تزويج القاصرات مخالفة صريحة لروح و منطوق التشريع المغربي

للقاضي حسب المادة 20 من مدونة الأسرة أن يأذن بزواج الفتى و الفتاة دون سن الأهلية بمقرر معلل يبين فيه المصلحة و الأسباب مع الاستعانة بخبرة طبية أو بحث اجتماعي.

وقد جاءت هذه المادة لتقر استثناءا على المادة 19 التي نصت على اتكمال أهلية الزواج بإتمام ثمان عشرة سنة شمسية .

ومن المعلوم أن مدونة الأسرة التي تم إقرارها سنة 2004 حلت محل قانون الأحوال الشخصية و الذي كان ينص في فصله الثامن على أن أهلية النكاح في الفتى بتمام الثامنة عشرة و في الفتاة بتمام الخامسة عشرة من العمر.

لكن وفي غفلة من الجميع وبفعل فاعل تحولت المادة 20 من استثناء إلى قاعدة يقاس عليها ليرتفع عدد الزيجات تطبيقا لها إلى عشرات الآلاف سنويا .

وبغض النظر عن الفاعل هل هو الفقر ,أم القاضي أم البحث الاجتماعي أم الطبيب,فإننا أصبحنا اليوم أمام معضلة اجتماعية بمضاعفات خطيرة تؤسس للتراجع عوض التقدم ’وتؤطر للتخلف بدل التنمية ,وتشكل عدوانا صارخا على حقوق ومصالح الأطفال ذكورا وإناثا .

ويتوجب بداية التأكيد على ما يلي :

– المرحلة العمرية إلى حدود 18 سنة هي مرحلة نمو وبناء للشخصية .

– تحديد سن الزواج من اختصاص القانون الوضعي

– زواج القاصرات واقعيا لا يمس سوى الطفلات من أوساط فقيرة وهشة

وإن تزويج القاصرات كتدبير استثنائي غير مقنن بقواعد حمائية واضحة على عكس كل قواعد المنظومة القانونية المغربية والتي أقرت ضمانات مهمة لكافة الحالات الاستثنائية الواردة على أوضاع القاصرين   مما يدفع للاعتقاد أن المادة 20 نشاز و حشو غير مبرر إلا ما كان من توافقات سياسية ومذهبية لحظية بعيدة كل البعد عن المصالح الحيوية للطفولة.

وفيما يلي استعراض موجز لأهم قواعد التشريع المغربي وعلى رأسها مواد من مدونة الأسرة التي تناقض جوهريا وضعية الطفلة كزوجة و كأم.

مدونة الأسرة :

تنص المادة الرابعة من مدونة الأسرة على أن الزواج ميثاق تراض وترابط شرعي بين رجل وامرأة على وجه الدوام . غايته الإحصان’والعفاف وإنشاء أسرة مستقرة برعاية الزوجين .

ينتج الزواج حسب المادة 51 أثارا من حقوق وواجبات من بينها: تحمل الزوجة مع الزوج مسؤولية تسيير ورعاية شؤون البيت و ألأطفال

وعلى الأبوين حسب المادة 54 حماية حياة الأطفال وصحتهم منذ الحمل إلى بلوغ سن الرشد و الإرضاع, واتخاذ كل التدابير الممكنة لنموهم الطبيعي بالحفاظ على سلامتهم الجسدية والنفسية والعناية بصحتهم وقاية وعلاجا , وتعليمهم وتكوينهم …

فهل بإمكان قاصر دون 18 سنة القيام بكل هذه الواجبات والمهام ؟

هل بإمكان طفلة رعاية شؤون البيت و الأطفال ؟ وكيف لها أن تسهر على تعليمهم وتكوينهم؟.

