. وفي الحقيقة، إن الحداثة منقّطة بحطام البدائل الفاشلة لله، من العقل والروح والفن والعلم والثقافة والإنسانية إلى الطبيعة والشعب والأمة والمجتمع والدولة ومايكل جاكسون. لا أقصد هنا الإيحاء بأن هذه الظواهر بدائل للإله فقط، لكنها أدت كلُّها هذه الوظيفة في أوقات مختلفة من عملها. وقد لعب الدين، تقليدياً، دوراً حيوياً في شَرْعَنة النُّظم السياسية بحيث أن حكامنا بالكاد يستطيعون النظر إلى اختفاء الله بأية درجة من رباطة الجأش، وهذا أحدُ أسبابٍ عدّة لحدوث محاولات متنوعة فاشلة بصورة عامة لملء فردتي حذائه.

قلتُ “فاشلة بصورة عامة” لأن الدين فعلٌ من الصّعب جداً فهمه. فقد استطاع، في الحقيقة، أن يظلَّ حتى الآن المنظومة الرمزية الأكثر تماسكاً واستمرارية ورسوخاً التي سبق أن عرفتها البشرية، ليس فقط  لأنه قادر على ربط العادات والممارسات اليومية لمليارات ومليارات من الناس العاديين مع  الحقائق الأكثر جلالاً وسمواً وخلوداً، بل لأنه أيضاً الشكل الأكثر نجاحاً للثقافة الشعبية في التاريخ البشري، رغم أنني أراهن بأنكم لن تعثروا عليه في أي منهج للدراسات الثقافية. ويمكن أن تعني الثقافة قيمَ ومعتقدات أقليّةٍ مثقفة، أو يمكن أن تعني طريقة حياة شعب بأكلمه. وفي هذه الأيام يمكن أن تُعرَّف الثقافة، بالمعنى الثاني، بأنها تلك التي أنت مستعدٌّ كي تقتل أو تموت من أجلها. لكن ما من أحد مستعد كي يقتل من أجل بلزاك أو بيتهوفن، ربما باستثناء بعض الأشخاص غريبي الأطوار الذين يختبئون في كهوف ويشعرون بعار يمنعهم من الخروج ومواجهة بقيتنا؛ لكن الثقافة كلغة ورمز وعادة ومعتقد وقرابة وإثنية وهلمّجرا، تُعَدُّ على نطاق واسع بأنها تستحق أن يضحّي المرء بحياته من أجلها. كان الدين وحده قادراً على دمج هذين المعنيين للثقافة، المعنى الجمالي والأنثروبولوجي، في كلٍّ، جامعاً بين الكاهن والإنسان العادي، المفكر وسواد الناس، الفكرة والمؤسسة، التأمل الميتافيزيقي والتدين الشعبي، والواقعية الطقسية والاجتماعية بطرق تستطيع أن تثير حسد أية منظومة أخرى. أما اليوم فإن البديل الأنجح للدين هو الرياضة. فالرياضة هي أفيون الشعوب، ترتب الصلوات الأسبوعية، وتلقّم المدفع بالأبطال الأسطوريين، وتولّد الإحساس بالتضامن الذي من المحتمل أن المرء عثر عليه سابقاً في مصلى أو كاتدرائية.

