تعليق على الحدث … الحياء العام أم مقبرة الحريات؟

إن قوة الإيمان لم تكن يوما رهينة بسلوك الأخرين أو بلباس الأخرين ، إنما قوة الإيمان مرهونة بدرجة الإيمان العلمي والتحليل العلمي لموضوعات الواقع الإجتماعي و بالتالي فدرجة الإيمان تستمد قوتها من العلم لا التقاليد و الأعراف ، وإن الإيمان العلمي لعلى درجة عليا من الإيمان العجائزي ..سواء كان الإيمان الذي نتحدث عنه إيمانا بالغيبيات-ماوراء الطبيعة- أو بالملموسات أو إيمانا بقضية من القضايا الأممية . وبالتالي فعندما نتحدث عن عدم فهم القضايا والموضوعات فهذا راجع بالأساس إلى الإيمان الناقص أو العجائزي و تبعبير أخر فهو راجع إلى عدم الإقتناع العلمي بما يتبناه الفرد كذات في المجتمع . ورجوعا إلى الحدثين الهامين الذين شغلا بال الرأي الوطني -إعتقال فتاتي التنورات بأكادير ، و الضرب الذي كاد أن يؤدي إلى التصفية الجسدية في حق شاب مثلي بشارع من شوارع العاصمة العلمية فاس – فإن أغلب التعاليق سواء من تصريحات قادة إسلامويين أو دعاة الدين و تعاليق المتأسلمين عبر صفحات مواقع التواصل الإجتماعي ، يمكن القول أن الكل كقطيع ينساق في لاوعي تام وراء لاوعي عدمي التفكير و جماعات التكفير دون تحليل الأحداث وربطها بسياقها الزمكاني ودون أدنى وقفة تأمل . إن الحدثين بما يحملان في طياتهما من خاصات موضوعية يحتاجان إلى أكثر من وقفة تأمل ، فبأي حق ستعتقل فتاتان لأنهن لبستا تنورات قصيرة ؟ وبأي حق تصفقون لهذا الإعتقال الذي هو إنتهاك للحريات تحت ذريعة الحياء العام و الأداب الحميدة التي هي مقبرة الحقوق و الحريات ببلادنا .. وبأي حق سيتعرض شاب وسط الشارع العام بالضرب و الرفس على حفنة من المواطنين لالشيء إلا لأنه مثلي ؟ نعرف جيدا كيف أن جل هؤلاء الذين يطبلون لإعتقال الفتاتين يصفقون لبنات الوزراء و هن لابسات ” الدوبياس” وهي أكثر إثارة من التنورات ، ونعرف جيدا كيف هؤلاء أو جلهم يقولون ما لا يفعلون و يفعلون ما لا يقولون ، فكم من حالة طلاق بطلها ملتحي يطلب من زوجته ممارسات جنسية شاذة و كم من حالة خيانة زوجية بطلها ملتحي و منقبة .. إن المسألة ليست مسألة دين ، أو مواقف ، إن المسألة مسألة تناقضات ذاتية لدى الفرد الذي ينساق وراء اللاوعي دونما توقف أو وقف لهذا الإنسياق .. وتلك التناقضات نتاج المجتمع نفسه سواء التناقضات الذاتية لدى الفرد كذات أو التناقضات المجتمعية فيما بين الأفراد كجزء من تناقضات المجتمع الذي هو الكل . كما قلت فالمسألة هي مسألة تناقضات مجتمع ، تناقضات شعب مقهور محروم من أبسط شروط العيش ، تناقضات شعب مازالت أحلامه محصورة في مسائل بسيطة طبيعية التي هي حقوقه التقليدية . ونحن نعرف كيف أن الطبقة المسيطرة بفكرها البورجوازي تسعى دائما إلى تجريد كل شيء من قيمته ، -فحتى الدين الذي تتحكم فيه الطبقة المسيطرة الذي ليس هو دين الشعب – أي أن الدين لدى الطبقة المسيطرة مجرد من قيمته ، وبالتالي تسعى هذه الزمرة من المتاجرين بهمومنا إلى إلهاء الشعب في أحداث بعيدة كل البعد عن معاناتنا اليومية وكل هذا لحماية مصالحهم و إستمرار كيانهم الذي هو الدولة بمفهومها البورجزاي . وإن لم نستطيع ضبط أنفسنا و التفكير قبل أي خطوة في ألف حساب أكيد أن التناقضات ستزداد تعقيدا و تعقدا ، إلا أني لست خائفا من تعقد هذه التناقضات فهي تتعقد وهذا ما يضمن لها حركية التصادم التي تضمن بدورها عملية التطور التقدمي، وقد تختلف عملية التطور وقد تكون قريبا أم أجلا إلا أنها تبقى حتمية تاريخية . وهكذا فإن هذه التناقضات تصنع لنفسها قبرا بحجمها ، ليولد الجديد المتقدم و الأرقى من أحشائها .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.