تمخض الربيع فأنجب داعش.

   كنت دائما أتصرف بتحفظ في التعبير عن موقفي من الحراك الشعبي الذي انطلق قبل ثلاث سنوات ونصف، وأفضى إلى تغيير كثير من معالم المشهد السياسي في بعض دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وذلك على الأقل من حيث أنني لست متفقا مع إطلاق لفظ ” الثورة ” على الأحداث التي عرفتها المنطقة في هذه الفترة. لكنني، ومثل ملايين الناس ممن استهوتهم جموع المحتجين في الميادين، كنت أنظر بعين التفاؤل إزاء الإنتفاضات الشعبية في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا… لأن ما حدث كان مؤشرا إيجابيا في حد ذاته، فقد أكدت تفاصيل هذا الحراك أن هذه الشعوب ما زالت تمتلك القدرة على تحدي آلة القمع، وتستطيع بحناجرها المبحوحة وصدورها العارية أن تسقط أصنام النظام ” العربي”.

   أما الآن، وبعد أن أصبحت الصورة أكثر جلاء، يبدو أن تحفظي كان له ما يبرره، فالإصطفاف إلى جانب خيار الشعوب في الإنعتاق والحرية واجب أخلاقي يفرض نفسه، لكنه في حالة ربيع شمال إفريقيا والشرق الأوسط، كان اندفاعا عاطفيا وليس موقفا عاقلا. ومقاربة نتائج هذا الحراك تثبت أن ما سمي ب”الربيع” استحال خريفا تساقطت فيه بعض أوراق النظام العربي، لكن أشجاره مازالت واقفة بعنفوان، وهي مستعصية على السقوط، ربما لأن جذورها قد توغلت بعيدا في أعماق الأرض. بل يبدو أنها أزهرت وأثمرت من جديد خصوصا بعد التجربة المصرية التي أعادت العسكر إلى السلطة برداء مدني في انتخابات هزلية أريد من خلالها للشعب أن يرقص فرحا وطربا بالسيسي المظفر، بينما تحول مشهد 25 يناير إلى وصمة عار على المصريين. هكذا تحول الشغف بالثورة إلى كفر بها في حالة من العبث تؤكد أن شروط الثورة وإشراطاتها مازالت بعيدة المنال، وأن الديموقراطية ستظل لزمن طويل مجرد حلم جميل يراود هذه الشعوب في المنام، أوتراه عبر الفضائيات عند الآخرين دون أن تتلمسه فعليا. فأي ربيع هذا الذي صفقنا له طويلا سنة 2011.؟.

   هو ربيع اللادولة في ليبيا. ربيع “الثورة ” المضادة في مصر. ربيع داعش في سوريا والعراق… فهل بعد كل هذا مازال اسم الربيع لائقا بما جرى؟. الربيع يزهر وردا وينشر المتعة والفرح في الطبيعة، أما ربيع هذه الشعوب فلم يعبق إلا برائحة الدماء والتشرد والنكوص واللااستقرار والخوف من المستقبل… وبعد أن خرجت شعوب المنطقة بعد ” تضحية البوعزيزي ” مطالبة برحيل الأنظمة ورافضة للقمع ومتحدية جدران الصمت وهاتفة بالحرية والعيش الكريم، أصبحت الآن تطالب بالأمن وحده وتتمسح بأحذية العسكر، وتحن إلى سلاسل القمع وتكميم الأفواه من أجل أن تهنأ في سلام، ولتذهب الديموقراطية بع دذلك إلى الجحيم… لقد أدركت متأخرة أنها أخطأت الإتجاه، فهي لا تمتلك قرارها لأنها لا تمتلك البديل، لذلك هللت بعودة العسكر في مصر، وتركت مصيرها للاقتتال الداخلي في ليبيا وسوريا. وأنجبت ” دولة ” داعش التي تعيث فسادا في العراق وسوريا، وتضفي مزيدا من العتمة والعبثية على المشهد في المنطقة. وكأن قدر هذه الشعوب هو العيش في كنف الإستبداد بوجود الدولة أو في غيابها. إما استبداد العسكر الذين يحكمون بالحديد والنار أو استبداد “مجتهدي الدين” الذين حولوا سماحة الإسلام وتسامحه إلى قطع للرؤوس وتنفيذ لإعدامات تقشعر لها الأبدان.

   لقد أثبتت تجارب الحراك الأخيرة أن شروط التحرر وبناء الديموقراطية في المنطقة تستلزم مزيدا من الوقت، فلا الأنظمة مقتنعة بمطالب الشعوب، ولا الشعوب واعية بثقافة الديموقراطية والمدنية. لذلك ينبغي أولا القطع مع عقلية الإستبداد المتعششة في وجدان هذه الشعوب، إذ يبدو واضحا أن سلوك النظام السياسي ” العربي ” يريد لشعوبه أن تدين له بالولاء لما تعيش فيه من أمن وسلام، وإلا فإن البديل هو الفوضى. فهل ستختار شعوب المنطقة المضي في خيار استبداد العسكر أو في فوضى داعش ( غير الخلاقة طبعا.)؟.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.