توضيحات و ردود على عصيد

هام جدا:

قبل البدء لا بد من التنبيه إلى أن الموقع الإلكتروني الذي أورد النقط العريضة لمناظرة أحمد عصيد مع فؤاد بوعلي,قد يكون ارتكب أخطاء في النقل الصحيح لمداخلة عصيد,وقد يكون الخطأ غير متعمد(ناتجا عن سوء الفهم) كما قد يكون متعمدا الغرض منه إثارة الكثير من اللغط و خلق الحدث,وهذا ما حصل بالفعل,حيث استغرب العديد من شباب الحركة الأمازيغية على الفايسبوك لما صدر عن عصيد,خاصة ما تعلق بدخول العرب إلى شمال إفريقيا.

ولكن مادام لم يصدر عن عصيد أي مقال توضيحي إلى حدود الآن,فهذا يعني أنه متفق مع ما جاء في تلك النقط و لا اعتراض له عليها,مع العلم أننا انتظرنا توضيحا أو ردا منه لأكثر من ثلاثة أيام ولم يحدث ذلك و نظن أنها مدة كافية للرد و التوضيح,كما نؤكد بأننا انتظرنا نشر فيديو المناظرة المذكورة للتأكد من الأقوال المنسوبة إليه و لكن شيئا من ذلك لم يحصل,ومهما يكن من أمر فإن النقط التي جاءت في موقع هسبريس لنا فيها آراء و لنا عليها ردود,نوردها كما يلي:

*أولا:عصيد و الحركة الأمازيغية:

قدم الموقع الذي عرض أهم خطوط”المناظرة”,قدم عصيد كأنه هو الحركة الأمازيغية نفسها أو في أحسن الأحوال الناطق الرسمي باسمها,و كأن ما يقوله عصيد يسري على كل جسم الحركة الأمازيغية,وكأن رأي عصيد جامع لآراء الحركة الأمازيغية,و كأن كلامه كلام منزل من السماء و لا رجعة فيه.

و الواقع أن كلام عصيد حتى و إن سلمنا بأنه يهم شريحة مهمة من الحركة الأمازيغية,فهو لا يعنيها و لا يلزمها كلها,إذ إنه يظل صوتا و اجتهادا من داخل هذه الحركة التي تمتد داخل الوطن و خارجه,فكيف يسمح هذا الموقع أو كيف يسمح عصيد لنفسه أن يكون ممثلا و متحدثا باسم عشرات الجمعيات الأمازيغية داخل الوطن و خارجه و مئات النشطاء و آلاف الطلبة و التلاميذ و المعطلين و الأطر المتشبعة بفكر الحركة الأمازيغية؟

إن رأي عصيد,يبقى كما قلنا سلفا مجرد اجتهاد و رأي شخصي من بين آراء أخرى قد تتفق و قد تختلف,رأي قد يخطيء و قد يصيب,رأي يحترم لكنه لا يقدس و غير ملزم لكل الحركة الأمازيغية.

إننا لنؤيد بحرارة عصيد عندما يصيب أو عندما نعتقد أنه أصاب,لكننا نعارضه أشد ما تكون المعارضة عندما يخطيء,أو عندما نعتقد أنه مخطيء

*ثانيا:في حرف تيفيناغ:

القاريء لرد عصيد حول حرف تيفيناغ كما أورده موقع هسبريس و العهدة على صحافيه,لا يمكنه إلا أن يكتشف بأنه رد باهت و لا يرقى إلى مستوى رد”باحث في الثقافة الأمازيغية”.

فبخصوص هذا الرد أقول إنه رد ضعيف و غير مقنع,و الذي يجعله ضعيفا,أولا أنه نقاش متجاوز بعد أن أثبتت أغلب الأبحاث أن”تيفيناغ” حرف أمازيغي بامتياز,وبالتالي فلا يفضل الرجوع إلى هذا النقاش المتجاوز إلا من هو من طينة فؤاد بوعلي الذي يحمل في قلبه كل الحقد و الكره للأمازيغية,و مع كل هذا لا بأس من إعادة توضيح مجموعة من الأمور بخصوص هذا الحرف:

-أولا:هناك توجه عام لدى أغلب المؤرخين و الباحثين على أن الأبجدية الفينيقية هي أصل كل الأبجديات بما فيها الحرف اللاتيني و الحرف الآرامي الذي سرقه العرب من الآراميين و نسبوه لأنفسهم,و عليه فحتى لو سلمنا بأن الحرف الفينيقي هو أصل كل الحروف,فما العيب أن يكون هو أصل تيفيناغ كذلك,خاصة بعد قرون من التلاقح و التمازج بين مختلف الحضارات و اللغات و الأجناس؟

-ثانيا:من المعروف تاريخيا أن الفينيقيين “شعب بحري”,أي أنهم كانوا يسكنون في المناطق الساحلية المتاخمة للبحر و لم تكن لهم القدرة يوما على الصمود في الأجواء الصحراوية الحارة,وجدير ذكره هنا أن أول حروف تيفيناغ تم اكتشافها في جنوب الصحراء الكبرى مما يفند مزاعم التعريبيين من كونها ذات أصلي فنيقي.