وكيف يمكن لقاصر أن تخضع بنجاح لمسار الزواج العسير وحالات الضرر التي يمكن أن تعترضها من عدم الإنفاق والغيبة والعيب والإيلاء والهجر, وكيف لها أن تمارس حقوقها في الطلاق بالاتفاق أو بالخلع ,وكيف لها أن تمارس الحضانة وهي لا تزال في سن المحضون ؟.

أسئلة استنكارية في مواجهة استثناء يناقض ذاته ,ويناقض كل قواعد ونصوص المدونة .

المادة 209 تؤكد أن سن الرشد القانوني هو 18 سنة كاملة ,وكل شخص بلغ سن الرشد حسب المادة 210 ولم يثبت سبب من أسباب نقصان أهليته أو انعدامها يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه وتحمل التزاماته .

ولا غرابة أن تقيد المدونة بصرامة تصرفات القاصر بإخضاعه لأحكام الولاية والوصاية و التقديم ومن ذلك تنصيص المادة 238 على أنه يشترط لولاية الأم على أولادها أن تكون راشدة .

هذا بعض مما جاءت به المدونة فماذا عن باقي نصوص المنظومة القانونية المغربية .

القانون المدني

ينص الفصل 3 من قانون الالتزامات و العقود على أن الأهلية المدنية للفرد تخضع لقانون أحواله الشخصية ,أي 18 سنة كاملة ,وبنقصانها تخضع تصرفات القاصر لعدة أحكام وضوابط

الفصل 4: إدا تعاقد القاصر وناقص الأهلية بغير إذن الأب أو الوصي أو المقدم فإنهما لا يلزمان بالتعهدات التي يبرمانها و لهما أن يطلبا إبطالها.

الفصل 5: يجوز للقاصر ولناقص الأهلية أن يجلبا لنفسهما نفعا ولو بغير مساعدة الأب أو الوصي أو المقدم,بمعنى أنه يجوز لهما أن يقبلا الهبة أو أي تبرع أخر من شأنه أن يثريهما أو أن يبرئهما من التزام دون أن يحملهما أي تكليف .

مدونة الشغل .

تؤكد مدونة الشغل على إمكانية تشغيل الأطفال بعد بلوغهم سن خمس عشرة سنة كاملة , لكنها بالمقابل أقرت لفائدتهم عدة ضمانات من بينها :

– المادة 144 تؤكد على عرض الأحداث اللذين تقل سنهم عن 18 سنة على طبيب بمستشفى تابع للوزارة المكلفة بالصحة العمومية قصد التحقق من أن الشغل الذي يعهد به إليهم , لا يفوق طاقتهم.

ويحق لمفتش الشغل أن يأمر بإعفاء الأحداث من الشغل دون إخطار ’ إدا أبدى الطبيب رأيا مطابقا لرأيه و أجري عليهم فحص مضاد بطلب من ذويهم .

– المادة 147 تمنع على أي شخص أن يكلف أحداثا بأداء   ألعاب خطرة , أو القيام بحركات بهلوانية أو إلتوائية أو أن يعهد إليهم بأشغال تشكل خطرا على حياتهم أو صحتهم أو أخلاقهم

قانون المسطرة الجنائية

– حسب المادة 458 من قانون المسطرة الجنائية فإن سن الرشد الجنائي يتحدد ببلوغ ثمان عشرة سنة كاملة ويعتبر الحدث إلى غاية سن أثنى عشر سنة غير مسؤول جنائيا لانعدام تمييزه .

– ويعتبر الحدث الذي تجاوز سن إثنى عشر ة سنة وإلى غاية بلوغه ثمان عشرة سنة مسؤولا مسؤولية ناقصة بسبب عدم اكتمال تمييزه.

– وتضمن قانون المسطرة الجنائية قواعد حمائية للحدث وعلى سبيل المثال نصت المادة 473 على أنه لا يمكن أن يودع في مؤسسة تدبير سجنية ولو بصفة مؤقتة الحدث الذي يتراوح عمره بين 12و18 سنة إلا إدا ظهر أن هذا التدبير ضروري أو استحال اتخاذ أي تدبير أخر ’وفي هذه الحالة يحتفظ بالحدث في جناح خاص أو عند عدم وجوده ’في مكان خاص معزول عن أماكن الرشداء ويبقى على انفراد أثناء الليل حسب الإمكان .

