تحليل: قضية الصحراء..هل ستتخلى أمريكا عن “معسكر الملكيات” في المنطقة؟

محمد المساوي

بات واضحا أن ملف قضية الصحراء المغربية يعيش تطورات جديدة، وتتجلى اساسا مظاهرة هذه الجدة في الموقف الامريكي الداعم لتصريحات بان كيمون، هذا ما بدا من القرار 2285 الذي صاغه ممثل الولايات المتحدة الامريكية في مجلس الامن، وبُني هذا القرار في مجمله على التقرير الذي رفعه بان كيمون لمجلس الامن، وهو الامر الذي اعتبره المسؤولون المغاربة تحولا في الموقف الامريكي، وكان خطاب الملك محمد السادس في قمّة الخليج قد توجه بالقاء اللوم على الولايات المتحدة الامريكية، معلنا عزمه على تجاوز العلاقة التقليدية التي جمعت المملكة بهذا الدولة التي تسيطر على مركز القرار الاممي، اذ قال الملك في خطابه: “فالمغرب حر في قراراته واختياراته وليس محمية تابعة لأي بلد”، وهو ما نزّله الملك عمليا من خلال زياراته التي قادته الى روسيا والصين بحثا عن شراكات جديدة مع هذه الدول، وبحثا عن حلفاء جدد وداعمين له في مجلس الامن.

لكن يبقى السؤال الاثير هو: ما سبب هذا التحول في الموقف الامريكي؟ وهل ثمة تحول اصلا، وما افاق هذه المستجدات المرتبطة بتطورات ملف قضية الصحراء، وكذا تحول الموقف الامريكي من الدعم المطلق للمملكة الى محاولة التذرع بالوقوف على الحياد للتنصل من دعم موقف المملكة، وما علاقة ذلك بتحول الموقف الامريكي من العائلة الملكية بالسعودية؟

كان لافتاً للانتباه أن يندفع “كهنة” السياسة من زعماء الاحزاب المغربية وبعض المحللين ليتحدثوا عن مؤامرة تستهدف المغرب تروم تقويض استقراره وتهديد امنه، صدرت هذه التصريحات والتحاليل مباشرة بعد خطاب الملك في القمة الخليجية، وهو ما يعني أن القصر الملكي؛ مالك القرار السياسي بالمغرب قد شعر فعلا ان ثمة خيانة من الحليف الامريكي، او في احسن الأحوال يشعر ان ثمة تنصّل من الولايات المتحدة الامريكية عن دعم المغرب ومساندته كما دأبت ان تفعل دائما.

هكذا اختفى الاسد الذي اهداه المغرب الى و.م.أ، كما اختفت قصة “المغرب أول دولة في العالم اعترفت باستقلال امريكا”، لقد اصبحت “امريكا هي الطاعون والطاعون أمريكا” فما الذي تغيّر؟

التفكيك خيار استراتيجي للامبريالية بعد نهاية القطبية الثنائية

من المهم أن نستحضر أن “تحول” الموقف الامريكي من المغرب حدث بالتزامن مع وجود شنآن في العلاقات الامريكية السعودية تؤشر على نفس التحول في العلاقة مع المملكة السعودية، وهذا التحول هو السبب الرئيس لعقد قمة دول الخليج، رغم ان ظاهريا قد لايبدو كذلك، وفي هذه القمة حاولت دول الخليج ومملكتي المغرب والاردن، الرد على الموقف الامريكي، والظهور بمظهر أنها قادرة على قيادة سفنها الى برّ الامان دونما حاجة الى دعم امريكا.

بهذا يعني أن هذه الدول استشعرت أن عهد الحماية الدولية التي تمتعت بها لسنوات من طرف و.م.أ لم يعد قائما، واستشعرت أن و.م.أ قد أكلت الغلة وأنها على أهبة لتسب ملّتهم، وهذا ديدن و.م.أ بوصفها قائدة هذا النظام  الذي يسير على هديه العالم، ليس لها اصدقاء دائمين ولا شركاء ابديين، بل لها مصالح دائمة، فأينما تجلّت المصلحة فهي أولى بها.

إن مصلحة الامبريالية حاليا هي في استراتيجية تفكيك الدول وتفتيتها، هذا هو المشروع الأهم الذي يحكم اجندة الامبريالية منذ انبلاج عصر ما يسمى بالنظام العالمي الجديد؛ وعصر النظام العالمي الاحادي، وقد بدأت في تنفيذ هذه الاستراتيجية منذ اواسط التسعينات، افتتحت ذلك بضرب السيادة الوطنية للدول عبر انشاء ما سمي بالمناطق الحرة، وكذا عبر اطلاق اتفاقية “الجات” التي احتضنت مراكش قمتها سنة 1994.

