ترشح “السيسي” لرئاسيات مصر والتخوف من عودة “الديمقراطية الموجهة”

مثل “عبد الفتاح السيسي ” دور منقذ الشعب المصري من الأزمة التي شهدتها مصر قبل” الثالث من يوليو” بين السلطة السياسية المنتخبة المتمثلة في “الرئيس محمد مرسي” ومعارضيه، بسبب توسع الخلافات بينهما، التي وصلت إلى حد الاحتقان؛ وذلك بلجوء الشعب إليه خصوصا بعد أن وقف الجيش إلى جانبه في “ثورة 25 يناير”. وهذا الإنقاذ تمثل في إقدام عبد “الفتاح السيسي” على خطوة استهدفت “الرئيس محمد مرسي” تعددت التفاسير عن طبيعتها بين “العزل” و”الانقلاب”، إلا أن هذه الخطوة كان لها نتائج سلبية على جزء ليس باليسير من الشعب المصري المؤيد ل”محمد مرسي” بترجيح القسم الآخر المعارض له. وهذا الوضع الذي حشرت به المؤسسة العسكرية نفسها فيه، لا يعتبر دورا لها في الفكر الديمقراطي، “فلا يمكن  للجيش أن يكون حكما أو قاضيا سياسيا”؛ بل ما كان دورها إلا أن يقتصر على إرغام الأطراف للجلوس حول طاولة الحوار على قدم المساواة دون الإضرار بأي طرف والتوافق للخروج من الأزمة لتجاوز مشكلاتها الآنية والمستقبلية. وهو الأمر الذي اعتبر توجيها من المؤسسة العسكرية للدولة وأركانها إلى ما تراه صوابا دون الأخذ بعين الاعتبار حق الطرف الآخر الممثل في “الرئيس محمد مرسي” ومؤيديه من الشعب المصري.

هذا الدور الذي لعبه “عبد الفتاح السيسي” والخطوة التي أقدم عليها جرت على مصر بأكملها موجة غضب عارمة من طرف قسم من الشعب المصري المؤيد “لمحمد مرسي”، الذين وصفوا خطوته “بالإنقلاب” على رئيس منتخب وعلى الشرعية، وقاموا بأشكال احتجاجية تنديدية عبر مسيرات واعتصامات أبرزها اعتصام “رابعة العدوية”. وبسبب توسع هذه الاحتجاجات وتضخمها، دعا “عبد الفتاح السيسي” الشعب المصري إلى تأييده في محاربته للإرهاب عبر مظاهرة كانت الأضخم من بدايات الثورة. فوجه بعدها “المؤسسات التنظيمية” للدولة إلى مواجهة المتظاهرين المؤيدين للرئيس “المعزول” أو “المنقلب” عليه بالقمع والتفكيك، كما قامت بفض اعتصام “رابعة العدوية” بالقوة، مبررا ذلك بوجود أشخاص مسلحين داخل تلك المظاهرات والاعتصامات تهدد أمن المجتمع و الأمن العام. وهذا مقابل حرية التظاهر لمؤيدي “عبد الفتاح السيسي”. الوضع الذي دفع “بمحمد البرادعي” إلى تقديم استقالته من منصب مستشار رئيس الدولة المؤقت – وقد اتهم بالخيانة العظمى بعدها- احتجاجا منه على الطريقة التي واجهت  بها مظاهرات واعتصام “رابعة العدوية” المؤيدة “لمحمد مرسي” من قبل “المؤسسات التنظيمية” الموجهة من طرف المؤسسة العسكرية.

وما يعتبر أيضا توجيها لمؤسسات الدولة وتدخلا سافرا في اختصاص السلط، هو دفع صناع القرار المصريين إلى إصدار قانون يجرم رفع شارة رابعة، وقرار حكومي آخر يعتبر جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية؛ كما أقيمت محاكمات لمؤيدين لمرسي ولأعضاء في جماعة الإخوان المسلمين، وإصدار أحكام في جلستين خرقا لمبدإ أساسي في المحاكمة وهو حق الدفاع الذي يقتضي محاكمة عادلة من حيت المدة و الأحكام. وهو ما ينذر بالانقسامات والطائفية السياسية داخل المجتمع المصري، خصوصا بعد الاستعمال الواسع “لمفهوم الشعب” من كلا الطرفين. الواقع الذي سيؤدي إلى إضعاف الأمن وتقوية التوترات وإذكاء الاختلافات إلى صراعات بين أبناء الوطن الواحد. ومنه ستعلن “حالة الطوارئ” وستوظف امتيازاتها في مواجهة حق الآخر في الاختلاف والتعبير والرأي والتجمهر السلمي وغيرها من الحقوق السياسية.