-ثالثا:الفنيقية كانت تكتب كالعربية,أي من اليمين إلى اليسار في حين أن تيفيناغ-كما يعلم الجميع-تكتب من اليسار إلى اليمين مما يرجح أنها ذات أصل غير فينيقي.

-رابعا في التسمية: أورد عصيد أن أصل تيفيناغ هو”أفنيق”…(كذا) و أسهب في شرح ذلك,لكن الذي يعرفه شباب الحركة الأمازيغية بامتياز هو “أبنيق” أي السجن,السجن لكل من يقول الحقيقة,أما كلمة تيفيناغ فلا تحتاج إلى الكثير من الشرح,فلا أصلها أفنيق و لا أبنيق,بل هي كلمة مكونة من شقين:”تيفي” و تعني اكتشاف و “ناغ” و تعني ضمير”نا”الدالة على الفاعلين,و بجمع الكلمتين نحصل على ما معناه “اكتشافنا“ أو “اختراعنا”.

*ثالثا:دخول العرب إلى شمال إفريقيا احتلال أم لا؟

بخصوص حديث عصيد عن “دخول” العرب إلى شمال إفريقيا,يمكن القول إنه حديث مجانب للصواب و للحقيقة التاريخية,فهو لا يعدو كونه حديث لجبر الخواطر,وتلطيف الأجواء,إذ إن الحقيقة التاريخية عكس ما أورده عصيد جملة و تفصيلا.

و بهذا الصدد فلا عصيد و لا أنا و لا غيرنا يمكنه أن يغير الحقيقة التاريخية-هكذا- و بجرة قلم,وينكر بشاعة التدخل العربي في شمال إفريقيا-على الأقل- في مرحلة من المراحل التاريخية,وهنا أستغرب كيف يسمح عصيد لنفسه بتزوير الحقائق و الزعم بأن العرب دخلوا شمال إفريقيا عن طيب خاطر و رضا السكان الأصليين؟ !

من هذه الناحية ينبغي تقديم مجموعة من التوضيحات,بعيدا عن الدبلوماسية المنافقة و لغة إرضاء الخواطر:

-أولا:لابد من توضيح أمر مهم و هو أننا عندما نصف ما وقع في شمال إفريقيا بالاحتلال أو الغزو,فنحن لا نسعى -كما يحلو لبعض المفترين- إلى الفتنة أو إحياء النعرات,إنما ذلك نابع من حرصنا على نقل الحقيقة إلى الأجيال القادمة دون زيادة أو نقصان و دون مجاملة و لا محاباة كما فعل عصيد,ننقل الحقيقة كما هي,أحب من أحب و كره من كره.

-ثانيا:وصفنا لما وقع ب”الاحتلال العربي”,ليس معناه أننا نحمل مسؤولية ما حصل للشعوب العربية التي كانت و ما تزال مغلوبة على أمرها,بل هي نفسها محتلة من قبل عائلات ظلت تحكمها لعقود من الزمن مستحوذة على خيرات بلدانها,كما لا يعني أننا نسقط في التعميم,كمثل الذي سقط فيه عصيد عندما زعم أن دخول العرب إلى بلاد الأمازيغ في كل المراحل التاريخية كان برضا وإذن منهم,إذ إننا لا ننكر ولم يمكن أن نتجاهل بأن التفاعل بين العرب و الأمازيغ لم يخل من صفحات مشرقة كما هو الحال بالنسبة للفترة التي حكمها عمر بن عبد العزيز-مثلا-.

