تحليل: مانيفستو العروي حول المواطنة

مانيفستو

محمد المساوي

احتضنت قاعة المكتب الوطنية بالرباط محاضرة ألقاها المؤرخ والروائي المغربي عبد الله العروي، كان موضوع المحاضرة هو مفهوم المواطنة وتأرجحه بين المساهمة والمجاورة، وقد حاول العروي أن يبحث في مفهوم المواطنة عبر قيامه بحفر اركيولوجي معرفي قاده الى استحضار تنظيرات جملة من الفلاسفة والمفكرين الذين تناولوا الموضوع وإن من جوانب مختلفة.

غير أن ما تميزت به هذه المحاضرة هو ذاك الحجر الذي ألقاه العروي في بركة طقوس تأبيد السلطة السياسية القائمة، حيث عندما أراد أن يميز بين المواطن الذي يتملكه احساس الشريك الذي يملك سهما في شركة ما فيعتبر نفسه مساهما في هذه الشركة التي هي هنا الدولة/الوطن، وذاك الذي يغيب لديه احساس المشاركة ويتولد لديه احساس المجاورة؛ اذ هو يجاور فقط ولا يشارك، أي أنه خارج دائرة المواطن الذي يفترض فيه أن يكون مشاركا كما يكون الواحد مشاركا في شركة بسبب أنه يمتلك اسهما فيها، هنا أعطى مثالاً بالمشاركين في حفل الولاء الذي يقام كل سنة تزامنا مع احتفالات عيد العرش، إذ يرى أن هؤلاء لا يمكن لهم أن يشعروا بقيمة التشارك والمساهمة في الوطن بل هو في اخر المطاف مجرد موالي، ومجرد “آفاقيين ومجاوريين” حسب تعبير العروي.

عند هذه الجملة التي أتت بمثابة مثال توضيحي توقفت الصحافة وقصاصات الاخبار القادمة من قاعة المكتبة الوطنية وصنعت منه خبرا سارت بذكره الركبان، لكن هذا التناول عابته الكثير من النواقص الى درجة التشويه، تشويه المعنى، ربما هو امر عادي لأن المكلف بالتغطية الصحفية قد يصعب عليه ملاحقة أفكار محاضرة رجل من طينة العروي المعروف بأسلوبه الملغز والصارم في نفس الوقت.

لقد أخطأت الصحافة الوطنية كثيرا حينما تصرفت في نقلها لكملة “موالي”، اذ هناك من وضع مباشرة بعدها شرحا مفاده أن الموالي هم العبيد والخدم و… لكن بأعمال قليل من التدبر والتفكير سنجد أن العروي لا يرمي الكلام على عواهنه، ولا تعوزه الكلمات حتى يورد كلمة “موالي” بوصفها مرادفا للعبيد والخدم، كما أنه في تقديرنا أن توظيف كلمة “موالي” لم يكن اعتباطاً بل عمد الرجل إلى ذلك لما تحويه هذه الكلمة من ارث سياسي تاريخي، وهي كلمة إذا راعينا ازاءها شيئا من التدقيق سنجد أنها لا تعني الخدم ولا تعني العبيد، بل لها حمولة تاريخية سياسية يرتد أصلها إلى عهد الدولة الأموية خصوصاً.

الموالي

الموالي هو مفهوم تبلور اساساً في اواخر مرحلة حكم الخلفاء الراشدين وترسخ اكثر في مرحلة الدولة الأموية، ويشير المفهوم عموما إلى فئة من الناس لهم سمات وخصوصيات تميزهم عن الاخرين، فالموالي هم أشخاص ينتمون ثقافيا وعرقيا إلى غير العرب منهم الاتراك والفرس والاكراد والأفارقة؛ قيض لهم أن يعيشوا في حضن الدولة الاسلامية، منهم من أسلم بعد ذلك ومنهم من ظل على دينه، أغلب هؤلاء كانوا أسرى حرب، و بعد عتقهم صاروا “خدما” في قصور اسيادهم الذين عتقوهم، هم اذن أعلى مرتبة من العبيد لكونهم لم يعودوا مملوكين، لكنهم أيضا لم يتحرروا كاملا لأنهم يشعرون بالامتنان لمن أعتقهم فيظلون في خدمته، كما أن السيد الذي أعتقهم في أغلب الاحيان يراهن على أن يظل هؤلاء يقومون بأعمال العبودية دون أن يكونوا عبيد، إذ هم ليسوا عبيدا لكنهم يقومون بمساعدة اسيادهم على السمعة والطاعة؛ ورغم أنهم يمتلكون كفاءات ومهارات جيدة إلاّ انهم يكتفون فقط بمساعدة اسيادهم ويدينون لهم بالتبعية ويحرمون من تقلد المناصب الحساسة التي لها دور في صنع سياسة الدولة. حتى عندما شاركوا العباسيين في الثورة على الامويين لم يستطيعوا أن يظفروا بمناصب مهمة ولا أن تكون لهم مساهمة في بناء الدولة العباسية بل ظلوا بوصفهم حاشية الخليفة وحرسه.