بعد التمكن من ضرب السيادات الوطنية للدول من خلال فرض عدة اتفاقيات في المجال الاقتصادي والتجاري، لجأت الامبريالية الى تنفيذ الخطة 2 من استراتيجية التفكيك، هذه الخطة تم الشروع في تنفيذها مباشرة بعد احداث 11 شتنبر 2001، فكانت النتيجة الأولية هي تفكيك افغانستان والعراق، ثم بعد ذلك الاستعداد للمرور الى تفكيك دول اخرى في المنطقة، وفق مشروع جديد سُمي ب”مشروع الشرق الأوسط الكبير”، وظهر ذلك جليا من خلال محاولة التدخل في لبنان وفرض تفكيك البلد إبّان حرب 2006.

مشروع الشرق الاوسط الكبير بدأ من العراق ولن ينتهي في سوريا

الغريب ان دول الخليج ومملكتي المغرب والاردن التي تشمئز الان من الغدر الامريكي، وتتحدث عن التدخل وعن المؤامرة، هذه الدول نفسها كانت  ادوات “المؤامرة” لفرض التفكيك في الخطتين 1 و2، اذ كانت تلعب دورا محوريا في تنزيل مشروع “التفكيك الامبريالي”، فالمغرب كان دائم الانصياع والتطبيل للسياسة الامريكية ولم يأل جهدا في فتح اذرعه لتنزيل سياسة مكافحة الارهاب وانخراطه فيها كشريك اساسي، وبل فتح اراضيه للمخابرات الامريكية لاستنطاق وتعذيب المتهمين بالارهاب (معتقل تمارة التي يقال انها نسخة مغربية من كوانتنامو)، وكذا فتح اراضيه لاحتضان اتفاقيات ومعاهدات تسير في اتجاه تكريس هذا التفكيك. ايضا عملت السعودية بوصفها زعمية هذا التكتل الملكي (دول الخليج +المغرب والاردن) بكل ما في وسعها لانجاح سياسة التفكيك الامريكية، وهكذا اوعز النظام الملكي السعودي لمفتي المملكة اصدار فتاوى تحرّم التضامن مع لبنان خلال حرب 2006، هذه الفتاوى عملت بشكل رهيب على نكئ جراح الشروخ الطائفية وتغذيتها، كما عملت بكل ما في وسعها النفخ في رابوز الطائفية لتسهيل عملية التفكيك.

وبينما كان مشروع التفكيك يسير قدما، وكان الصراع السني الشيعي يتغذى اكثر فأكثر ويقتات على اسباب الشقاق والعداء الطائفي، تفاجأت الامبريالية والانظمة المهترئة بالشرق الاوسط وشمال افريقيا بموجة ثورية سرعان ما انتلقت نيرانها من بلد الى اخر، هذا الحراك جعل المشروع الامريكي ينكمش، وفرض على الامبريالية نوعا من الارتباك، هذا ما عكسه تباين مواقف كبار العالم حول انهيار نظام بنعلي في تونس، ومبارك في مصر، انذاك استجمعت الامبريالية قواها، وجمّدت مؤقتا مشروعها التفكيكي، وراحت تبحث عن امكانات التحكم في مآلات هذا الحراك، ولمَ لا توجيه بوصلته، وهو ما نجحت فيه بسرعة، بسبب عدم وجود تنظيمات سياسية قادرة على حمل مشروع التغيير الى مرافئه الامنة، الحراك الديموقراطي في المنطقة كان ثمرة ناضجة تنتظر من يلتقطها ليتمتع بطراوتها، لكن للاسف لا احد كان مستعدا لالتقاط الثمرة الناضجة، فامتدت اليها ايدي الغربان لتلتقطها وتتحكم في توجيه مسيرها كما شاءت مصالحها.

إن غيّاب احزاب سياسية لها مشاريع بديلة ومستعدة للمضي الى اخر الحلم، سمح للامبريالية بالتحكم في مصيره وتوجيهه الوجهة التي تريد، وعملت على توظيفه لاستئناف انجاح مشاريع التفكيك، فشجعت الاطراف المشاركة في الحراك على امتلاك السلاح واستعماله، وسهلت امر الحصول عليه، وفي المقابل شجعت الانظمة المستبدة على الصمود في وجه التيارات المسلحة والارهابية؟ هذا ما فعلته في ليبيا وسوريا تحاول ان تفعله في مصر.

موقع ملف “قضية الصحراء” في مشروع التفكيك

بعد ان نجحت الامبريالية في تفكيك العراق وافغانستان في البداية، ثم بعد ذلك نجحت في تفكيك ليبيا وهي الان على مرمى حجر من تفكيك سوريا واليمن والبحرين ولمَ لا لبنان، فإن المشروع بصدد الانتقال الى الخطة 3، وهذه الخطة تخص تفكيك معسكر الملكيات، في السنوات القادمة سنشهد محاولات مستمرة من أجل تفكيك هذه الدول، ويبدو أن بداية تنفيذ الخطة 3 قد انطلق مع تشجيع/توريط امريكا للسعودية للتدخل في سوريا ثم بعد ذلك في اليمن، كما بدأت تصريحات المسؤولين الامريكيين بالاشارة الى فساد بعض افراد النظام الملكي السعودي، والحديث في الاعلام عن امكانية اثبات ضلوع السعودية في دعم وتمويل هجمات 11 شتنبر، وليس مستبعدا أن تظهر وثائق تؤكد ذلك، او حتى ان لم تظهر، قد يتأكد وقوف السعودية وراء هجمات 11 شتنبر كما تأكد ذات زمن امتلاك العراق للأسلحة الكيماوية.