نصل الآن إلى مفارقة غير عادية. فبعد سلسلة كاملة من المحاولات الفاشلة للإطاحة بالله عن عرشه واستبداله بنسخة ما عنه مُعَلْمنة بشكل مناسب، نجحتْ الحضارة الأوربية أخيراً في نفيه إلى الظلمة الخارجية، ليس من خلال إعلان نيتشه المتحدي لموت الله، وإنما بعد حوالى قرن، في طورها الذي يُدعى ما بعد الحداثي، حين تطور المجتمع الرأسمالي إلى نقطة يمكن الانتباه فيها إلى دعوة نيتشه المدويّة بأمان وبشكل مناسب. ولم يكن هذا ممكناً في زمنه لأنه عندما كان مجتمع الطبقة الوسطى ما يزال في سيرورة بناء ذاته وتدعيمها كان بحاجة إلى بعض الحوافز الإيديولوجية الكبرى كالتقدم والعلم والعقل والإنسانية والوجود الأعلى، وما شابه. وحالما استقرّ على العمل الدنيوي لجَنْي الأرباح، استطاع التخلي عن إيمانه، وتمكن من الاستفادة من كونه هكذا، بما أن الإيمان، سواء كان دينياً أو غير ديني، مسألة تقسيمية مثيرة للجدل، وليس جيداً للتماسك الاجتماعي. على أي حال، إن تماسك الذات والإيمان لا يعملان جيداً بالنسبة للذات البشرية المتقلبة والمتكيفة والمتغيرة للرأسمالية المتقدمة. والواقع أن الرأسمالية ما بعد الحداثية ترتكب الخطأ الكارثي في النظر إلى المعتقد نفسه كدوجماطيقي واستبدادي: تبدأ بإيمان قوي بالعفاريت وتنتهي بالغولاغ. وهذا الخوف من الدوجماطيقية (وهم امتلاك الحقيقة المطلقة) هو السبب في استخدام كثير من الشبان لكلمة “تقريباً” كل أربع ثوان. فحين نقول: “إن الساعة التاسعة” يبدو الجواب مطلقاً ومحدداً بصورة مزعجة، بينما حين نقول: “إنها تقريباً التاسعة” فإن هذا يبدوا تجريبياً بشكل مناسب، وشرطياً ومفتوحاً واستكشافياً. وحين سُئل عمدة لندن مؤخراً إن كانت لديه أية معتقدات دينية (Convictions)** أجاب أنه أُدين مرة واحدة بسبب مخالفة قيادة السيارة. ويجب أن أضيف أن غياب الإيمان في الحداثة المتأخرة هو إشارة ربح أيضاً. إذ حالما يصبح الدين مُخَصْخَصاً، في مجرى الحداثة، مثل الفن والجنسانية، يقلُّ احتمال أن تقتحم شرطة الشرف غرفة نومك. فالجنسانية والفن والدين عملٌ يخصّك وحدكَ الآن، كمثل تربية الجرابيع أو اقتناء تماثيل جورج بوش، الأمر الذي يمثل انعتاقاً مرحباً به من سلطة الدولة وضعفاً للإحساس الاجتماعي في آن.

وتستطيع الرأسمالية المتقدمة، أو ما بعد الحداثية، أن تصبح نسبية وبراغماتية ومضادة للتأسيسية وما بعد مطلقة وما بعد ميتافيزيقية وما بعد لاهوتية وحتى ما بعد تاريخية، لكن النظام الحالي لم يستطع أن يكون هكذا في طور مراهقته. وليس الإيمان هو ما يجعله متماسكاً، كما يجعل حركة الكشافة والكنيسة اللوثرية. إن الكثير من الإيمان ليس ضرورياً أو مرغوباً به في أنظمة اجتماعية كهذه لأن هذا يشكل خطراً على المستوى السياسي وغير ضروري تجارياً.  وطالما أن مواطني هذه المجتمعات ينهضون من السرير، ويذهبون إلى العمل، ويدفعون ضرائبهم ويمتنعون عن ضرب عدد كبير من ضباط الشرطة، يمكن أن يصدقوا تقريباً ما يحبونه، وهذا موقف ستنظر إليه حضارة قديمة أو قروسطية بذهول تام. أو، على الأقل، يمكنهم أن يؤمنوا بأي شيء لا يهدد بتقويض هذا الإطار نفسه. غير أنّ فريدريك نيتشه، جدُّ ما بعد الحداثة، يرى أن الأرواح النبيلة الحقيقية ترفض أن تكون سجينة مبادئها، إذ إنها تعامل آراءها الخاصة المحتفى بها بالانفصال الفروسي نفسه، فهي تتبناها وتتخلى عنها في أي وقت أو متى شاءت. إن معتقدات المرء تشبه الخدم الذين يعملون لديه، والذين يُوَظَّفون ويُسرّحون على هواه، أكثر مما تشبه أعضاءه الجسدية. قارنوا هذا مع إصرار الفيلسوف تشارلز تيلور على أن الإيمان مُكوِّنٌ للذات، وأن المرء لا يمتلك هويةً دون إيمان، رغم أن المعتقدات المعنية ليس من الضروري أن تكون مطلقة. وقال المؤرخ اليساري إي. جي. بي. تيلور مرة للجنة أجرتْ مقابلة معه من أجل التدريس في جامعة أكسفورد إنَّ لديه بعض الآراء السياسية المتطرفة لكنه اعتنقها على نحو معتدل.     