كما أن الإعلام، باعتباره مؤسسة غير سياسية لتحليل النظام السياسي وسلطة رابعة، لعب دورا هاما في الأحداث المصرية بانحيازه لطرف دون أخر في مشاهد تمس بالعمل الصحفي والإعلامي وأخلاقيته، كما أنه كان آلية في يد المؤسسة العسكرية وموجهة له عبر محطات مختلفة منها تبريرها لخطوة “عبد الفتاح السيسي” والدفاع عنها من طرف الصحفيين العاملين بهذه القنوات أو الصحف بدل إشراك المتخصصين في العلوم السياسية والقانونية، وبمنع البرامج المنتقدة للعسكر كبرنامج “البرنامج” الذي يقدمه “يوسف باسم”؛ وهذا مقابل خطوة أخرى استهدفت القنوات الإعلامية المعارضة “لعبد الفتاح السيسي” و”المؤيدة لمحمد مرسي” والتي تم منعها من البث. فالإعلام يجب أن يكون موضوعيا باعتباره سلطة، ومحايدا وعادلا في تمثيله للشعب المصري آخذا بالرأي والرأي الآخر.

وقبل أيام أعلن “عبد الفتاح السيسي” ترشحه للانتخابات الرئاسية بعدما اعتبر مطلبا شعبيا، وترشحه هذا مرتبط بالحملة الإعلامية المعروفة ب“كمل جميلك يا السيسي”. ما يعني أنها حملة انتخابية سابقة للأوان، وتسبيق للشخص عن البرنامج الانتخابي الذي يجب أن يترشح به وينافس به المرشحين الآخرين. كما أن هذه الانتخابات لا تعرف لحد الآن تعددية حقيقية كما في الانتخابات السابقة، ما يعني أن هناك تنازلات من باقي الأحزاب السياسية المشاركة في الحكومتين المؤقتتين وغير المشاركة عن الحق في تقديم مرشحيها للانتخابات الرئاسية لصالح “عبد الفتاح السيسي”، وهو ما يقوي افتراض وجود ضغوط من قبل المؤسسة العسكرية على هذه الأحزاب واحتوائها. وبالتالي، فعلى الرغم من وجود انتخابات كآلية ديمقراطية للوصول إلى السلطة، إلا أنها موجهة ومرسومة المعالم.

إن ترشح “عبد الفتاح السيسي” لايعني مبدئيا “عسكرة السلطة” التي يجب أن تكون مدنية، لأن ترشحه يفرض عليه الاستقالة من منصبه العسكري، كما أن المنتخب رئيسا مدنيا دون أن يكون عسكريا في السابق يتقلد منصبا عسكريا بصفته رئيسا للجمهورية، وهو حسب الدستور المصري لسنة 2013: أن “رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للقوات المسلحة ” “ويعين الموظفين العسكريين”، غير أن هذا المنصب العسكري يكون مؤقتا لارتباطه بمدة الولاية الانتخابية. أما من الناحية العملية فهو تقويض لمبدإ “التجنيد السياسي للسلطة” مقابل “التجنيد العسكري للسلطة”، لأن عبد الفتاح السيسي هو قادم من المؤسسة العسكرية وليس من حزب سياسي.

غير أن ترشح “عبد الفتاح السيسي” بعدما اعتبر حلا للأزمة أصبح جزءا منها، خصوصا بعد توسع الهوة بينه وبين الإخوان المسلمين ومؤيديهم من الشعب المصري. كما أن ترشحه يعدٌ صورة تعبر عن واقع غير واضح الملامح، ويثير مخاوف حقيقية من عودة “الديمقراطية الموجهة” في مصر خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار كل الخطوات والقرارات والحملات الإعلامية المقنعة المذكورة كافتراضات أولية لما هو قادم. ما قد يثير مزيدا من الشك في المستقبل المصري بفشل “المصالحة الوطنية” وقيام “عدالة المنتصر”. وهو الوضع الذي قد يعود بمصر إلى الوراء بدل الذهاب إلى الأمام وتحقيق آمال الثورة العلقة، على الرغم من كل الإيجابيات التي جاء بها دستور 2013.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.