تقرير: الحي الصفيحي “مرج بوطيب” بأصيلة قصة فساد واستغلال للنفوذ واحتقان اجتماعي

تعيس مدينة أصيلة منذ أول أمس على وقع احتقان شعبي كبير، فمنذ صباح امس الباكر وساكنة حي “مرج بوطيب” يعيشون تحت وقع التهديد باستعمال القوة من أجل هدم بعض براريك الحي الصفيحي مرج بوطيب المسكيك.

كما أن السلطات اقدمت ليل أمس على تنفيذ مداهمات ليلية للمنازل لاعتقال المبحوث عنهم، حيث تم اعتقال 3 أشخاص، ويوجد ازيد من 10 اخرين في عداد المبحوث عنهم، تعمل السلطات على البحث عنهم لاعتقالهم، حسب ما افادنا به مصدر حقوقي يتابع ملف احداث حي “مرج بوطيب”. وكان التدخل الامني امس الثلاثاء لمجاولة تنفيذ امر هدم احد المنازل قد خلف اصابات متفاوتة في صفوف الساكنة الذي منعت استمرار عملية الهدم بصمود ومقاومة كبيرة اضطرت معه العناصر الامنية التراجع مؤقتا،  وما تزال احدى نساء الحي تحت العناية المركزة في مستشفى محمد الخامس بعد تعرضها لاصابات خطيرة خلال هذا التدخل.

تعود قصة هذا الحي الصفيحي الذي يُعتبر أقدم حي صفيحي في المغرب، حيث بدأ في التشكل منذ بداية القرن العشرين (1910-1912) على بقعة أرضية معروفة لدى الساكنة باسم “الحسنية”، وأقيم الحي الصفيحي بالضبط على بقعة “غرسة اسماعيل” التي هي جزء من اراضي “الحسنية”.

خلال السنوات القليلة الماضية بدأ بعض المنعشين العقارين في الاستحواذ على قطع من اراضي “الحسينة” لاقامة مشاريع عقارية عليها، كما أن شركة “ليراك” ( العمران حاليا) كانت قد استفادت من قطعة أرضية لبناء تجزئة سكنية لايواء ساكنة الحي الصفيحي “مرج بوطيب” وافراغ البقعة التي أقاموا عليها منازلهم القصديرية.

بعد ذلك رفضت الساكنة تسلم البقع التي جهزتها شركة العمران، فتدخل مؤسسة منتدى اصيلة التي يرأسها وزير الخارجية السابق محمد بنعيسى وابرمت اتفاقا مع وزارة السكنى وولاية طنجة والمجلس الجماعي لأصيلة وشركة العمران لترحيل ساكنة الحي الصفيحي، ويسهر المنتدى على انجاز الشقق بدعم من دولة قطر والبحرين لاستقبال المرحلين من حي “مرج بوطيب”.

ونص هذا الاتفاق (الذي تتوفر انوال بريس على نسخة منه) على على ما اسماه “التدخل من أجل اسكان وليس ايواء” حوالي 692 اسرة بمساهمة الدولة ماليا ب 40 الف درهم لكل اسرة، شريطة ان لا يتجاوز العدد 692 مستفيد، وتم فتح اللائحة لاضافة اعداد اخرى من المستفيدين شريطة ان تنطبق عليهم مجموعة من المعايير، منها اثبات المستفيد المضاف الى اللائحة المعدة سلفا اقامته بالحي، وعدم استفادته سابقا من برامج الدولة لمحاربة السكن العشوائي، وان لا يكون المستفيد يملك سكنا او عقارا، كما أن هؤلاء لن يستفيدوا من دعم الدولة المقدر ب 40 الف درهم، وتعهد منتدى اصيلة حسب الاتفاق بالتدخل لتقديم الدعم اللازم لهذه الاسر دون اللجوء الى دعم اضافي من الدولة.

الذي حدث من بعد هو أن الساكنة ستتفاجأ ان المنتدى يطالبهم بأموال من أجل تسليم شققهم وحدد اثمنة الشقق بين 12 و18 مليون سنتيم، وهو ما جعل الساكنة ترفض ذلك وتعتبره سمسرة ومتاجرة بحقوقهم واستغلال مآسيهم، هم كانوا ينتظرون أن تسلم لهم الشقق من أجل الرحيل عن بقعة ارضية محل النزاع والتي تسكنها بعض الاسر منذ ازيد من قرن من الزمن.

وبسبب هذه الرفض نشأ صراع بين ساكنة الحي ورئيس المجلس الجماعي ومنتدى اصيلا محمد بنعيسى، وخلال انتخابات 7 اكتوبر دعمت ساكنة هذا الحي جهة سياسية غير تلك التي يدعمها بنعيسى، وهو ما جعله يطالب السلطات العمومية بالتدخل لتنفيذ امر الترحيل وهدم الحي الصفيحي.

وفي هذا الصدد افادنا الحقوقي والمحامي الاستاذ مصطفى بقال وهو عضو ضمن لجنة المؤازرة للساكنة أن المشكل يتحمله المجلس الجماعي الذي يترأسه بنعيسى مند ثلاث عقود، وأضاف بقال أن هذا المشكل قنبلة قابلة للانفجار في أية لحظة بسبب تزايد عدد ساكنة هذا الحي الذي تضاعف في الثلاث سنوات الاخيرة، وبسبب الحلول الترقيعية المتخدة من طرف الدولة والجهات المعنية التي منحت لمؤسسسة اصيلة التي هي جمعية ثقافية لا تملك الامكانيات والتجربة والدراية من اجل حل هذا المشكل.

