تحليل: قراءة في حصيلة الشوط الأول من العملية الانتخابية وعلاقتها بالانتخابات التشريعية القادمة

بعد أن ظهرت نتائج انتخابات مجلس المستشارين تكون دورة الانتخابات المرتبطة بالجماعات الترابية والغرف المهنية وممثلي المأجرين، قد أكملت دورتها، ورغم أن تبعات ما بعد نتائج الانتخابات ما زالت تتوالى، ومازالت الأيام المقبلة قد تحمل جديدا، بعد أن تجتمع اللجن التنفيذية والمجالس الوطنية للأحزاب المعنية، إلاّ أن ما انتهت إليه النتائج، وما رافق ذلك من مواقف يطبعها أحيانا التشنج، وأحايين أخرى يطغى عليها طابع التهدئة وترضية الخواطر، قد يسعفنا في تحليل بعض تجليات هذه النتائج.

بين نتائج التصويت ونتائج الانتخابات

لعل أول ملاحظة قد يخرج بها المتتبع للعملية الانتخابية في المغرب، هي أن ثمة فرق واضح، بين ما تفرزه عملية التصويت، وبين ما ستفرزه نتائج الانتخابات ككل، إذ بعد تشكيل مجالس الجهات والجماعات وانتخاب أعضاء الغرفة الثانية، ومن خلال التحالفات التي نُسجت، والطريقة التي تم بها تشكيل بعض المجالس، تبيّن فعلا أن ما قد يفرزه التصويت شيء، وما ستفرزه نتائج الانتخابات بعد توزيع المناصب شيء اخر، فبامكان هذا المرشح أو هذا الحزب أن ينال عدد أصوات أقل بكثير من مرشحين اخرين، لكن لا شيء يمنعه لكي يعود ويترأس مجلس الجماعة أو الجهة ولما لا مستشارا في الغرفة الثانية رغماً عن أنف المصوتين.

هذه المفارقة ليست وليدة المصادفة أو وليدة عدم انضباط ما يسمى ب”الناخبين الكبار” كما حاول الكل أن يفسر ذلك، صحيح، الناخبون الكبار هم من عرضوا أصوات المواطنين في المزاد العلني، لكن الأهم والأخطر أن القانون والتقطيع الانتخابيين، هما المسؤلان على هذا الوضع، وهما من منحا لهؤلاء الكبار امكانات التصرف في أصوات الناس، ولو أرادت الدولة تلافي مثل هذه المطبات لأقدمت على تغيير القوانين الانتخابية التي يُجمع الكل على أنها مجحفة، لكن، يقبلون العمل بها، وهذه مفارقة أخرى؟

كان يمكن تلافي “سمسرة الناخبين الكبار” بجعل انتخاب الرئيس؛ إما مباشرا بيد المصوتين، أو تقيده بشروط تحدّ بشكل صارم من هذه السمسرة، لكن  يبدو أن الدولة غير مستعدة لترك الحقل السياسي دون وجود ميكانيزمات التحكم وخلق التوازن حتى لا يتمكن حزب ما من الحصول على الأغلبية، وهو نفس الأمر يخدمه التقطيع الانتخابي غير المنطقي، حيث يمكن لمجلس جماعي معين أن يتشكل بالأغلبية المطلقة بفضل 500 صوت، لكن بالمقابل ثمة مجالس جماعية حتى 1500 صوت لن تضمن لك مقعدا واحدا بله أغلبية مطلقة، كل هذه الأمور تجعل الفصل بين نتائج التصويت وبين نتائج الانتخابات من قبيل تحصيل الحاصل.

فوز العدالة والتنمية في المدن

لا يمكن لأي متتبع للانتخابات في المغرب أن ينكر أن ثمة فرق بين الانتخابات في عهد البصري والآن. كانت وزارة الداخلية في عهد البصري تعتمد سياسة التدخل المباشر للتزوير في واضحة النهار، لانجاح مرشحين معيين مقابل اسقاط اخرين(قصة محمد حفيظ واديب)، وعبر تدخل القواد والمقدمين والشيوخ، واختطاف صناديق الاقتراع… وهو الأمر الذي لم يعد مقبولا الآن لعدة أسباب، فأضحت الدولة تعرف أنها لم يعد بمقدورها تزوير الانتخابات كما كانت تفعل في السابق، لذلك عوضت التزوير المباشر بمحاولة التحكم في صنع خريطة النتائج..

استفاد حزب العدالة والتنمية من هذا الوضع، وقام بحملة انتخابية قوية، مكنته من احراز العديد من الأصوات، التي لم يكن الحزب نفسه يتوقعها.

الحقيقة التي لا يمكن إغفالها هي أن حزب العدالة والتنمية هو الوحيد في المغرب من بين الأحزاب الفاعلة داخل النسق السياسي المخزني يمكن أن يقال عنه أنه حزبٌ يحوز مقومات حزب سياسي منظّم، بينما الباقي مجرد ملحقات ودكاكين، وفي أحسن الأحوال زوايا، خاصة بعد التحاق حزبي الاتحاد الاشتراكي في عهد لشكر والاستقلال في عهد شباط  ليتحولا لملحقتين لحزب الاصالة والمعاصرة.