-ثالثا:نحن نعرف أن عصيد ليس بالسذاجة و الجهل الذي يجعله لا يميز بين أشكال الاحتلال المباشر و غير المباشر,فإذا كان عصيد لا يعتبر تغيير أسماء المدن و القرى و الوديان و الجبال وإلباسها لبوسا عربيا,إذا كان لا يعتبر ذلك احتلالا,فماذا يعتبره يا ترى؟

ليعلم عصيد أن تغيير أسماء القرى و المدن و تعويضها بأسماء أوربية كان من بين القوانين الاستعمارية التي طبقتها فرنسا في الجزائر ما بين 1870 و1900,في إطار سعيها الحثيث لتحويل الجزائر إلى ملحقة فرنسية,أليس هذا نوعا من أنواع الاحتلال أم لعصيد وصف آخر؟فلماذا نصف ما وقع بالجزائر بالاحتلال و نتجنب وصف ما وقع بشمال إفريقيا بنفس الوصف رغم عدم وجود أي اختلاف بين الحالتين؟

-رابعا:لقد كانت الإمبريالية الأوربية تبرر استعمارها للبلدان الأخرى أحيانا بالتفوق العرقي لبعض الأعراق المدعوة إلى السيطرة على الأعراق الأخرى ونشر الثقافة بينها و انتشالها من التخلف الذي ترزح تحته(بريطانيا مع جنوب إفريقيا مثلا),ألم يكن ذلك-أيضا- مبررا للعرب في فترة من الفترات(الفترة الأموية خاصة) لغزو بلدان أخرى,وخاصة شمال إفريقيا بادعاء النسب الشريف الذي خلق ليحكم العالم لأنه المتفوق و “الشريف”,بل إن الأمويين لم يكن لهم أن يصلوا إلى الحكم لولا انتمائهم لقريش التي كان الانتماء إليها الشرط الأول لتولي الحكم,في حين كانت باقي القبائل العربية محتقرة و مضطهدة؟ما الفرق إذن بين الإمبريالية الأوربية التي بررت سياستها التوسعية بالتفوق العرقي و بين الأمويين الذين برروا غزواتهم بأنهم الأحق بالحكم لنسبهم الشريف؟

-رابعا:من يقرأ أو يسمع كلام عصيد عن دخول العرب إلى شمال إفريقيا سيعتقد أن ذلك الدخول بدأ مع ادريس الأول,وهذا تقزيم و تزوير للتاريخ,لا يختلف عن التزوير الذي يمارسه التعريبيون الذين يقزمون تاريخ الدولة المغربية في 12 قرنا,في حين أن شمال إفريقيا عرف دولا عظمى قبل ذلك بكثير,نفس الشيء بالنسبة لزحف العرب نحو إفريقيا الذي يرجع إلى ما قبل ادريس الأول بكثير.

-خامسا:لنفترض جدلا أن العرب دخلوا برضا الأمازيغ الذين “رحبوا بهم” على حد زعم عصيد,وخاصة ادريس الأول,ولكن هل بحث عصيد في السبب الذي جعلهم يرضون بأن يحكمهم ادريس الأول؟هل بحث لمعرفة أسباب الترحيب الأمازيغي بادريس الهارب؟

إن السبب في ذلك هو نهج أسلوب الحيلة و المكر و الخداغ,فكيف لا يقبل الأمازيغ على مبايعة و مناصرة من يزعم أنه من أشرف خلق الله و أنه من الأسرة النبوية,بل من ارتقى بنفسه إلى مصاف الأنبياء عندما قال مخاطبا الأمازيغ:“…فعسى أن تكونوا معاشر إخواننا من البربر,اليد الحاصد للظلم و الجور,وأنصار الكتاب و السنة,القائمين بحق المظلومين من ذرية النبيئين,فكونوا عند الله بمنزلة من جاهد مع المرسلين و نصر الله مع النبئين”؟

إن هذا المقتطف من مخطوط المرجع الشافي للإمام عبد الله بن حمزة لا يدل دلالة واضحة على أن الأمازيغ لم يستقبلوا و لم يرضوا بادريس الأول صدفة,بل تم ذلك بعد أن سلك أسلوب الحيلة و الترويج لخرافة “النسب الشريف”,فكان طبيعيا جدا أن يستغل إيمانهم القوي,للتمكين لنفسه,و الذي يدل أكثر على ما نقول هو نهاية الدولة الادريسية التي تمت بحد السيف.

