“تعياشت” ليست وجهة نظر..

ثمة ملاحظة مهمة سجلها عزمي بشارة؛ بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع الرجل، فإن ملاحظته مهمة ونبيهة، الملاحظة يقول فيها: أن المشكلة في بلدان المنطقة ليس في كونها ليس هناك مثقفين عضويين أو مثقفين منحازين للجماهير، بل ليس هناك مثقفين تقليدين يدافعون عن طروحات الأنظمة القائمة، بل ثمة فقط مادحين وشبيحة، لا يستطيعوا أن ينتجوا ولو فكرة واحدة يمكن مناقشتها، وهو أمر خطير بالنسبة إليه، وساق أمثلة لمثقفين تقليدين كبار في أوربا كانوا يدافعون عن الملكيات والانظمة القائمة بأفكار محترمة وطروحات فلسفية، وذكر منهم ادمون بيرك المفكر السياسي الايرلندي الذي وقف ضد الثورة الفرنسية وحذّر من تبعاتها، وقدم في ذلك طروحات ما زالت لحد الآن تدرس وتناقش..

وما سجله عزمي بشارة في هذا الموضوع لا يخص المثقفين فقط، بل يخص كل اصحاب الرأي من صحافيين وكتاب رأي وفنانين و…

إذا تأملنا هذه الملاحظة وربطناها بالوضع في المغرب سنجد فعلا أن ليست هناك أفكار أو طروحات تدافع عن النظام القائم بأفكار يمكن مناقشتها، بل ثمة سيل من خطابات المدح لما هو قائم وشيطنة كل فكرة تدعو إلى التغيير، ونحن ما أحوجنا إلى أفكار تدافع عن استمرار النظام المغربي بهذا الشكل الذي ينتج التحكم وتركيز السلطات كل السلطات في يد المؤسسة الملكية، لكن للأسف ليس ثمة أفكار، بل ثمة عويل وندب وسبّ وتهجم و..
والحق أن رحيل ملك السعودية، وكيف انعكس ذلك في مقالات الرأي لدى قسم كبير من كتاب “صاحب الجلالة” يؤكد بالملموس مدى البؤس الذي انحدر إليه هؤلاء.

هناك من كتب عن ملك السعودية وكأنه يتحدث عن مانديلا أو غاندي، هؤلاء أنفسهم كتبوا أو نشروا أخبارا قبل أيام عن رئيف بدوي، وعن المرأة التي تم تصوير تنفيذ الاعدام في حقها…
قبل اربع سنوات، إبان انطلاق الحراك الشعبي، انبرى هؤلاء الكتبة في تدبيج مقالات تسب شباب الحراك، وتخونهم وتتهمهم بالعمالة للخارج، لم أجد ولا أحدا منه كتب ولو فكرة تدافع عن استمرار الوضع القائم، ويدافع عن ذلك بحجج وأمثلة يمكن أن تجعلك تحترم فكرته، لا شيء من هذا، فقط كان هناك سبّ وشتم وتخوين ومحاولة شيطنة والرقص على الحبال..
وذاك شأن “العياشي” الذي لا يتقن إلا قول “عاش الملك”، يقولها بعبارات مختلفة، وكلمات منمقة، لكنه عاجز عن أن ينتج ولو فكرة من غير ترديده ل”عاش الملك” بألحان مختلفة..
لذلك أشفق على أولئك الذين يطالبونك باحترام أرائهم واختلافهم معك، وهم في الحقيقة لا ينتجون رأيا ولا فكرة ولا أي شيء، فقط يسبحون بالكلام في البحيرة المقدسة “عاش الملك” لذلك سموا “عياشة” لأنهم لا يتنفسون خارج هذه البحيرة..

طيب، قدموا افكارا وأراءً تدافع عن استمرار الوضع القائم، انذاك يمكن أن نناقش وان نختلف وأن نعبر عن أرائنا، أما أين يكون زادك كله يتمركز في “عاش الملك” فمعذرة هذا ليس رأيا ولا وجهة نظر..
وعبثا يحاول البعض الايحاء أن هؤلاء يدافعون عن الوضع القائم وهذا من حقهم وانتم تنتقدون هذا الوضع من حقكم أيضا، وهي معادلة مغلوطة بالنسبة إليّ، أنا أطالب بشيء واحد؛ انتج فكرة، رأيا.. يدافع عن أي شيء سأكون مستعدا لأناقشه، أما أن تظل حبيس جملة “كليشيهية” تعجنها في كل مرة على مقاس قالب معين، فهذا لا يستقيم..
الشهيد ناجي العلي قال ذات رسم كاريكاتوري أن “الخيانة ليست وجهة نظر”، لأنه من غير المنطقي أن تطلب مني أن أناقش الخيانة وأدخل معها في نقاش بوصفها وجهة نظر يجب احترامها؟؟ كذلك بالنسبة إلي فإن “تعايشت” ليست وجهة نظر حتى يمكن لنا الدخول مع اصحابها في نقاش وجدال..
اعطيني رأيا مهما اختلفت معه سأحترمه، لكن لا تطلب مني أن أعدّ رأيا ووجهة نظر كل ضرطة أو تجشؤ أو “براحة”..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.