تماسينت(الحسيمة).. القرية التي سلط عليها “المخزن” جهاز الدرك الملكي

“تماسينت” تلك البلدة الهادئة المتناثرة بين قمم جبال الريف الشامخة، قلعة صمدت في وجه القمع والبطش المخزني لعقود، أهلها بسطاء طيبون، يكدحون ويعملون في صمت..

ما إن تطأ قدمك على مدخلها حتى تكتشف قدر التهميش والحصار الذي اعتراها، هذه القرية التي عجزت قوات الاستعمار عن إخضاعها واستشهد الآلاف من أبنائها دفاعا عن حرية وكرامة الريف وكل المغرب.

آخر شيء كان تنتظره ساكنة “تماسينت” هو تشييد ملحقة لجهاز الدرك الملكي على تراب جماعتها، لمعرفتهم المسبقة بأفعال وممارسات أفراده، وأن يُصبحوا عرضة للإبتزاز وتعطيل مصالحهم.

ساكنة تماسينت لديها حساسية من رجال الأمن المحسوبين على الجهاز المذكور، وتوجسها منهم ليس نابعا من فراغ، فما كانوا يخشونه أضحى اليوم حقيقة ملموسة يتعايشون معها بمرارة وقهر، فلسان حال مواطن يقول أن “تماسينت” بحاجة لمشاريع تنموية ومعامل وفرص الشغل لامتصاص البطالة التي تغرق شباب المنطقة في وحلها، وعلى الدولة أن تجد حلولا لمعضلة البطالة والفقر، لا أن تقوم بمقاربات أمنية لقمع أي احتجاج أو حراك شعبي…

على مدخل تماسينت يصادفك وأنت تسوق سيارتك حاجر للدرك الملكي، حاجز متنقل لا يعرف الاستقرار في مكان ثابت مرة ينصب على مشارف القرية ومرة أخرى على بعد كيلومترات ومن الجهتين، من جهة الطريق الذي يؤدي إلى مدينة “امزورن” أو الآخر الذي يقودك إلى “آيت عبد الله”، يستوقفك عنصر من الدرك، ما أن توقف سيارتك حتى يمطرك صاحبنا بوابل من الأسئلة، “شنو سميتك”، “واش ساكن ولا غير دايز”، “فين ساكن”، “عندك شي ولاد”، “شنو هاز معاك” ويختمها “نزل نزل نهدرو معاك”… “مادايرش الصمطة، إيوا، عند مخالفة.. تخلص هنا ولا نسحبو ليك البرمي”… يعني “افهم راسك”!.

هذا يحدث مع أصحاب السيارات الشخصية الذين يستعملونها للتنقل ولا يزاولون أي نشاط تجاري أو غيره، أما الذين يحصلون على قوت يومهم من التجارة ونقل البضائع، فيتعرضون للـ”تكشاط” في واضحة النهار، فحتى القطاني يجب “تعشيرها”.

يقول تاجر أنه يمكنك أن تجول بسيارتك التجارية على طول خريطة المغرب دون أن تتعرض لمثل هذه المضايقات، فهل “تماسينت” لا تنتمي لهذه الدولة يضيف المتسائل؟

رجال الدرك الملكي يمنعون العدس واللوبيا والفاصوليا الجافة عن ساكنة تماسينت بدعوى أنها مواد مهرب، ويسمحون بدخول البنزين المهرب في سيارات (المقاتلات) مهترئة وتشكل تهديدا يوميا لحياة الناس.. يسمحون لأشخاص غرباء يسوقون سيارات بدون لوحات ترقيم بدخول تماسينت، ويمنعون أبناء المنطقة من العاطلين والمجازين من المتاجرة في المواد الغذائية، ويقومون بحجز سياراتهم وسلعهم.. فحجز هذه السلع يعني دفع أبناء هذه المنطقة البسطاء والفقراء إلى التنقل لمدينة إمزورن، للتبضع وشراء نفس السلع الممنوعة عن تماسينت، والتي تباع في متاجر غذائية بشكل عادي.

ويستمر هذا السيناريو طول النهار، أما الليل فحكايته حكاية، فبمجرد غروب الشمس واختفاء ضوئها حتى تستعد البلدة لتغرق في ظلام دامس، ما أن يغطي الظلام البلدة حتى يتجول بعض عناصر الدرك الملكي إلى في أرجائها مدججين بأسلحة نارية…

يستوقفون رجلا كان واقفا بمحاذاة سيارة مدنية بيضاء من نوع (رونو 18) في فيافي منطقة خالية قرب وادي غيس، كان قادما من ناحية بلدة آيث عبد الله بسيارته متجها إلى مقر سكناه بتماسينت..

يقول الرجل: “كان تركيزي كله منصب على الطريق في ليل دامس، أقارع منعرجات الطريق التي أنهكت نظري، وإذا بي أفاجأ بشخص بلباس مدني يصوب نحوي بندقيته ونور كشافه القوي الذي أرغمني على التوقف، استحضرت الكثير من السيناريوهات في ذهني وكل الاحتمالات، ولأني لا أعرف ما ينتظرني في هذا الموقف، بحثت عن شيء لأدافع به عن نفسي واستقرت يدي على خنجر صغير” ثم يستطرد: “وبينما أنا أراقب الوضع من داخل سيارتي ترجل شخصان من سيارة الرونو البيضاء يحملان سلاحا رشاشا لينضافا إلى الآخر الذي تعرض لي وسط الطريق، وإذا بهما عنصران من الدرك الملكي بلباسهما الرسمي، آنذاك تخلصت من سلاحي الصغير”..

يُتابع السائق: “بدم بارد دنا مني الرجل ذو اللباس المدني وطلب مني أوراق السيارة، لم يكمل كلامه حتى انفجرت غضبا في وجهه: ومَن تكون لأسلمك أوراق سيارتي وأنت كدت تتسبب في قتلي، لكن الرجل لم يعر انتباها لكلامي وألح أن أسلمه الأوراق، فرفضت رفضا قاطعا، إلى أن تدخل رئيسهم الذي كان يلبس زيا رسميا، فكرر نفس الطلب فتشبثت بموقفي مطالبا إياهم أولا بتبرير هذا التعامل “المافيوزي” مع المواطنين، فكان جوابهم (هذا شغل المخزن) وأنهم يقومون بعملهم، وكان علي أن أذكرهم أن هذا ليس حاجزا قانونيا بقدر ما هو كمين لإفزاع الناس وابتزازهم ثم سرقتهم”…

“استمر الأخذ والرد في الكلام ‘ يقول نفس السائق – إلى أن تعرفوا على هويتي وعملي فاعتذروا: “ماتفهامناش غالط”.. فواصلت طريقي وأنا كلي يقين أن ما يقوم به هؤلاء هو من أفعال “عصابات قطاع الطرق” وليس رجال الأمن، يقول الضحية.

كان هذا غيض من فيض “المستملحات” الثقيلة لبعض رجال الدرك الملكي بتماسينت حيث الإصرار على التطاول واستغلال السلطة والتحايل على القانون في هذا البلد التعيس بأناسه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.