ما زال بوسعكم بالطبع الاتكاء على نوع ما من الخطاب الميتافيزيقي كي يساعدكم في شَرْعنة ما تفعلونه، وليس أثناء الأزمات السياسية فحسب. بخلاف ذلك،  على أي حال، إنها مسألة تأييد وجهة نظر السيد الإنكليزي الذي لاحظ أنه حين يبدأ الدين بالتدخل في حياتك اليومية، يحين الوقت للتخلي عنه. (بهذا المعنى هو مثل الكحول). إنها وجهة النظر التي كان يسوع المسيح غير حكيم بما يكفي بحيث تجاهلها. ولم يكن نيتشه سباقاً فحسب في فكرته بأن الله ميت وهو واقف على قدميه، بل أيضاً في أن البرجوازي البدين نفسه هو الذي قتله، وليس مجموعة ما من الملحدين اليساريين الذين يطيلون شعرهم. وكان المنطق الضمني العقلاني والبراغماتي والنفعي للسوق هو الذي جعل هذه الأفكار الميتافيزيقية الرنانة غير قابلة للتصديق، مما يعني، وهذه مفارقة ساحرة، أن القاعدة المادية لمجتمع الطبقة الوسطى كان منشغلاً بتقويض بنيته الفوقية الإيديولوجية. إن انتفاء إيمان الرأسمالية المتقدمة متجسد في ممارساتها الروتينية، وليس في المقام الأول مسألة تتعلق بريبية مواطنيها الأفراد.     

سيواصلُ السوق التصرف دون إيمان حتى ولو وُلدَ أيٌّ من المشاركين فيه بروتستانتياً من جديد. فالبرجوازي البدين مؤمنٌ حقيقيٌّ في كنيسته أو وسط عائلته لكنه لاأدريٌّ من المرتبة الأولى في مكتب محاسبته، وهو من يوقف نفسه عن العمل إيديولوجياً. لقد مات الله، ولكن رغم أن كثيرين توقفوا عن الإيمان به، إلا أنهم بحاجة إلى إقناع أنفسهم بأنهم فعلوا ذلك. وكمثل عطيل مُواجَهاً بخيانة ديدمونة المفترضة، عَلِقوا في حالة من التنافر المعرفي، أي أنهم صاروا مؤمنين وغير مؤمنين في الوقت نفسه. وكان من الضروري التظاهر بأن الله ما يزال حياً، وإبقاءه موصولاً بآلة تمده بالحياة، ليس فقط لأنه يبدو كأنه يقدم أسس أخلاق البرجوازية، التي شكلت بدورها أحد أسس السلطة السياسية للطبقة الوسطى. وكمثل  شخصية نورمان بيتس في رواية “سايكو”، كان على الطبقة الوسطى، التي استهلكها الإيمان السيء، أن تنكر فعلها الخاص في قتل الإله وتنظف مشهد الجريمة بشكل مسعور. ورغم أنه يمكن الإبقاء على الاقتصاد كملحد من المرتبة الأولى، فإن الدولة التي تحرسه تحتاج، حتى الآن على الأقل، إلى أن تكون مؤمنة حقيقية، إن لم يكن بالمعنى اللاهوتي فإذاً بالمعنى الميتافيزيقي. والاثنان لا يمكنهما تجنب الدخول في صراع معين محرج فيما بينهما.

