تقرير خاص:زراعة الكيف بالريف بين مزايدة الأحزاب السياسية واسترزاق المجتمع المدني.

أورد التقرير السنوي للأمم المتحدة حول المخدرات في العالم على أن المغرب يبقى المتصدر الأول من حيث زراعة وإنتاج الحشيش إلى جانب أفغانستان بينما لبنان وباكستان والهند يأتون في مرتبة أدنى عن المغرب من حيث إنتاج وزراعة القنب الهندي.

بعد التقرير المصنف للدول المنتجة للمخدرات بأنواعها المختلفة والذي قدم بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة المخدرات بفينا والذي يصادف 26 يونيو من كل سنة، شدد  “يوري فيدوتوف” المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة على أهمية احترام الاتفاقيات الدولية، وعلى المجتمع الدولي استخدامها بشكل فعال وصحيح، كما يجب على الدول الأعضاء الالتزام بتعهداتهم وتطبيق الاتفاقيات الدولية.

بعيدا عن مضمون وتوصيات هذا  التقرير الدولي الأخير، وعودة لمنطقة الريف المغربي الذي تتمركز بأراضيه زراعة الكيف، بحيث يستمر موسم زراعة القنب الهندي إلى حدود نهاية شهر غشت.

هذه السنة وبأسابيع قليلة عن انطلاق موسم زراعة الكيف عرفت أحد القبائل بالريف الأوسط وبالضبط قبيلة بني جميل حدثا غير مسبوق، بحيث أقدمت السلطات على إشعار الساكنة بمنع زراعة الكيف، فوظفت براح بالسوق  الأسبوعي لتعميم هذا القرار.

فعل “البراح” ولّد رد فعل سريع من طرف المزارعين، تطور معه الغضب لاحتجاج وإضراب عن التسوق ثم محاصرة مقر الجماعة والقيادة، وانتهى باعتصام عبر قطع الطريق الساحلي الرابط بين تطوان والحسيمة، مرددين شعارات  من قبيل “سوا اليوم سوا غدا. . . الكيف ولا بدا”..

استنفرت السلطة لكل قواتها بالإقليم، لكنها فضلت في الأخير فك الاعتصام عبر مفاوضات مطمئنة المحتجين على مستقبل هذه الزراعة.

تفرقت الساكنة على وقع انتشاء تحصين حقها  في زراعة الكيف الذي يبقى  مصدرها الأساسي للعيش. بينما كان هم السلطة لحظتها فقط تهدئة الأمور وحصر شرارة هذه الاحتجاجات في مهدها حتى لا تنتقل عدواها للمناطق المجاورة، ومن لحظته يظهر أثر للبراح  بالأسواق الأسبوعية الأخرى.

خروج الساكنة للاحتجاج والدفاع عن حقها في زراعة الكيف يؤشر على مرحلة جديدة في وعي المزارعين بالريف، بعدما كان يعيش هذا الأخير تحت هاجس التهديد والخوف الدائم من المقدم إلى أعلى سلطة،  وعرضة لكل أنواع الابتزاز والخضوع. فالسلطة عرفت كيف تستثمر هذا الخوف، وبالتالي تحسيس وإشعار الفلاحين على أنهم مطلوبين دائما مع وقف التنفيذ.

أحد أعيان ومسؤولي المنطقة الذي رحل مؤخرا كان يرد على مطالب الساكنة الضرورية من قبيل المدارس والمستشفيات والطرق…،بأن يختاروا بين زراعة الكيف أو هذه  المطالب،  موهما إياهم بحمايتهم والتستر عليهم بفعل هذه الزراعة المحظورة.

تحرر مزارعي الكيف من الخوف المزمن والذي استمر لعقود بفعل رياح التغيير وشيوع ثقافة الاحتجاج، يؤشر لمرحلة جديدة لا يقبل بمنطق التعاطي القديم للسلطة ورموزها.

طبعا الأحداث الأخيرة ببلدة بني جميل لا تخلو من توظيف سياسي وحزبي ضيق بين اللاعبين السياسيين لكسب قواعد انتخابية جديدة، بحيث حاول كل طرف توظيفها لصالحه.

بينما كان الأجدر فتح نقاش عمومي حول ظاهرة زراعة الكيف بالمغرب،  وتحرير الموضوع  للتداول فيه بشكل علني، مع إشراك كل الفاعلين والمهتمين لإنضاج مقاربات التدخل من أجل إعادة هيكلة هذه الزراعة وضبطها بعيدا عن المنطق الجزري الذي قد لا يجدي في الحد من انتشارها، وتدبيج تقارير موجهة للخارج  تبرز فيها الحد من زراعة الكيف.

فالمزارع لنبتة الكيف يبقى الحلقة الأضعف في هذا النشاط لكنه الأكثر عرضة للملاحقة، فهذا الأخير بالكاد يوفر شروط  العيش في أدنى مستوياته. المستفيدون الحقيقيون  يبقون بعيدين عن الأضواء والشبهة وهم الأكثر جنيا للأرباح.

المسئولون محليا ووطنيا أدلوا بخطابات فضفاضة أثناء هذه الأحداث لكنها في مجملها لا تحمل أي جديد، البقالي مثلا رئيس الفريق الاستقلالي بالبرلمان أورد سؤالا بالبرلمان على وزير العدل يطالبه بإيجاد حل قانوني لحوالي ثلاثين ألف مزارع فار من العدالة على خلفية زراعة الكيف، من دون التفكير في معالجة الإشكالية في شموليتها، خاصة وأن صاحب السؤال طرف أساسي في الحكومة، لكن يبدو أن هذه الأخيرة مفتقدة لأي رؤية إستراتيجية لمعالجة هذا الملف الشائك، والذي يحتاج جرعة من الجرأة والخيال للاقتراب منه وتناوله في شموليته، أو ربما هو ملف يتجاوزها على غرار ملفات سيادية أخرى، تدار في غرف مغلقة، وبالتالي  يستمر اعتماد المنطق المتوارث مع هذه النبتة إلى حين أجل غير مسمى.

مؤخرا خرج علينا أحد الفاعلين الحقوقيين يدعي أنه اشتغل على مشروع متكامل لتقنين زراعة هذه النبتة، وتوظيفها بالشكل القانوني في صناعات الأدوية وغيرها من الحاجيات، كما أطلع على تجارب دول مختلفة في التعاطي مع إنتاج وزراعة المخدرات. لكن لحدود الآن تبقى تجارب الجمعيات التنموية بالمنطقة تستثمر الموضوع  فقط للحصول على تمويلات داخلية وخارجية من دون تحفيز المزارعين على الانخراط في تلك البدائل المطروحة التي لا تلبي تطلعات المزارعين، وبالتالي تبقى الاستفادة مقتصرة على أصحاب هذه المشاريع.

  خطر آخر لا يتم الانتباه له، ويتم تغييبه أثناء  الحديث عن زراعة الكيف وتداعيتها السلبية، وهو الخطر الإيكولوجي الذي أصبح يهدد هذه المناطق بفعل استنزاف الفرشاة المائية العميقة مما سيقضي على المخزون المائي خلال فترة وجيزة، ويتلف الأراضي التي قد تصلح لزراعات بديلة وذالك باستعمال الأسمدة بشكل عشوائي، واجتثاث الغابات بشكل مهول و بتواطؤ مكشوفة مع مصالح المياه والغابات، هذا دون الخوض في التداعيات الاجتماعية السلبية.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.