-سادسا:لا أعرف كيف يسمح عصيد لنفسه بأن يمر مرور الكرام على الثورات الأمازيغية و الحروب الطاحنة التي حدثت بين الجيوش العربية الزاحفة نحو شمال إفريقيا و بين القبائل الأمازيغية الثائرة و الرافضة لما كانت تعتبره غزوا و احتلالا لأراضيها و السنوات الطوال التي احتاجها العرب للدخول إلى شمال إفريقيا,

فهل الثورات الأمازيغية على عقبة بن نافع (و الطريقة التي مات بها) و حسان بن النعمان و موسى بن نصير و من جاء من بعدهم يمكن تصنيفه ضمن ما يصفه عصيد ب “رضا الأمازيغ”؟ أينه من ثورة الملكة الأمازيغية”تيهيا” صاحبة الأرض المحروقة و التي قالت واصفة الغزو العربي” إن العرب لا يريدون من بلادنا إلا الذهب والفضة والمعدن،ونحن تكفينا منها المزارع والمراعي، فلا نرى لكم إلا خراب بلاد أفريقية كلها حتى ييأس منها العرب فلا يكون لهم رجوع إليها إلىآخر الدهر”1,و أكسيل و من بعدهم ميسرة المدغري…؟

-سابعا:لا أظن عصيد يجهل الظروف التاريخية التي ظهرت و أسست فيها الدولة الأموية,وانقضاض بني أمية على الحكم و ما لازم خلفاءهم و دولتهم من فساد أخلاقي و “شطط في استعمال السلطة” و بطش ببني جلدتهم من العرب “المعارضين لحكمهم”,فكيف لمن كانت تلك صفاته أن يرحب به الأمازيغ أو غيرهم؟ كيف لمن أبقى على الجزية حتى بعد دخول الأهالي في الإسلام أن يكون مرحبا به؟كيف لمن سن نظام”الموالي” الذي كان يعتبر المولى-أي غير العربي- عنصرا دخيلا, مسترقا, محتقرا و مجبرا على تأدية ضرائب الجزية و الخراج و محروما من تقلد المناصب السياسية, كيف يكون مرحبا به و “مرضي عنه”؟ثم بماذا نصف تلك “السياسة” العنصرية,التمييزية إن لم تكن احتلالا؟

-ثامنا:لقد اتضحت الأهداف الحقيقية للجيوش العربية بعد أن كانت “أهدافها المزعومة” هي نشر الإسلام,فقد تبين في مرحلة من المراحل أن قادة الجيوش العربية نحو شمال إفريقيا لم يكن يعنيهم شيء من نشر الإسلام,بل كان كل هدفهم هو السعي إلى الظفر بالغنائم و السبايا,بل إن هناك من المستشرقين من يذهب إلى أن خروج العرب من شبه الجزيرة العربية لم يكن إلا هروبا من تلك الأراضي الجدباء القاحلة للبحث عن أراض خصبة و غنية.2,مما جعل نزوحهم نحو شمال إفريقيا لا يختلف كثيرا عن التوسع الأوربي الإمبريالي الباحث عن أسواق جديدة و مناطق جديدة لجلب المواد الأولية.

ما يؤكد ذلك هو آلاف الجواري و النساء و السبايا و مئات الغلمان و أكياس الذهب و الخيل… التي كان يبعث بها إلى الشام خاصة في عهد موسى بن نصير,مما لا يقدر بشر على تخيله,كل هذا جعل من إفريقية”أرضا للمغانم و الأسلاب و السبي و أرضا لأكوام الورق و قناطير الذهب والسبايا الجميلات“بالنسبة للعرب كما يصف الزعيم المصري السابق سعد زغلول3.

-تاسعا:إن حديثنا عن غزو العرب لشمال إفريقيا في المرحلة الأموية خاصة,لا ينفي أن الأمازيغ كانت لهم أخطاؤهم التاريخية كذلك,ولعل أبرز هذه الأخطاء هو غزو الأندلس من طرف طارق بن زياد مع آلاف من الجنود الأمازيغ بتحريض و تجييش من العرب,وهنا استغرب كيف أن بعض النشطاء الأمازيغ ما يزالون يفتخرون بذلك الغزو الغاشم و الاحتلال الظالم لبلد آمن و سبي نسائه و رغم ذلك يعتبرونه من الإنجازات التاريخية العظمى؟ !

خلاصة:

إن الحقيقة التاريخية لا يمكن القفز عليها لمجرد الرغبة في إرضاء النفوس أو لتحقيق أهداف شخصية كيفما كانت, فهذه الحقيقة أكبر من ذلك بكثير, وإزعاج الناس بقولها أفضل بكثير من إرضائهم بالأكاذيب.

المراجع:

1-انظر ابن عذاري المراكشي” البيان المغرب في أخبار الأندلس و المغرب”ج 1 ص35 و36.السؤال هنا:هل عصيد أدرى من ابن عذاري المراكشي؟

2-”الغزو العربي لشمال إفريقيا بين نبالة النص و دناءة الممارسة” ص31.أحمد الزاهد

http://www.tawalt.com/wp-content/books/alghzu/alghzu_alarabi_1.pdf

3-المرجع نفسه ص38

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.