ان التنصل الامريكي من دعم موقف المغرب من الصحراء يأتي في اطار هذه الاستراتيجية الشاملة، وليس مستبعدا أن تكون الصحراء بوابة مهيّأة لتنزيل التفكيك في بلدنا، اضف الى ذلك أن سحب الدعم الامريكي (او لنقل الحياد الامريكي) للمغرب جاء في سياق عام وليس معزولا، بدأ ب”التحرش الامريكي” بالسعودية الذي يتم عادة في الاعلام تفسير ذلك بموقف اوباما من السعودية ابان غزو العراق، ولن ينتهي بالعمل على تأزيم الوضع في الصحراء والدفع الى توتر الاجواء وتصاعد حدة الاتهامات.
إن محاولة البعض تفسير هذا التحول الامريكي بتغير مزاج بعض الساسة الامريكين، او ربطه بالانتخابات الامريكية، ينمّ عن فهم قاصر لحبال السياسة الخارجية الامريكية، فهذه السياسة لا يصنعها الرؤساء، ولا تكون رهينة التحول المزاجي لهذا الرئيس او ذاك، بل هي سياسة استراتيجية يتم رسمها داخل دهاليز مراكز الدراسات الامريكية وفق مصلحة “عصابة” من ملاكي و”باطرونا” الشركات الكبرى التي تتحكم في الاقتصاد العالمي، وسياسة تفكيك الدول ليست وليدة اليوم او الأمس، بل هو مشروع طويل الامد عنوانه الرئيس أن امريكا لم تعد بحاجة الى أنظمة عميلة كما كان الشأن سنوات الحرب الباردة، بل هي الان في حاجة الى التدخل مباشرة عبر فرض ما يسمى ب”المناطق الخضراء” لتحرس مصالحها، مقابل اغراق المنطقة في الفوضى والتفكيك والحروب الاهلية والطائفية.

خاتمة:

في تقديرنا، إن توتير الاجواء في الصحراء سيتصاعد اكثر فاكثر مستقبلا، وإن امريكا ماضية الى تنزيل مشروعها التفكيكي اذا نجحت في ذلك ولم تتدخل ظروف طارئة قد تقلب المعادلة. ويُستبعد جداً أن تكون روسيا او الصين “المنقذ من التفكيك”، هما في اخر المطاف دولتان تبحثان عن مصالحهما الضيقة تحت ركام هذه الفوضى، فهل نجحت روسيا في ايقاف تفكيك سوريا؟ ام عملت على تغذيته وكبّ الزيت على نيرانه؟ ثم إن البيان الختامي لزيارة الملك للصين لم يتضمن اية اشارة واضحة الى ملف الصحراء، مما يعني أن الطرف الصيني آثر مصلحته الخاصة ولم ينجرّ مع الرغبة المغربية في كسب حلفاء جدد في هذا الملف.

إن ما تبقى من الانظمة الاستبدادية في المنطقة ستجد نفسها امام خيارين، إما الاستمرار في استبدادها وجعل نفسها لقمة سائغة في وجه آلية التفكيك الامريكية، واما الرجوع الى شعوبها من اجل تحصين الجبهة الداخلية واطلاق الحريات السياسية والعامة، والعمل على بناء اقتصاد وطني يوفّر حداً ادنى من الكرامة الانسانية، أي في كلتا الحالتين فإن استمرار هذه الانظمة بنفس اساليب التحكم والتسلّط لم يعد ممكنا في المستقبل القريب. ولنتذكر أن الديكتاتور الشيلي أغوستو بينوتشي كان جنرال الامبريالية في امريكا اللاتينية و هي من اوصلته الى الحكم ضدا على الارادة الشعبية، وساعدته على اغتيال الرئيس الوطني سلفادور اليندي، بيد ان هذا الديكتاتور سيجد نفسه اخيرا يُحاكم من طرف الامبريالية نفسها وهو في أرذل العمر. وواهم من يعتقد أن عمالته لأمريكا قد تشفع له الى يوم الدين، فما قدّمه بينوشي لامريكا لم يقدمه أي عميل اخر ومع ذلك انتهى تلك النهاية المعروفة، وليس مستبعدا ان نجد غدا امريكا تحاكم افرادا من الانظمة العميلة لها في المنطقة.

إن الدفاع عن مغربية الصحراء لن يتأتى من بوابة الصين او روسيا، رغم اهمية كسب حلفاء دوليين، بل إن الدفاع الحقيقي ينطلق من مناجم ايمضر ومداشر الاطلس وبؤس قرى الريف وهوامش المغرب المنسي، ينطلق من القطع مع الفساد والريع والاستبداد، ينطلق من تحرير العمل السياسي من قبضة التحكم والصناعة القبلية للمشهد السياسي… فهل انتم مستعدون؟؟

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.