تشغيل الشباب في المغرب..بين جشع الباطرونا وطغيان الشركات العائلية وضعف مراقبة الدولة

كثيرا ما يتم الحديث عن إصلاح المنظومة التعليمية في المغرب حيث أصبحت مشكلا يؤرق الجميع نظرا لما وصل إليه التعليم في المغرب، لكن نادرا ما يتم التركيز على آفة البطالة التي تؤرق مضجع المتخرجين من الجامعة أو من معاهد عليا أو من معاهد التكوين المهني العام والخاص ودعونا نطرح السؤال التالي ” لو تم إصلاح التعليم وأصبح جل الشباب يكملون تكوينهم وتعليمهم بنجاح…أين سيعمل هؤلاء وهل بإمكان سوق الشغل المشبعة أصلا أن تستوعبهم علما أن معظم الشباب يجد صعوبة في الحصول على تدريب محترم فكيف بعمل قار يحفظ كرامته ؟ وهل الإقتصاد المغربي قادر على امتصاص هذا الكم الهائل من المتخرجين؟ ألم تكن أزمة التعليم حلا لمشكلة البطالة التي يعاني منها الشباب الحامل للشهادات ؟

أسباب تفشي البطالة في صفوف الشباب الحامل للشهادات.

تتعدد وتتشعب أسباب تفشي بطالة الشباب الحامل للشهادات، فمن جهة، نلاحظ جشع الباطرونا التي تشغل بالتقطير لتربح أكثر رغم أنها تستفيد من امتيازات ضريبية مهمة ومازالت تطالب بالمزيد بينما تشغل بتقشف كبير، فمثلا قد تجد شركة تفوز بصفقات عمومية تقدر بالملايير بينما تشغل عددا محدودا من الشباب حاملي الشهادات من التقنيين والمهندسين لتربح أكثر. تجدر الإشارة بأن المستفيد الأكبر من البطالة المتفشية هي المقاولة نفسها، لأن العرض كبير وهذا يجعلها تتفاوض بشروطها مع الشاب الباحث عن العمل وعندما يطلب الزيادة في الأجر أو تحسين شروط عقد العمل يرمى به خارجا ليتم استقدام ضحية جديدة مستغلة حاجة هؤلاء لعمل قار وكريم.

ومن الأسباب الأخرى نجد تفشي المقاولات العائلية والتي لا تشغل إلا المقربين والأصحاب بعيدا عن الكفاءة والنزاهة ولا تخضع إلا لمنطق التدخلات في إطار ” باك صاحبي “. وهذا ما نعاينه عندما يمر الشاب محملا بشهادته وطلباته على عشرات الشركات ليطلب عملا أو تدريبا مهنيا دون أن يتم الرد على طلبه حتى ولو كان بالرفض بينما يكفي أحدهم رنة هاتف لتفتح له أبواب الشركة على مصراعيها ويعامل مدللا معززا مكرما ويحدث أن يتم طرد أحد العمال طردا تعسفيا ليترك مكانه لابن العائلة مقرب أو لابن صديق حديث التخرج في إطار ” خيرنا ما يديه غيرنا “. وهذا السبب طبعا عقم بنيوي في الإقتصاد المغربي.

السبب الثالث يتعلق بتوظيف الدولة والمناصب التي تفتح التباري عليها والتي تبقى قليلة جدا مقارنة بالأفواج التي تتراكم سنويا، فمثلا في سنة 2013 ، فتحوا مباريات لتوظيف 8000 أستاذ وأستاذة في وزارة التعليم ،تقدم 140 ألف شاب وشابة للمباراة وعندما أعلنوا النتائج، تفاجأ الجميع بأن عدد المناصب أصبح 7000 فقط عوض 8000 ،يعني خمسة بالمائة، أي في كل 100 معطل، سيعمل 5 فقط ويظل 95 منهم في بطالته حتى إشعار آخر، ثم ينضاف فوج آخر إلى قائمة المتبارين وهكذا ذواليك رغم أننا نسمع بأن هناك اكتظاظ في المدارس وخصاص في المدرسين ولا نخصص أساتذة لدعم التلاميد والطلبة ذوي المستوى الضعيف في إطار ” دروس خصوصية داخل المدرسة ” إذا أردنا فعلا إصلاح واقع التعليم في بلادنا.

دائما في إطار مسؤولية الدولة، السبب الرابع هو عدد الموظفين الأشباح الذين يتقاضون أجرا دون حضور، وهذا ما يضيع فرصا كبيرة لتشغيل الشباب المعطل.

الحلول والمقترحات

تخيلوا معي لو أن الدولة ستدفع غرامة مالية كأجر للمعطلين لأنها عجزت أن توفر لهم عملا قارا كما تقوم به فرنسا مثلا. حينها ستضطر الدولة لفرض الضرائب على الأغنياء ومراقبة عمل الشركات التي تفوز بطلبات العروض في الصفقات العمومية فتفرض عليهم كوطا في إطار ” كول وكل معاك الناس ” عبر تشغيل أكبر عدد من العمال وستفعل دور مفتش الشغل وتحميه من الإبتزاز ليقوم بواجبه بأكمل وجه ويرصد جميع المخالفات ويطبق القانون دون تمييز.

ستضطر الدولة لتقليص أجور الموظفين الكبار وميزانية القصور ومراقبة الصناديق السوداء التي تمول الپريمات الخيالية التي يتقاضاها الموظفون الكبار رغم أن الإدارة المغربية غير منتجة وكل ما يقوم به هؤلاء مجرد عمل روتيني محض يتقاضون مقابله أجوارا سمينة.

ستضطر الدولة لتفرض على المدارس الخصوصية أن تشغل المعطلين من المجازين عوض الذين يشتغلون في المدارس العمومية وبعقود دائمة مادامت تستفيد من إعفاء ات ضريبية مهمة.

ستحارب الدولة ظاهرة الموظفين الأشباح وتشدد الخناق على الريع النقابي والحزبي وستقلص ميزانية الجيش فالمغاربة لا يأكلون سلاحا والمخاطر الأمنية ليست بالكبيرة مادامت الدولة نفسها تروج بأننا في بلد الأمن والإستقرار.

ستصبح الدولة كالأب، إذا لم يجد لابنه عملا، سيضطر ليتكفل به فيصرف على مأكله وملبسه…

وبما أن الدولة لا تأخذ مأخذ الجد معاناة هؤلاء المعطلين وعائلاتهم بعد أن قضوا أعوما من الكد والجد والمثابرة من أجل عمل كريم يحفظ كرامتهم ويعوضهم عن السنوات العجاف، فإنها لن تفكر في هذه الحلول العدمية رغم أنها واقعية، لكن تلزمها الشجاعة والإرادة السياسية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.