تهافت التهافت

دامي عمر

كثر الحديث عن سيجارة زيدان، وحجب دخانها ما كان يحترق في تلك الأثناء من ثقافة وفكر ..إذ لم حضر الجمهور؟ ولم أقيمت الندوة مكلفة ما كلفته ماديا ومعنويا ؟ أليس لاجل الثقافة والفكر ؟ (علينا أن نكون حسني النية) .. السؤال: لم تركتم جميعا ما قاله الرجل وأقمتم الدنيا حول سيجارة كانت تخفي في الواقع بؤسا آخر ، هو بؤس المثقف القدوة؟

سأحاول هنا لفت الانتباه إلى ما لم ينتبه إليه غيري، أو لم يحن لذا البعض وقت الخوض فيه لأسباب ما.
من هو المثقف العربي ؟ وهل يصح إطلاق نفس الصفة على عموم المثقفين العرب وبنفس الدرجة؟ ..إلى أي مدى يدرك منظمو الندوات ومتعهدو اللقاءات الثقافية أنه آن الأوان كي نقوم وبشجاعة بدفن وهم الأمة الأنثربلوجية الموحدة بناء على وعينا بحقيقة الاختلاف الجغرافي والتاريخي والسياسي التناسبي ..إننا لسنا أمام أرقام منسجمة …ولا فائدة من إنجاز معدلاتها في الخيال والعاطفة ..(مع تقديري لحجم الألم الذي سيولده هذا الكلام في نفوس طلبة السبعينيات وحتى الثمانينيات و مؤيدي خطاب الوحدة و القومية)
إذا أردنا تجاوزا قراءة نماذج المفكرين بالبلدان العربية، اليوم، وعلى ضوء مختبر ما سمي بالربيع العربي، نلاحظ شكلين إثنين منفصلين:
الشكل الأول: انتقائي، ينتقي اهدافه، ويفسر بالسبب، موضته اليوم: نموذج يوسف زيدان. يقوم تفكيره على المبادئ الأربعة التالية: 1 الاختزال والانتقائية في الأهداف: إذ الأزمة في العقل وحده، مع إمكانية تجاهل رجل الدين، رغم انهما معا إسقاطيان: الفيلسوف من الفلسفة ورجل الدين من الحقيقة المطلقة، وبالتالي كلاهما يتجاهل الواقع .
2 . الكلمة والمفهوم عنده سيان: (القطيعة من قطع يقطع، بمعنى انفصل) ..إذ المفهوم عنده معطى مسجل يمنحك نفسه. والفهم يقع بالغوص في اللغة التراثية والتراث والابتعاد عن الكونية، يقول زيدان في ندوة طنجة “إحنا مالنا ومال دول”، يقصد كانط وهيجل وغيرهما ..
3. الكل فلسفة ولا اعتراف بعلوم التحول التجريبية طبيعية وبشرية وعلوم استعصاء التحول .
4. الاصلاح ممكن بالكلمة والعقل وحده، إذ القطيعة مع الثراث مستحيلة ومدمرة. والعودة إلى التاريخ الميت ممكنة ومفيدة.
خلاصة أولى: التاريخ رتيب، سرمدي، والتجربة مفصولة عن سياقها التاريخي، وقراءة التاريخ قراءة سطحية تتابعية غير توليدية ..(لم يكن في الجزيرة قبل الاسلام حضارة، والعرب كانوا سراق إبل) و في نفس الوقت يشيد باللغة العربية باعتبارها لغة ولادة .
النموذج الثاني، يمثله عبد الله العروي و هشام جعيط في الفكر التاريخي، وأركون في الاصلاح الديني والحسن الثاني في الاستراتيجية السياسية. ويتميز بأربعة خصائص أساسية: 1. الإرادة الدينية ، وسندها الحديث الذي اورده أبو داوود في كتاب الملاحم، وهو حديث رواه أبو هريرة عن النبي (صلعم): (يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها).
2. القراءة الفلسفية بالقاموس الابيستمولوجي المفتوح.. (بعيدا عن أي تنقيص من شان المفكرين والفلاسفة الذي لولاهم ما تولدت الفلسفة الحديثة) ..لمعرفة متى وكيف نمارس الاتصال والانفصال .
3. المختبر التجريبي: ونمارسه بكل علوم التحول التاريخية (تغيب هذه العلوم عند نموذج المثقف الأول ، ويقوم هذا الأخير بالسطو على الانثبلوجيا ويعتبرها تاريخا)
4. يعتبر المثقف العقلاني المعاصر أن الانثربلوجيا قد تكون عائقا للتحول، مالم يتم البحث فيها و ربطها بالممرر السياسي والقانوني كي تصبح ألية من آليات التحول.
خلاصة ثانية: لقد استطاع هذا المثقف العقلاني أن يفهم واقعه وأن ينفذ إلى مركز القرار ويفعل من حيث هو على تجنيب بلاده ويلات الربيع العربي، دون السقوط في المغالطات .
خلاصة تركيبية: السؤال الذي ننتهي إليه، ويتعلق بهشاشة الوضع الثقافي عموما، والمتمثل في عدم القدرة على التدبير العقلاني للملتقيات الثقافية والعمل وفق حكامة ثقافية حقيقية هو: كيف ندعو نموذجا غائيا (غير توقعي) فشل في تشخيص واقعه، لتفسير واقع ذي خصوصية مختلفة، تتجاوز آليات فهمه وتفسيره؟ كيف نتجاهل النموذج التنويري الثاني في سؤال: علاقة المثقف بالتنوير ؟لقد غطى كثير من الدخان سؤال التنوير ولم تكن السجارة سببا، بقدر ماكان دخانها حجابا في وجه صاحبها كي لا يرى إلا أنفه الشامخ .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.