كان حلُّ نيتشه الخاص لهذا التناقض راديكالياً بشكل يجعل شعر الرأس ينتصب من الخوف. إذا تعطّلتْ البنية الفوقية الميتافيزيقية، إذا واصلتم تدميرها بنشاطكم التجديفي، اقبلوا إذاً أنكم لم تعودوا بحاجة إليها واطردوها بعيداً فحسب. واقبلوا أن الله ميت واستفيدوا من غيابه كي تصنعوا قيمكم الخاصة على طريقة السوبرمان. كان هذا طرحاً راديكالياً جداً في زمنه، حين كانت سرديات كبرى من نوع أو آخر ما تزال منظمة لكنه صار ملائماً أكثر حين وصلت الرأسمالية إلى طورها المتقدم أو ما بعد الحداثي. وفي الحقيقة، إن حضارة ما بعد الحداثة يمكن أن توصف (أكيد بقليل من التهور) بأنها الحضارة الملحدة الأولى بشكل كامل، التي لم تتخلَّ عن الأسس والسرديات الكبرى والدوال الترنسندنتالية والقيم المطلقة وما شابه فحسب بل تخلت أيضاً (حتى بمعنى معين) عن الذاتية نفسها، أي تخلت عن العمق الذي يمكن أن يتولّد فيه الإيمان الديني.       

ماذا كانت المفارقة التالية التي حدثت في تلك النقطة تماماً؟ اقتحمت طائرتان مركز التجارة العالمي. وأُطْلِقَ على نحو صاخب سردٌ ميتافيزيقيٌّ جديد وكبير وقويّ، عن الصراع بين رأسمالية متقدمة وقراءة معيّنة للإسلام،  تماماً عند النقطة التي أعلنَ فيها تجارُ نهاية التاريخ في الغرب، الدائخون من أخيلة ثانوية عن التفوق ألهمها انتصار الغرب في الحرب الباردة، بأن كل تلك المادة المملة انتهت وارتحنا منها. وحالما رُبحت الحرب الباردة، فإن الغرب (أو هكذا اعتبر بعض المدافعين عنه) لم يعد بحاجة إلى إيمان حماسي، وحقائق جوهرية، وسرديات ومنظومات عقائدية كبرى. وكان هذا ملائماً، بما أنها لم تتلاءم جيداً مطلقاً في المناخ ما بعد الإيديولوجي للرأسمالية المتقدمة.  ومن الجيد جداً أن يتحدث السياسيون الأميركيون عن الله والأسرة وأمتنا العظيمة ورجالنا ونسائنا الشجعان في البذلة العسكرية (إن الولايات المتحدة هي إيديولوجياً استثنائية في هذا الصدد)، لكن أموراً كهذه لا يمكن أن تمرّ في البيئة الأكثر ريبية وتشكيكاً لباريس ولندن، حيث سيحدق الناس ببساطة إلى أقدامهم وينتظرون انتهاءالكلام، كما يفعل أحد أصدقائي كلما قُدمت موسيقا الموسيقار النمساوي شوينبيرغ في الإذاعة. 

بأية حال، كانت المفارقة أنه ما أن وصلتْ ثقافةٌ إلحادية بشكل كامل إلى المشهد، واحدة لم تعد تبحث بقلق عن هذا الشاغل أو ذاك لمكان الله، حتى عاد الله نفسه فجأة إلى جدول الأعمال كي ينتقم. وليس هذه المرة إلى جانب الحضارة بأية حال، ولا يرتدي بلوزة رياضية ملائمة، وليس قصير الشعر، بياقة بيضاء، ويلعب الغولف، بل إله انتقل إلى جانب ما دُعي بالبربرية، إله أسمر البشرة، غريب وغاضب.

لم يُثبَّت الخالق في تابوته بالمسامير على نحو آمن على ما يبدو. فقد غيّر العنوان فحسب، مهاجراً إلى تلال مونتانا وأسواق العالم العربي. ورغم ورقة نعيه السابقة لأوانها، فإن نادي هواته ينمو تدريجياً، وليس فقط من خلال نشر البروتستانتية في أميركا اللاتينية.

