توحش امتحانات البكالوريا بالمغرب

المتخلف فنان في البرمجة السلبية للعقول وفي مسخ الأشياء. وهذا ما يلاحظ في  تعامل سلطات التربية والتكوين في المغرب مع امتحانات البكالوريا ، حيث حولتها من محطة تربوية تعليمية  الى ساحة  جريمة محتملة يجب البحث عن مجرم مفترض فيها ، وفرضت جوا من الحرب  في اطار اصطياد الغشاشين المفترضين . فأصبحت الامتحانات بصفتها عملية تربوية تعلمية في الاساس  ، الى اداة  للترهيب والتوحش . فبدل ان تكون التعبئة من اجل تجويد التقويم وتحويله من مقاربة تقليدية جزائية عقابية الى مقاربة تكوينية ، اختزل الخطاب التربوي السائد هذه الامتحانات الى ساحة  حرب ، حيث يطغى عليه  البعد الامني  ولغة العقاب والزجر و الحرب الاستباقية ، وينطلق من كون المتعلمين خلايا نائمة من الغشاشين. وحول مراكز الامتحانات  الى  ساحات  معركة لمطاردة الساحرات .

إن الامتحانات هي قبل كل شيء ، اداة من ادوات التقويم  التربوي التعليمي التعلمي   لقياس معرفي و بيداغوجي وشخصي  وكفاياتي  للتلميذ من خلال اسئلة ووضعيات مدروسة بشكل علمي و ملائمة لأهداف واضحة يكون اساسها قياس ابداع المتعلم و كيفية مواجهته للوضعيات والتكيف معها و قياس ادوات الانتاج المعرفي لديه وقدراته على الخلق و الإبداع . لقد  “مسخت”    المقاربة المعتمدة في المدرسة المغربية الإمتحانات  إلى آلية من أليات العقاب والزجر مسكونة بوسواس  الاصطياد والافتراس ، ومتبنية  لمنطق الارجاع و الغثيان المعلوماتي  عبر انهاك مجاني وسادي  لطاقة التلميذ في محاولاته  الوفاء لدروس صماء روتينة تفتقد لكل تجديد وتعاني البؤس  في بث   روح الحماس والحافزية . فاختزلت الامتحانات  الى مجرد  أدوات لقياس مدى درجة الوفاء الساكن للدروس الممنوحة ( سلعتنا رجعت الينا) ، بدل ان تكون وسيلة لقياس القدرات على الابداع و التكيف مع الوضعيات.

إن  هذا التشويه الذي يمس التقويم في المغرب هو نتيجة لفقدان السياسة الرسمية لسلطات التربية والتكوين لتصور شامل و متكامل ومندمج لجميع ابعاد المنظومة التربوية يكون هدفه المساهمة في بناء الفرد-المواطن-المبادر ، ويكون التقويم آلية من الآليات المساهمة في تحقيق هذا الهدف عبر  تبني مقاربة  له تربوية تكوينية وبنائية لكفايات المتعلم المختلفة الشخصية و المعرفية في سياق الاهداف المنتظرة في كل مرحلة من مراحل حياته الدراسية . ان غياب هذه المقاربة يفرغ الامتحانات من محتواها و يحولها الى معا بد يقدم فيها التلميذ قربانا مباركا لأرقام صماء، وهو ما يجعل المتعلم يسعى بكل الوسائل الى الحصول على الدرجات  ولو بالغش و التسول ( حالات المراقبة المستمرة في المغرب هي في اغلبيتها صدقة من الاساتذة لتلاميذ تهم). هذه القابلية للغش هي أيضا نتيجة لثقافة سائدة ، تقدس  الواجهة و تحتقر المضمون ، فليس المشكل مدى  القدرات و الكفايات المتوفرة بل المهم  مدى القدرة  على التمثيل في ابرازها وإظهارها .

ان التركيز في الخطاب الرسمي في فترة الامتحان على الغش هو نتيجة لمجتمع تسود فيه قيم الزيف و طغيان طقوس الاشكال ، هو في حد ذاته خطاب مغشوش لأنه لا يعطي قيمة حقيقية  لكنه الامتحانات و يقتصر على مظاهرها ( لب الغش هو اعطاء قيمة لشيء غير قيمته الحقيقية ) . محاربة الغش ايضا ترتدي البذلة الامنية  في  اختزال مشوه و مغشوش  لهذه الظاهرة المعقدة والمتعددة الابعاد: تربوية و معرفية و بيداغوجية …..وتتفادى  الاسئلة جوهرية  : ما هو مفهوم الامتحان عند منظومتنا ؟ ماهي اهدافه؟ ماذا نريد قياسه ؟ هل هناك منهجية  وآليات علمية  في وضعه؟

كما ان طريقة وضع الامتحان ضمن مقاربة علمية تكوينة  تنتصر بطريقة آلية على هذا الهوس بالغش ، فظاهرة الغش باستعمال الوثائق مثلا ، يمكن القضاء عليها بكل سهولة عبر تغيير الامتحانات من اسئلة لقياس المعلومات ، الى اسئلة حول مواجهات وضعيات  و كيفية انتاج الادوات المعرفية والمنهجية لمواجهتها .و بناء إختبارات تتحول من قياس الخزان المعلوماتي للتلميذ وفق منطق الارجاع ، إلى قياس  كفايات منهجية و ميتا معرفية  في مواجهة وضعيات جديدة  با ستثمار هذه المعلومات .

 ان الجو العام الذي يجب ان يسبق الامتحانات يجب ان يحمل بيئة مشجعة للبرمجة الايجابية للمتعلمين  وانقاص التوترات والتخفيض من قلقهم في مواجهتها ، فالعاطفة والنفسانية  تأثر على الفكر وتهزمه في اغلب الحالات .  وهذا ما نفتقده في المغرب الذي اصبح فيه الخطاب عن الامتحانات مسكون بلغة الحرب و التهديد ويغلب عليه طابع التخويف و الرعب مما  يشجع على  انتاج برمجة سلبية للتلاميذ و زيادة توتراتهم وقلقهم  ويحول الامتحانات الى  استنزاف وإحتراق  نفسي لهم.

في مجتمعات الهدر الانساني يصبح الغش علامة مسجلة و يدخل ضمن الكفايات المطلوبة في النجاح الاجتماعي . محاربة الغش هو صراع من أجل بناء مجتمع الاستحقاق في كل المستويات ، سياسيا وإقتصاديا و إجتماعيا و ثقافيا ، يبتدأ من مواجهة الذات و تناقضاتها والإقرار باختلالاتها و محاربة الفصام المغروس في اعماقها والذي يعتبر اساس كل غش .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.