القانون الجنائي

– الفصل 1-   467   يعاقب بالحبس من سنتين إلى عشر سنوات وبغرامة من خمسة ألاف إلى مليوني درهم كل شخص يقوم ببيع أو شراء طفل تقل سنه عن ثماني عشرة سنة .

– يقصد ببيع الأطفال كل فعل أو تعامل يتم بمقتضاه نقل طفل من شخص أو مجموعة أشخاص إلى شخص آخر أو مجموعة أشخاص بمقابل كيفما كان نوعه .

– وتتعدد فصول القانون الجنائي التي تقدم حماية استثنائية للقاصر دون 18 سنة لتعاقب على اختطافه أو إهماله أو هتك عرضه أو إفساده.

– أما عن الاغتصاب حسب الفصل 486 فإنه إذا كانت سن المجني عليها تقل عن 18 سنة أو كانت عاجزة أو معاقة أو معروفة بضعف قواها العقلية أو حاملا ’فإن الجاني يعاقب بالسجن من عشرة إلى عشرون سنة .

– الفصل483 يعاقب على الإخلال العلني بالحياء متى كان الفعل قد ارتكب بمحضر قاصر دون 18 سنة .

نصوص خاصة

القانون رقم 94 . 03

– لا يجوز أن يؤخذ الدم على سبيل التبرع من أشخاص يزيد عمرهم على 65 سنة و يقل عن 18 سنة ما لم تصدر بدالك تعليمات طبية مخالفة و صريحة .

القانون رقم 71 . 99

– يمنع تشغيل أي حدث دون الثامنة عشرة ممثلا أو مشخصا في العروض العمومية دون إذن مكتوب يسلمه مسبقا مفتش الشغل ’ ودلك بعد موافقة ولي أمر الحدث وإشعار السلطة الحكومية المكلفة بالثقافة .

– بحق أيضا لمفتش الشغل أن يسحب بقرار معلل إما من تلقاء نفسه ’ و إما بطلب من كل شخص مؤهل لهذا الغرض الإذن الذي سبق أن سلمه في هذا الشأن .

حماية الطفولة حسب الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من طرف المغرب .

الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل

المادة 3 : في جميع الإجراءات التي تتعلق بالأطفال سواء قامت مؤسسات الرعاية الاجتماعية العامة أو الخاصة ,و المحاكم أو السلطات الإدارية أو الهيئات التشريعية ’ يولى الاعتبار الأول لمصالح الطفل الفضلى .

المادة 28 : تعترف الدول الأطراف بحق الطفل في التعليم … وتقوم بوجه خاص بما يلي :

– جعل التعليم الابتدائي إلزاميا ومتاحا للجميع.

– تشجيع تطوير شتى أشكال التعليم الثانوي سواء العام أو المهني ’ و توفيرها و إتاحتها لجميع الأطفال ,واتخاذ التدابير المناسبة مثل مجانية التعليم وتقديم المساعدة المالية عند الحاجة إليها.

– اتخاذ تدابير لتشجيع الحضور المنتظم في المدارس و التقليل من معدلات ترك الدراسة .

المادة 31 : تعترف الدول الأطراف بحق الطفل في الراحة ووقت الفراغ ’ومزاولة الألعاب و أنشطة الاستجمام المناسبة لسنه والمشاركة في الحياة الثقافية وفي الفنون.

وبعد كل هذا هل سيتدخل المشرع لإلغاء المادة 20 من مدونة الأسرة على اعتبار أن الاستثناء الذي تقره لا يقوم على أي أساس قانوني أو واقعي ؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.