تحليل: هل يُهاجم بنكيران الملكَ من وراء ظهر أخنوش؟

الملك محمد السادس

محمد المساوي

بعد أسابيع من الصمت، خرج عبد الاله بنكيران بمناسبة مؤتمر شبيبة حزبه ليتناول في كلمته جملة من الموضوعات التي تشغل باله بعد الطرد الذي تعرض له من رئاسة الحكومة أولا ومن الامانة العامة لحزبه ثانيا.
كان لافتا أن هاجم بنكيران عزيز أخنوش، الذي ظل لخمس سنوات عندما كان رئيسا للحكومة يذكره بالخير ويدافع عنه الى اخر رمق، بل وصل به الأمر أن قال عنه مرة: أخنوش أحب وزارئي إليّ، كما دافع عنه باستماتة في قضية 55 مليار. وأثناء ما سمي بالبلوكاج أوقف بنكيران الحسم في المفاوضات لمدة شهر ريثما يتمكن أخنوش من تنصيب نفسه على رأس حزب التجمع الوطني للأحرار، و يتهيأ الجو لبنكيران ليفاوض اخنوش، لاعتقاد بنكيران الجازم أن أخنوش هو مرسول القصر في هذا “البريكولاج الانتخابي”، لذلك قدم شهادته المضحكة في حق أطر حزب الاحرار إبان مفاوضات تشكيل الحكومة، حينها أشهد شهادة الزور: حزب الاحرار له الكفاءة، ولا يمكن تشكيل الحكومة بدونهم.
كما سبق لبنكيران أن نهر كل من حاول أن يسيء علاقته بأخنوش خاصة من أعضاء حزبه وشبيبته، كما هاجم أفتاتي لهذا السبب وهدده بأن يذهب معه إلى أبعد نقطة، مردفا أن أخنوش رجل طيب ونحن منسجمين معه: “داك السي أفتاتي عياني وخاص يسكت، وحشومة يسب أخنوش بهاد الطريقة، راه غادي نضطر نمشي معاه لأبعد نقطة، داك الكلام عمرو ما خاصو يتقال، أخنوش رجل طيب ومنسجمين، واللي بغا يعبر على رأيو راه كاين الأدب والصواب”.

أخنوش حرام عليكم، حلال عليّ

هذا الاحتراز في الحديث عن الحلفاء الحزبين (حتى لا نقول السياسيين) وخاصة أخنوش، لم يلتزم به بنكيران وهو خارج الحكومة، اذ استغل منصة مؤتمر شبيبة حزبه، وهو مجرد من أي صفة تمنحه حق الصعود الى منصة الخطابة، اللهم صفة رئيس الحكومة السابق، والامين العام السابق للحزب، صعد المنصة وراح يقول كلاما في حق أخنوش كان يجب أن يُقال عندما كان يبتزّه في مفاوضات تشكيل الحكومة، كان يجب أن يُقال عندما أخذ منه صندوق تنمية العالم القروي، لكن حينها ظل يردّد أن أخنوش رجل طيب ومنسجم معنا، وأخرج عيناه في كل من ذكر أخنوش بسوء من اعضاء حزبه.
والسؤال المطروح: كيف حرّم بنكيران على أفتاتي أن يتحدث عن أخنوش بينما يفعل هو؟ وفي جل الحالات كان كلام أفتاتي محقا وفي الصميم، لكن كان يُواجه بوابل من الغضب، ليس من أخنوش بل من بنكيران نفسه، ثم بعد أن تحلل بنكيران من أي مسؤولية، أباح لنفسه أن يوجه مدفعيته الثقيلة الى أخنوش، دون أن يفكر هل سيسبب ذلك في اعياء اخيه سعد الدين العثماني، كما اعياه هو افتاتي ذات مرة؟ ثم، بنكيران قال عن أخنوش كلاما عاما، ولم يتحدث عن موضوع بعينه، وقصة زواج السلطة بالمال ليست جديدة، أخنوش لم يزاوج السلطة بالمال اليوم أو أمس، بل كان يغرف من هذا منذ سنوات، وبل أدخله بنكيران في حكومته وزيرا للفلاحة في عز انتفاض الشعب المغربي ضد الفساد والاستبداد وجمع المال والسلطة في حكومة 2012، دافع عنه بنكيران ليكون وزير فلاحته وهو القادم حينئذ من “الحركة لكل الديموقراطين” التي خرج من رحمها حزب الاصالة والمعاصرة العدو الاكبر لبنكيران، لذلك يبدو أن حديث بنكيران الان فقط عن زواج المال والسلطة في حالة أخنوش، حديث مضحك وغير منطقي، ليس المقصود منه هو انتقاد جمع اخنوش للمال والسلطة، لأن لو كان الامر كذلك، لكان أحرى به أن ينتقده عندما كان يقول عنه “رجل طيب ومنسجم معنا”، فالاكيد أن عوامل أخرى هي من جعلت بنكيران يستلّ هذا الموضوع ليهاجم من خلاله أخنوش.
اياك أعني واسمعي يا جارة
ثمة إحتمال وارد يقول أن بنكيران لم يكن يقصد مهاجمة أخنوش بعينه، بل استعمل أخنوش ليهاجم موضوع جمع السلطة والمال، الذي يعد الملك محمد السادس رأس هذا الموضوع، اذ هو رئيس الدولة وفي نفس الوقت هو المستثمر الاول في البلد، أما اخنوش فمجرد ذبابة صغيرة في هذا المستنقع، فكيف يمكن مهاجمة الذبابة والتغاضي عن المستنقع؟ لكن هل فعلا يتجرأ بنكيران عن مهاجمة الملك من بوابة أخنوش؟
الذي يعرف الرجل، يمكن أن ينتظر منه ذلك، خاصة بعد أن فقد كل شيء رغم أنه قدم لهم كلّ شيء، وانبطح حتى كَلَّ من الانبطاح، في اللاخير تم اعفاءه من طرف الملك، هنا يمكن أن يلجأ الى مهاجمة الملك بالتواري خلف بعض الادوات، وفي نفس الوقت يعمد إلى خلط الاوراق، ويوجه كلامه إلى العثماني في نفس الخطاب قائلا:”السي سعد الا قالك سيدنا حل هاد الحزب نحلوها من دابا، ولكن الا قالها لك سيدنا”.