إن منبع الأصولية هو القلق وليس الكراهية. إنها التركيبة الذهنية المَرَضِيَّة لأولئك الذين يشعرون بأن العالم الجديد والجَسور للرأسمالية المتقدمة جرفهم بأمواجه وأذلّهم، والذين ربما استنتجوا أن الطريقة الوحيدة للفت الانتباه إلى وجودهم ذي القيمة المتدنية هو أن يفجّروا رؤوس الأطفال الصغار باسم الله أو أن يفجّروا رياض الأطفال في أوكلاهوما سيتي. وما حدث هو أنّ أمماً أصغر وأضعف عانت من النزعة الانتصارية والاحتفائية الجديدة للغرب بعد الحرب الباردة أطلقت أخيراً ردها العنيف في صيغة الإسلام الراديكالي. وعنى هذا أن إغلاق سرد كبير واحد (ما يُدعى نهاية التاريخ) لم يخدم إلا في إطلاق سرد كبير آخر دُعي الحرب على الإرهاب. وأكيد أنها لم تكن المرة الأولى التي برهن فيها إعلانٌ لنهاية التاريخ بأنه سابق لأوانه قليلاً. فقد اعتقد هيغل بتواضع جذاب بأن التاريخ وصل إلى ذروته في رأسه، لكن هذا ولّد المزيد من التاريخ في شكل تفنيدات قوية من قبل سلسلة من المفكرين اللاحقين. إن فعل نَفْخ الصافرة على التاريخ وإلغاء الشيء كله هو في حد ذاته فعل تاريخي، ودحض للذات. وينطبق الأمر نفسه على الحركة الطليعية في أوائل القرن العشرين، التي في سَعْيها إلى استئصال التاريخ السابق كله وتأسيس فضاء مضيء لمشاريعها الخاصة، نجحت فحسب في تكويم المزيد من التاريخ فوق ما كان موجوداً.

كانت المفارقة الإضافية للمسألة كلها هي أن الغرب الليبرالي اللاأَدْريّ لعب بالفعل دوراً في إنجاب هذا الخصم المستبد وغير الليبرالي، حتى لو أنه ما يزال يرفض (إذا ما استخدمنا كلمات بروسبيرو حول كاليبان في نهاية مسرحية “العاصفة”) الإقرار بأن هذا الشيء الظلامي هو من منتجاته (جزئياً على الأقل). إن لاأدريّة مُصممة لإبعاد التعصب نجحت بالفعل في تغذيته من خلال سياسات الغرب الخارجية العدوانية. وهكذا لم يساعد الغرب في إنتاج العلمانية فحسب بل أيضاً الأصولية، وهذه قطعة جدل قابلة للتصديق جداً. ذلك أن دحْر الغرب للقوى الليبرالية والعلمانية والقومية اليسارية في العالم الإسلامي من أجل أهدافه الإمبريالية الخاصة في العقود الأولى من القرن العشرين (دَعَمَ  الغرب مجزرةً أودت بحياة نصف مليون يساري في إندونيسيا، مثلاً) ولّد فراغاً سياسياً في المنطقة الحيوية جيوسياسياً والتي تمكّن التطرف الإسلامي من التحرك فيها، رغم أنكم لن تقرأوا الكثير عن هذا في الصحف.    

ما يوجد إذاً هو عالم منقسم بين أولئك الذين يؤمنون كثيراً (الأصوليون من مشارب متنوعة، سواء كانوا تكساسيين أو من طالبان) وأولئك الذين إيمانهم قليل جداً (المديرون التنفيذيون، التكنوقراط، روبي وليامز وأجراء آخرون من النظام الاجتماعي للرأسمالية المتقدمة غير المؤمنين جوهرياً). وإذا ما شرحنا كلمات دبليو. بي. ييتس،(المقصود الشاعر والمسرحي الانجليزي William Butler Yeats الذي كان مؤمنا بالأشباح والسحر والجنيات) هناك أولئك الذين يفتقرون للإيمان كله وآخرون مليئون بتوتر عاطفي. فضلاً عن ذلك، يسهم كل معسكر (في نوع من الجدل المعطل) بتقوية المعسكر الآخر. وحين يتعلق الأمر بالإيمان، على أي حال، يعاني الغرب الآن من خسارة واضحة، بما أنه، وهذه مفارقة أخرى، انخرط في نوع من نزع السلاح الإيديولوجي في سنواته ما بعد الحداثية، بعد الحرب الباردة، متخيلاً  أنه يستطيع المتابعة بمزيج من البراغماتية والثقافوية والنسبية ومعاداة التأسيسية والعلمانية وما شابه، تماماً في اللحظة التي واجهه فيها خصمٌ استبداديٌّ وأصولي وميتافيزيقي. صحيح أن الغرب يواصل، شكلياً على الأقل، الإيمان بالله والحرية والديمقراطية وهلمجرّا؛ إلا أن المسألة هي أن هذه المعتقدات يجب أن تبقى حية في ثقافة من الريبية تُضعفها بشكل خطير، وليست هذه هي الحالة على العموم في العالم الإسلامي. فالغرب عالقٌ في ما يدعوه اللغويون تناقضاً إنجازيّاً بين ما يفعله في الواقع وما يقول إنه يفعله، بين ممارساته الروتينية والطريقة التي يشرح بها تلك الممارسات لنفسه.  وإذا كنتم تريدون حقاً أن تعرفوا ما يؤمن به أشخاص آخرون، راقبوا أفعالهم، والمعتقدات المجسدة تلقائياً في سلوكهم الروتيني، وليس ما يقولونه. بالتالي، ربما كان الرجال والنساء لا يؤمنون بالله فعلاً بل يظنون ذلك.