وتساءل الاستاذ مصطفى بقال ” كيف يعقل لهذا المنتدى ان يتسلم قطعة ارضية مجانا من الدولة من أجل اقامة مشروع اعادة ساكنة حي “مرج بوطيب”، كما ان المنتدى تسلم منحة من دولتي البحرين وقطر لاقامة هذا المشروع، وفي الاخير يطالب الساكنة بتأدية 14 مليون سنتيم لتسلم شققهم؟”، واضاف ذ بقال ان “وراء ذلك هو عدم السير على نهج التجارب التي عرفتها مجموعة من المدن من اجل القضاء دور الصفيح وان اشراك الجمعيات المدنية في ذلك لم يأت بالنتيجة المرجوة وتفاقم المشكل نرده للمضاربة العقارية واستغلال الساكنة كقاعدة انتخابية وان الامر يتعلق بالمتاجرة في البؤس”.

ومن جهة أخرى كشف مصطفى بقال أن مدينة أصيلة تعرف فوضى عارمة في مجال السكن العشوائي، اذ تستقبل محكمة أصيلة ما يناهز 1000 ملف متعلق بالسكن العشوائي سنويا، وتصدر فيها احكام قضائية بالهدم او ايقاف البناء، إلا أن هذه الاحكام لا تُنفذ، كما أن ثلاثة احياء صفيحية اخرى في المدينة صدر فيها قرار الهدم إلا انه لم ينفذ، لذلك -يضيف بقال- نتسائل لماذا يتم التنفيذ في حق ساكنة هذا الحي فقط دون الاحياء العشوائية الاخرى؟ ويضيف مصطفى “كحقوقيين لدينا تفسير واحد لهذا الهجوم على الساكنة مباشرة بعد استحقاق 7 اكتوبر، وافادت الساكنة من عين المكان انها ينتقم منها لانها لم تصوت لاحدى الاطراف السياسية التي تسير بلدية اصيلة”، كما أشار بقال إلى أن الساكنة بدورها لديها هذا التفسير الوحيد، اذ في لقاء معهم  أسر اغلب الساكنة أن هذا الهجوم مرده إلى الرغبة في الانتقام من الساكنة لعدم تصويتها على مرشح بنعيسى، وبل إن الساكنة اختارت التصويت العقابي ضد بنعيسى والجهة السياسية التي تدعمه.

ومن جهة اخرى قال مصطفى في معرض تتبعهم للملف المذكور انه يتعين تطبيق ويجب اشراك النيابة العامة باعتبارها الساهر الاول على تطبيق القانون وعدم اطلاق العنان للسلطة المحلية الممثلة في شخص باشا المدينة للهجوم على الساكنة ومداهمة البيوت ليلا من أجل اعتقال المحتجين، كما أضاف بقال “الغريب ان المعتقلين الذين ما زالو رهن الاعتقال لم تحدد التهم الموجه اليهم، فكيف يتم الاحتفاظ بهم رهن الاعتقال دون توجيه اية تهمة لهم؟”، وحسب المعطيات المتوفرة هناك ثلاثة معتقلين تحت الحراسة النظرية تُجهل التهم التي ستوجه لهم.

وختم مصطفى بقال تصريحه لأنوال بريس قائلا :”أن الاحتقان الاجتماعي بلغ ذروته في هذا الحي الصفيحي الذي يعيش اقصى درجات التهميش، اذ هو يتواجد بعيدا عن مركز المدينة، لا مدارس ولا مستوصف بالقرب منه، مما يحرم العديد من ابنائه من متابعة الدراسة، كما أن ادنى شروط العيش غير متوفرة، اذ لا ماء ولا كهرباء ولا شبكة لواد الحار، يحدث هذا في مدينة يرفع رئيس مجلسها البلدي شعار الثقافة في خدمة التنمية، ويعمل كل سنة على استضافة مهرجانات ثقافية وفنية كبيرة، بينما الساكنة تعيش ظروف القرون الوسطى ونحن في القرن الواحد والعشرين”. كما سجل بقال تضامنه مع الساكنة وتضامن هيئة الدفاع، وتعهد بالدفاع عن الساكنة بكل قوة وبكل الوسائل المتاحة.

ومن جهته اصدر فرع الجمعية المغربية لحقوق الانسان بالمدينة بيان استنكار وتضامن مع ساكنة الحي، كما حمل”المسؤولية الكاملة لما وقع للدولة عامة، وللسلطات المحلية خاصة.” واعتبر “إصدار أوامر بالهدم وتنفيذها بالعنف، لن يزيد إلا في التشريد، والضياع والحرمان من السكن اللائق المنصوص عليه في المواثيق الدولية ذات الصلة.”وطالب بفتح تحقيق “حول ما راج من حرمان الضحايا من حقهم في تلقي الخدمات العلاجية اللازمة والمستعجلة بالمستشفى المحلي ما يعمق من انتهاك حقهم في السلامة البدنية، ويعرض حياتهم للخطر”.

وطالب بيان الفرع الدولة ب “احترام التزاماتها الدولية المتعلقة بضمان السكن اللائق لكافة مواطنيها، وبحماية حقوق الانسان في بعديها الكوني والشمولي، كما التزمت بها عند توقيعها ومصادقتها على المواثيق الدولية ذات الصلة، وكما هو متضمن في الدستور.”

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.