اذن هناك احتمال وارد أن يكون بنكيران عازم على الانتقام لنفسه ضد صفعات الملك المتتالية، بأن يعمد إلى انتقاد الملكية لكن بالاختباء وراء ظهر اشخاص او مؤسسات او جهات تستمد قوتها وسلطتها من الملك، وفي نفس الوقت يعمد إلى التذكير كل مرة بلازمته المشهورة :”أنا معاك اسيدنا واخا تديني للحبس”، وأيها العلمانيون موتوا بغضيكم فالمغرب لن يكون ابدا علمانيا لأن ملكنا هو في نفس الوقت رئيس الدولة وأمير المؤمنين، كما قال في ذات الخطاب قبل يومين امام شبيبة حزبه.

بنكيران يأخذ دور “البوهالي” أفتاتي

لكن، ثمة احتمال اخر، وهو بالنسبة إلينا أقرب إلى الواقع، وهو أن خرجة بنكيران لا يُراد منها انتقاد الملك ولا الملكية (معاذ الله أن يفعل)، بل يُراد منها ضرورة “تسخين اكتاف الحزب” بعد النتائج الباهتة جدا التي حققها الحزب في الانتخابات الجزئية الاخيرة، والتي جعلت الحزب يفقد الالف من الاصوات، قبل أن يفقد مقاعد مجلس النواب، كما أن الصراع الذي نشب بين انصار الولاية الثالثة لبنكيران وأنصار تيار الاستوزار، أدى إلى حدوث شرخ نفسي عميق، حتى وإن لم يصل الى درجة الشرخ التنظيمي، لكنه أصاب الحزب في مقتل، وأورثه الترهل.
هذا الواقع الذي يسير بالحزب نحو الانحدار دق جرس الانذار في اذهان قادة الحزب، منهم بنكيران نفسه الذي يراهن على عودته مجددا بعد انتهاء ولاية سعد الدين العثماني، ويدرك جيدا أن الحزب عليه أن يبقى قويا إن أراد العودة الى قيادته بأريحية، فليس من مصلحته أن يتسلم بعد خمس سنوات حزبا منهكا بسبب حصيلته الحكومية وبسبب صراع الاخوة الاعداء، لذلك ليس من المستبعد أن الحس البرغماتي لقادة البيجيدي قد فرض عليهم أن يعودوا إلى بعضهم البعض، ويكفوا عن تغذية الشرخ داخل الحزب، خاصة وهم يرون شعبية الحزب تتراجع بمؤشرات مهولة.
كان الاتفاق بين قادة الحزب يقضي أولا ب: ايقاف “صراع الديكة” بين أبناء الحزب، وهذا ما بدا واضحا من كلمة بنكيران التي أكد فيها أكثر من مرة على ضرورة دفن الماضي، ونسيان او تناسي ما حدث، بمعنى ضرورة تجاوز صراع الاخوة الاعداء من أجل تحصين الحزب وايقاف مسير الانحدار.
ثانيا: العودة إلى الوصفة الناجعة التي ضمنت للحزب شعبية لم يكن يحلم بها يوما، باعتراف قادة الحزب انفسهم، نقصد وصفة المظلومية التي برع بنكيران في صنع خلطتها وتتبيلها أحيانا بالدموع والكذب الخفيف، لكن السؤال المطروح هنا، هل ما زالت ورقة حزب الأصالة والمعاصرة وامينه العام صالحة؟ وهي الورقة التي آلف بنكيران أن يتقلب في توظيفها كلما هزلت حصيلته الاجتماعية، وكلما أراد أن يدغدغ عواطف الكتلة الناخبة، التي صارت متذمرة من كل من له علاقة بالسلطة.
غير أن البام والياس العماري أصبحا الآن ورقة غير مناسبة لتعليق خطاب المظلومية على مشجبيهما، بعد أن أصبحا الياس والحزب فريسة سهلة لصحافة المخابرات نفسها (برلمان.كوم، كواليس..)، وبعد أن أصبح الصحافيون الذين كانوا يقتاتون من أيدي إلياس ومن أيدي البام يهاجمون الحزب وامينه العام بمناسبة وبدونها، صار من الصعب وبل من المستحيل أن يبنى بنكيران وحزبه خطاب المظلومية من جديد على ظهر البام وإلياس، لذلك تم اللجوء إلى أخنوش، بوصفه القادر على انجاح خطاب المظلومية لحزب العدالة والتنمية، وهذا ما يفسرّ سرّ هذا الانقلاب البهلواني لبنكيران، من “أخنوش رجل طيب ومنسجم معنا” إلى “سمع أسي أخنوش زواج المال والسلطة خطر على الدولة”. هكذا اقتنص بنكيران دور أفتاتي الذي وصفه يوما ب”البوهالي”، ليصبح هو الان “بوهالي” حكومة العثماني.

ليبقى الوطن والمواطن ضحايا هذا الواقع السياسي والحزبي الموبوء، وضحايا توغل السلطوية والاستبداد، وسط انبطاح النخب السياسية والفكرية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.