أكيدٌ أن كلَّ هذا أحد أسباب الجدل حول الله. أما المفارقة الأخيرة التي يجب أن أذكرها فهي أنه تماماً في اللحظة التي بدأ فيها الغرب ما بعد الحداثي سيرورة التخلص من أنواع الأفكار التي خدمته جيداً، وخاصة في أطواره الأولى، والتي يُشعر الآن على نحو متزايد بأنها متاع ميتافيزيقي مربك (العلم، الروح، العقل، التقدم، الحرية، ما شابه)، تماماً في هذه اللحظة شعر بعض المفكرين الغربيين بالحاجة إلى العودة إلى التاريخ السابق للطبقات الوسطى الأوربية وجاؤوا بنسخة من التنوير تفتقر للأصالة وغير ملائمة. ربما كان لدى العقلانيين عتيقي الطراز الذين ينتمون إلى القرن التاسع عشر من أمثال رتشارد دوكينز والمرحوم كريستوفر هيتشينز أسباب أخرى للجدل ضد الدين؛ لكن ما يمتلك دلالة خاصة هو أن نسمع مرة ثانية لغة العقل والعلم والتقدم المتآكلة تماماً في النقطة التي يبدو فيها الغرب، المواجَه بالإسلام الراديكالي، في حاجة إلى ربما تبرير ذاتي أكثر قوة لأنشطته مما يمكن أن تزوده به ما بعد الحداثة. وهكذا فإن مفكّر موت الله الأميركي سام هاريس، رغم إيمانه الواضح بأن شعبه هو الأكثر استقامة أخلاقياً على وجه البسيطة، كان مستعداً في أعقاب هجمات الحادي عشر من أيلول للتفكير بضربة استباقية ضد العالم الإسلامي تؤدي إلى قتل “عشرة ملايين من المدنيين الأبرياء”، إذا كان هذا سيمنعهم من تطوير أسلحة نووية.*** وينبغي الإيضاح أن حدث الحادي عشر من أيلول الذي أشير إليه هو حدث مركز التجارة العالمي، وليس الحدث الأول الذي حصل في هذا التاريخ قبل ثلاثين سنة، حين أطاحت الولايات المتحدة بحكومة سلفادور أييندي المنتخبة ديموقراطياً في تشيلي ونصبت مكانها مستبداً بغيضاً قتل من الناس أكثر من العدد الذي مات في مركز التجارة العالمي. لكنكم لن تقرأوا الكثير عن هذا في الصحف أيضاً.           

