تحليل: هل انتهى الياس العماري وانتهى معه حزب الاصالة والمعاصرة؟

محمد المساوي

الكل يُجمع على أن حزب الأصالة والمعاصرة منذ تأسيسه شكّل “ظاهرة” عرفها الحقل السياسي المخزني، فمهما اختلفنا أو اتفقنا مع الحزب لا يمكن التغاظي عن الرجة العنيفة التي أحدثها في الحقل الحزبي المخزني، بل امتد أحيانا ليأكل حتى من التنظيمات التي تشتغل خارج النسق المخزني.
باختصار لا أحد ينفي أن حزب الاصالة والمعاصرة شكل ظاهرة شغلت الناس، بسبب مشروعه أو قل لا مشروعه، وبسبب زعيمه المستتر والظاهر؛ فؤاد عالي الهمة/الياس العماري، الذي أضحى له تأثير كبير على الاحزاب والصحافة والمثقفين والجمعويين ومن في دربهم، أصبح الهمة/الياس هو العنوان الجديد لدار المخزن، يقصده كل من يريد رضى المخزن وعونه…

في المقابل كان حزب الاصالة والمعاصرة مشروع القصر الملكي الذي يشرف عليه الهمة من أجل خلخلة المشهد الحزبي المخزني، ونجح فعلا في كثير من المحطات في اداء مهامه كما يجب، كما نجح الياس العماري في استقطاب العديد من الصحافيين الذين اصبحوا جنودا مجندة وراءه، ونجح في احتواء بعض النخب وتركيع بعض اليساريين القدامي والنشطاء الجدد..

بيد أن كل هذا تهاوى بسرعة كبيرة، خاصة لحظة الاعلان عن نتائج اتنخابات 7 أكتوبر التي كانت بالنسبة للحزب معركة حياة أو موت، أُعلنت النتائج واستبعد حزب الاصالة والمعاصرة من الحكومة بسبب تصدّر حزب العدالة والتنمية النتائج، وأصبح الحزب كأنه نسيا منسيا، واختار زعيمه الذي ألف نثر النقع في كل خرجاته، اختار أن يعتزل السياسة (ظاهريا) ويتفرغ لكتابة أو بالاحرى استكتتاب مقالات تناقش الراهن المغربي برومانسية مفرطة، وكأن من يكتب أو يستكتب المقالات لم يكن زعيم حزب الاصالة والمعاصرة المتهم بكل موبقات الحقل الحزبي المخزني…

الياس العماري ليس من النوع الذي يستسلم سريعا امام قدره، بل غالبا ما يلجأ إلى اسلوب المناورة والتواري الى أن تمر العاصفة، الياس ظاهريا يبدو الان بعيدا عن موضوع تشكيل الحكومة، هو متفرغ لكتابة مقالات الرأي، يساهم بها في تحريك الاسئلة الراكدة، لكن وراء الستار هاتفه لا يكف عن الرنين في مكالمات مع اخنوش ولشكر وباقي الشلة.

لكن، من سوء حظ الياس اتته ضربة أخرى من حيث لا يحتسب؛ ضربة الحراك الشعبي بمدينة الحسيمة؛ حيث نال حزبه أزيد من 40 ألف صوت، وحصد مقعدين في البرلمان حسب نتائج الانتخابات المخزنية، بيد أن هذه النتيجة لم يظهر لها اثر في أرض الواقع، اذ أصبح الحراك الشعبي بالريف غير قابل للتوجيه؛ سواء بالمال أو النفوذ أو الوعود كما دأب الياس أن يفعل مع تجارب نضالية شعبية سابقة، خاصة بالمنطقة، لذلك فحراك الريف هي الضربة القاصمة لالياس ولحزب الاصالة والمعاصرة بعد ضربة 7 اكتوبر التي جعلتهم خارج معادلة مشاورات تشكيل الحكومة.

الحراك الشعبي بالحسيمة والطريقة التي يُدار بها، تُشكل ضربة موجعة لالياس الذي كان قد ألف تدجين النخب الريفية وألف وضعها تحت جناحه؛ تأتمر بأوامره عند الشدائد، في هذا الحراك وجد نخبا جديدة عصية على التدجين، ولا يعرفها أصلا، هنا كان الامر ما يشبه الفضيحة بالنسبة إليه وعلاقته مع اسياده (الهمة)، صار الياس في هذا الحراك سببا لكب الزيت على النار، وليس عنصرا يعتمد عليه المخزن لاطفاء نار الاحتجاجات الشعبية كما نجح أن يفعل في محطات سابقة.

إن نتائج انتخابات 7 أكتوبر، ثم بعد ذلك الحراك الشعبي بمدينة الحسيمة قضت على احلام الياس العماري، وحجمت حزب الاصالة والمعاصرة، الى درجة أضحى المخزن نفسه يشعر بثقل تكلفة هذا الحزب.

وبعيدا عن رغبات الياس ورهانات حزبه، للمخزن رهاناته أيضا، وهذا ما يجعله يدفع بالياس وحزبه الى الوراء، ويُصعّد من أسهم حزب الاحرار وزعيمه الجديد عزيز أخنوش؛ صديق الملك، فيما يخص مشاورات تشكيل الحكومة. أما فيما يخص ملف الاحتجاجات الشعبية بالحسيمة فالمخزن حذّر الياس من الاقتراب الى هذا الحراك، بل حرمه حتى من الذهاب الى الحسيمة والظهور بشكل علني، مخافة أن يشكل ذلك عامل استفزاز خاصة بعد أن رفع المتظاهرون شعارات مناوئة له، وكما قلنا سابقا فإلياس ليس من النوع الذي يستسلم بكل سهولة، لذلك يحاول الان بكل جدية ليجد لنفسه موطئ قدم في الحراك الشعبي بمدينته، يحاول بكل جهد أن تطال أيديه وأيدي خدامه الحراك، حتى يقول للمخزن: ها انا ما زالت لي اليد الطولى في الريف، وما زلت قادرا على التأثير على النشطاء والمناضلين، من جهة أخرى هو الان يعمل بجهد لا يكلّ من أجل عرقلة تشكيل الحكومة.

الياس الذي كانت مهمته ايقاف تقدم حزب العدالة والتنمية، كما يقدم نفسه من جهة أخرى أنه هو الوصي والامر والناهي في الريف، أضحى الان بين سندان فوز العدالة والتنمية بانتخابات 7 أكتوبر ومطرقة الحراك الشعبي بالحسيمة، المدينة التي ينحدر منها الياس وفيها فاز حزبه بمقعدين في انتخابات 7 اكتوبر؟؟
هي مفارقة جعلت حزب الاصالة والمعاصرة بالنسبة إلى المخزن ينتهي كأي حزب من أحزاب الادارة، مثله مثل حزب الاتحاد الدستوري والاحرار… وجعلت من الياس العماري شخصية سياسية لمعت بسرعة وهي في طريق الافول بعد أن سطع نجم اخنوش. لكن الياس ما زال “يقاتل” ويحاول أن يقنع المخزن أنه ما زال رجل المرحلة…
هل سينجح في ذلك لانقاذ نفسه وانقاذ حزبه؟ الايام القادمة كفيلة بالجواب على السؤال…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.