الموالي والنظام القائم

الذي لم تنتبه إليه التغطيات الصحفية كثيرا أو ربما استنكفت عن الاشارة إليه هو أن مفهوم “الموالي” يستلزم الحديث عن نظام سياسي يستوعب هذا المفهوم، فوصف العروي للذين يركعون في حفل الولاء بالموالي والذين في أغلبهم هم أعضاء الحكومة واصحاب المناصب السامية وكبار بعض الاحزاب السياسية و..، يستدعي بالضرورة وضح تحديد للنظام السياسي القائم على هذا المفهوم، فمثلا لا يمكن تصور وجود “معمار” سياسي قائم على مفهوم “الموالي” وفي نفس الوقت يتبنى الديموقراطية كآلية في التسيير والتدبير المبنية اساسا على مفهوم المشاركة عوض المجاورة، أي بعبارة أخرى عندما تحدث العروي عن مفهوم “الموالي” كان أيضا بالضرورة يتحدث عن طبيعة النظام القائم، فالموالي مفهوم سياسي نشأ في حضن ظروف تاريخية وسياسية معينة كان يرعاه نظام سياسي معين الذي هو نظام حكم الدولة الأمية الذي كان مؤسسا على الاستبداد والقهر وكان يمتح شرعيته في المجمل من “الحق الالهي” المعمد بلغة التهديد والوعيد، إذ يذكر التاريخ أن معاوية جمع كبار القوم والصحابة للتداول في شأن خلافته من طرف ابنه يزيد، وهناك من اعترض وهناك من قبل ذلك على مضض في حين تكلف احد الموالي المقربين لمعاوية فألقى في الجمع خطبته المشهورة قائلا:” أمير المؤمنين هذا وأشار الى معاوية، فان هلك فهذا وأشار الى ابنه يزيد، ومن أبى فهذا واشار الى السيف”

ما سر “جرأة” للعروي:

ثمة ملاحظة لافتة بصدد الحدث الذي صنعه العروي، فكثيرون تساءلوا عن سر هذه الجرأة التي اعترت العروي ليصل إلى حدّ الحديث في موضوع يستنكف العديد من السياسين والمثقفين والمفكرين عن الخوض فيه، أقصد موضوع حفل الولاء والطقوس المصاحبة له، بل إن رجلا مثل عبد الاله بنكيران قبل أن يصبح وزيرا أول، كثيرا ما وجّه انتقادات لاذعة لهذه الطقوس وطالب بالتحجيم منها والبحث عن التعبير عن الاحترام بطرق أخرى غير الركوع للملك، هذا ما قاله في حضرة برنامج حوار الذي كان يعده صاحب “حفل البلاء” مصطفى العلوي، والذي يعود تاريخه إلى مارس 2011، لكن بعد تولي بنكيران رئاسة الحكومة صار هو الاخر عنصرا نشيطا مشاركا بكل تفاني في حفل الولاء ويعطي تصريحات يؤكد فيها أن هذا من صميم خصوصيات الشعب المغربي التي يحسده عليها العالم.

أن ينط رجل السياسة من حبل الى آخر هو امر معتاد، وربما هناك من يرى أن المسألة من صميم العمل السياسي، لكن في حقل المعرفة والفكر لا يمكن فعل ذلك، بل يتطلب الامر شيئا من الحلم والرزانة وبعد النظر، وعلاقة بالموضوع هل يمكن القول أن العروي بمحاضرته في المكتب الوطنية قد استعار سلوك السياسين في النط والقفز على الحبال؟

بالنسبة إلينا ليس الامر كذلك، فالعروي لم ينط من خلال حديثه عن هذا الموضوع، ما قاله العروي عن الموالي وتميزه بين مفهوم المشاركة المؤسسة للمواطنة ومفهوم المجاورة المؤسس للتبعية هو تمييز أصيل في فكره وفي مشروعه الحداثي الذي ينبني على” انفصال على مستوى الفكر بين العقل الحديث والعقل القديم، انفصال في السياسة من الشرعية التقليدية القائمة على الولاء إلى الشرعية الحديثة القائمة على التمثيلية والانتخاب والنظام الديمقراطي، وانفصال في السلوك الفردي من الفرد المندمج كلية في الجماعة إلى الفرد ككيان مستقل نسبيا في آرائه وأفكاره واختياراته ومواقفه”(محمد سبيلا: نظرية الحداثة والتحديث في فكر عبد الله العروي).