دعوني أختتم بما يذهلني أيضاً كمفارقة أخرى. إن ما بعد الحداثة تأوي إيديولوجيا معروفة باسم الثقافوية، وتعني الاعتقاد بأنه حين يتعلق الأمر بالكائنات البشرية فإن الثقافة هي المرجع. إنها، إذا جاز التعبير، تتخلّل كل شيء. لا تستطيعون الحفر إلى ما تحت الثقافة لأنكم ستحتاجون إلى استدعاء الثقافة (المفاهيم والمناهج والفرضيات) من أجل فعل هذا، وفي هذه الحالة لن تتمكنوا من الالتفاف حولها مطلقاً. ما يعنيه هذا، إذاً، هو أن الثقافة تصبح أساساً من نوع جديد، أساساً متواضعاً نوعاً ما، بما أن الثقافويين يعادون بشدة التأسيسية، لكنها أساس فعلي حتى لو لم تُذكر رسمياً. ويمكن أن يزعم المرء أن هذا ملائم في عصر تعني فيه الثقافة، كما قلت، بين أمور أخرى، ما الرجال والنساء مستعدون للقتل من أجله. فالمفارقة، إذاً، هي أن شكلاً واحداً من الثقافوية (ما بعد الحداثة الغربية) يواجه الآن آخر: الأصولية الدينية. ذلك أنه من الأكيد أن الأصولية هي ثقافوية من نوع ما.

إن الثقافويين ما بعد الحداثيين ليسوا بالمجمل مستعدين للذبح من أجل معتقداتهم، بما أنهم لا يميلون إلى اعتناقها بتطرّف؛ لكنهم يميلون إلى رؤية الثقافة كساحة معركة وصراع، كما تفعل الأصولية الدينية بالطبع؛ ويشير هذا إلى تبدل ضخم في التاريخ الغربي. وهذا يعني أنه لبعض الوقت الآن (في الواقع منذ ازدهار القومية الثورية) كانت الثقافة جزءاً من المشكلة وليس الحل، وأن ذرية كاملة وحاذقة ومثالية بشكل يائس من النزعة الإنسانية الليبرالية أو الرومانسية، والتي تعدُّ الثقافة بالنسبة لها جوهرياً أرضية مصالحة، وصلت إلى نهايتها، مثلما أنهت فكرة الثقافة براءتها. ولم تعد نقيض السياسة، كما كانت، بالعموم، بالنسبة للتراث الإنسانوي، بل اللغة ذاتها التي أُطِّرتْ فيها المطالب السياسية وعُبّر عنها.

لكن الثقافويين مخطئون. فالثقافة لا تُعبّر عن كل شيء. وفي النهاية، إن الصراع بين الإسلام الراديكالي والرأسمالية المتقدمة صراع سياسي وليس دينياً. وأكيد أنه ليس صراعاً حول طبيعة الله أو خلود الروح. فالحرب الأخيرة بين القوميين والاتحاديين في إيرلندا الشمالية ليست لها علاقة تُذكر بالثقافة، رغم أنها عبّرت عن نفسها بمصطلحات دينية. وإذا كنا بحاجة إلى الثقافة، فالسبب هو طبيعتنا المادية، أو، كما قال ماركس، تحقيق النوع لذاته. ذلك أنّ الكائنات البشرية وُلدت كلها قبل الأوان، يائسةً ومعرضةً للخطر، وثمة فجوة ضخمة في طبيعتها، تغذّيها الثقافة، بالمعنى الواسع لأنظمة الرعاية والتغذية وهلمجرّا، ويجب أن تتحرك هذه الكائنات بسرعة كي تحمي نفسها من الهلاك. وإذا كنا كائنات ثقافية، إذاً، فإن هذا لأننا في المقام الأول كِتَلُ مادّةٍ وقطعُ طبيعةٍ، من نوع ما. ورغم أن هذا يمكن ألا يبدو مثيراً وجميلاً كما يرغب المرء، فإننا نحتاج إلى النظر أولاً في هذه الأسس المادية المتواضعة، وليس في غطرسة الثقافة.

ترجمة أسامة اسبر

هوامش 

* للتوسع حول هذا الموضوع انظر: تيري إيغلتون، الثقافة وموت الله (نيو هيفين، مطبعة جامعة ييل، 2014)

** يجب الانتباه هنا إلى أن الكلمة باللغة الإنكليزية تعني معتقدات دينية وتعني أيضاً إدانة أو عقوبة أو حكماً.

*** سام هاريس، نهاية الإيمان: الدين، الإرهاب، ومستقبل العقل (نيويورك، دبليو، دبليو نورتون، ٢٠٠٤).     

المصدر:موقع جدلية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.