إذن بالنسبة إلينا محاضرة العروي في المكتبة الوطنية تؤشر على عودة الرجل إلى مكانه الطبيعي وإلى الدفاع عن مشروعه الفكري بما هو مشروع حداثي يروم تحقيق الحداثة العقلية والسياسية والدينية والاجتماعية… بيد أن السؤال الذي يطرح هو لماذا الان؟ كيف قيض للعروي أن يعبر عن مواقف فيما مضى هي نكوص حتى على افكاره ومواقفه التي يتضمنه مشروعه وتحويها كتبه؟

ثمة سيل من التفسيرات التي تحاول قراءة موقف العروي الذي قد يعتبر من حراس معبد طقوس الولاء خطاً أحمر، خاصة أنه اتى من رجل له وزنه ومكانته الاعتبارية في المجتمع بوصفه أحد اكثر المفكرين تأثيراً، من أقرب هذه التفسيرات هو “الابتزاز” وهو أن ربما الرجل استشاط غضبا من محيط القصر الملكي، وربما أصبحت مصالحه مهددة أو لم يحض بالإكرامية التي كان ينتظرها، فأخرج مدفعيته الثقيلة ليوجهها لأحد أهم ملامح الاستبداد في هذا الوطن.

اكيد ثمة فرق بين العروي صاحب حوار مجلة “زمان”، والعروي صاحب محاضرة المكتبة الوطنية حول “المواطنة والمشاركة والمجاورة”، العروي في حوار مجلة “زمان” كان أقرب إلى التزلف والاشهاد بعظمة الملكية، كما كان أيضا كذلك في الكتاب الذي شارك فيه متحدثا عن عبقرية الحسن الثاني؛ وهو الكتاب الذي أشرف أعليه وزير الداخلية الأسبق ادريس البصري، (انظر مقال هند عروب : مثقفون في مزاد السلطة) لكن في محاضرة المكتبة الوطنية كان وفياً لمشروعه الحداثي، لماذا؟ جوابا على السؤال  تنتصب تفسيرات وقراءات عديدة ربما المستقبل من سيحسم في رجاحتها من عدمه.

حكى لي أحد الزملاء الصحافين أنه ذات مرة زار ادريس البصري في مقبعه بفرنسا لإجراء حوار معه، وبمجرد دخول الزميل الصحافي إلى منزل البصري استقبله هذا الاخير ورحب به، وراح يحدّثه مباشرة عن رجال العهد الجديد (الهمة، الماجيدي..) ويبدي امتعاضه منهم مرددا لازمته “هاد براهش غيخرجو على الملكية” حتى الحوار لم يتم اجراؤه؛ الرجل ظل يهذي ويسب رجال العهد الجديد لاقتناعه أنهم سبب “محنته” في طرده من “جنة المخزن”…

اتمنى أن تكون “جرأة” العروي مرتبطة برهانات معرفية، وهو ما جعلنا نطلق عليه اسم “مانيفستو المواطنة” وأن لا يكون الامر مرتبط فقط -على طريقة صديقه ادريس البصري- بتهميش رجال العهد الجديد له.

3 تعليقات
  1. عبداللطيف حسني يقول

    استنادا الى هده المحاضرة. والتي نزع فيها العروي صفة المواطنة على الراكعين في احتفالات الولاء .فانه سبكون في طليعة الموالي الفاقدين لصفة المواطنة . اد تم تركيعه من قبل اللصري في حفلة الولاء التي عرفتها مدينة الجديدة . والتي قدم فيها للحسن ااثاني كتتب تحث اشراف دريي البصري يمجد حفوف الانسان فب عهد الحسن الثاني . ودلك الى جانب مثقفين اخرين من امثال ااطوزي والساعف وخااد ااناصري والعلمي المشبشي الدين مورست عليهم في هدا ااحفلطقوس التركيع والسجود. فها نسي العروي هدا الحدث

  2. ديوجين الريفي يقول

    أولاد أحمد أومخزن ينطون على كل الحبال،والعروي واحدمنهم,العبرة بالأفعال لا بالأقوال.لكن حسنا فعل إذ انتقد طقوس العبودية “المختارة”.العروي مفكر لكنه ليس مثقفا.

  3. citizen يقول

    يتحدث المقال عن ” القفز والنط على الحبل ” لدى السياسين وبعض المثقفين ، وهو الأمر الذي يريد تبرئة الأستاذ العروي منه .الا أنه يعود في فقرة موالية ليتحدث عن ” عودة الرجل إلى مكانه الطبيعي ” وعن “نكوص حتى عن أفكاره ومواقفه ” .وهذا معناه أن الأستاذ العروي لايستحق التبرئة أعلاه ،حيت ينطبق عليه ـ لللأسف ـ ما ينطبق على غيره من الكثير من المثقفين الذين استهوتهم السلطة وامتيازاتها وضلوا يحلمون بالإقتراب منها مهما كلفهم الأمر حتى لو اقتضى الأمر التنكر لمواقفهم السابقة .لم يتوقف الأستاذ العروي عن التطلع لأن يكون مولى للسلطة وينضاف إلى جوقة الموالي هناك خلل ما في نظرتنا للمثقف خا صة في هذا البلد ،بل وهم مزمن حول أدواره داخل المجتمع وتحديدا مواقفه اتجاه السلطة . ليس المثقفون “ملائكة ” ولا حتى أنبياء هم بشر ككل الناس ، منهم من يجيد النط والقفز بل ويتفوق على أمهر البهلوانيين ومنهم ـ لحسن الحظ ـ الشرفاء الذين ناصروا القيم الإنسانية السامية وناهضوا الإستبداد والتسلط .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.