 ولتبيان الفرق بين البجيدي وباقي أحزاب المخزن، يمكن أن نشير إلى ملاحظة تُغني عن كل تفسير اخر؛ عندما فتحت وزارة الداخلية أجلا اخر للتسجيل في اللوائح الانتخابية خلال شهر غشت الماضي، تحركت الكتابات الإقليمية للبيجيدي وأوفدت عناصر منتمية للحزب لتقوم بحملة لدعوة المواطنين للتسجيل، كان هؤلاء الشباب يطوفون على المنازل مزودين بألواح الكترونية ويسهرون بأنفسهم على تسجيل المواطنين عبر البوابة الالكترونية، وطبعا يحاولون من خلال تواصلهم مع من قبلوا تسجيلهم، استمالتهم للتصويت على لوائح الحزب. في هذه الاثناء كانت جل الأحزاب المغربية تبحث عن “بارونات” الانتخابات للتعاقد معهم، وتتفاوض حول التزكيات، وتخطط للفوز بمقاعد هذه المدينة أو تلك وفق حسابات الصالونات والغرف المغلقة.

النتيجة أن حزب العدالة والتنمية وجد نفسه وحيدا في معترك الانتخابات بالمدن الكبرى، بينما الاخرون كانوا يراهنون على الفوز بالأصوات اعتمادا على الطرق التقليدية في استقطاب “جوكيرات” الانتخابات، دون العمل على النزول للتواصل مع المواطنين. لذلك وجد المصوتون في المدن الكبرى أنفسهم بين خيارين: إما التصويت لحزب سياسي له ما له وعليه ما عليه، أو التصويت لأشخاص معروفين، في كل مرة يترشحون بلون حزب سياسي معين، و غالبا لهم سوابق في تسير الشأن العام. هذا الأمر جعل المصوت في المدن الكبرى يجرب ورقة حزب العدالة والتنمية، خاصة أن الأخير وظف بشكل جيّد وضع “المظلومية”، وبكونه حزباً يريد أن يعمل فعلاً لكن لا يتركه الاخرون، الذين يحصّنون الفساد.

إن تصويت المواطنين لحزب العدالة والتنمية في المدن الكبرى لا يعني أن هؤلاء المواطنين مقتنعين بايديولوجية الحزب ولا حتى ببرنامجه الانتخابي، بل صوتوا عليه لأنه ليس ثمة بديل، فالمعارضة التي يفترض أن تكون بديلَ الحزب الحاكم، هي في أغلبها أحزاب لها تجارب كارثية في التسير السابق، كما أنها تقدمت إلى الانتخابات بطرق تقليدية كانت معتمدة في عهد البصري، وفي زمن لم تكن فيه هذه الطفرة المعلوماتية متوافرة. أضف إلى ذلك أن التصويت في المدن لم تعد تؤثر فيه كثيرا عملية شراء الأصوات، لأن التصويت باللائحة يفترض الحصول على ألاف الاصوات للحصول على مقاعد كثيرة، بينما التصويت الفردي فبضعة أصوات قد تمكنك من الفوز بالمقعد الانتخابي، لذلك اضحت عملية شراء الاصوات غير مجدية كثيراً بالمدن، كما أن بارونات الانتخابات لم يعد بامكانهم التأثير كثيرا في نتائج التصويت بالمدن الكبرى عكس القرى والبوادي والدوائر الانتخابية الصغيرة.

كل هذه العوامل، وفي غياب بديل حقيقي، لا بديل “كلمنجي” فقط، وجد المواطن المقبل على التصويت نفسه بين أمرين، إما التصويت للعدالة والتنمية رغم حصيلته الكارثية في العمل الحكومي، لكنه حزب تتوافر فيه مقومات الحزب السياسي، كما أن مسؤوليه ليست لهم سوابق في تسير الشأن العام وتكديس ثروات كبيرة من جراء ذلك، وإما العودة إلى التصويت لحيتان الانتخابات الموزعة تقريبا على جل الاحزاب الكبرى المتنافسة، والذين ارتبطت مراحل التسيير السابقة بهم، هنا اختار المواطن أن يصوت للعدالة والتنمية، وأن يجرّب هذا الحزب وينتظر إلى ما سيؤول إليه الامر، وليس غريبا أن تعطي نتائج التصويت أغلبية مطلقة لهذا الحزب في المدن التي قال أنه تعرض فيها لمؤامرة خلال انتخابات 2009، وكأن المواطن يقول: طيب، أنتم تقولون أنكم أناس أنقياء، تريدون الاصلاح، لكن الاخرون يعرقلونكم، اذن خوذوا الأغلبية المطلقة وارونا ما أنتم فاعلون؟

ترضية الخواطر وفق معادلة لا غالب ولا مغلوب

سبق لنا أن سجّلنا ملاحظةً على نتائج الانتخابية المهنية في مقال سابق، فحوى تلك الملاحظة كانت تقول أن نتائج انتخابات الغرف المهنية بينت أن جلّ الأحزاب فرحت بما حصلت عليه، البام اعتبر نفسه الفائز الأكبر حينها لأنه تبوأ الصدارة، البيجيدي اعتبر نفسه فائزا لأن عدد المقاعد التي حصل عليها في تلك الانتخابات تضاعفت مقارنة بما حصل عليه  في انتخابات 2009، وهكذا دواليك، المهم الكل خرج فائزاً.

نفس القصة تكرّرت مع نهاية العملية الانتخابية مساء الجمعة 2 أكتوبر، وإعلان حزب الاستقلال متصدرا لانتخابات مجلس المستشارين، فبعد أن أعلن البيجيدي الفائز بالمدن والحائز على أكبر عدد من الاصوات، ثم اعلان البام متصدرا للانتخابات الجماعية بالنظر الى عدد المقاعد التي حصل عليها، المهم في الاخير الكل خرج فائزاً..

قبل يومين في برنامج 90 دقيقة للاقناع، نفى نائب امين العام لحزب الاصالة والمعاصرة ان يكون حزبه قد أصدر بلاغا ليلة 4 شتنبر، قبل اعلان النتائج من طرف وزارة الداخلية، رغم أن جل الجرائد الالكترونية المغربية نشرت مقتطفات من بلاغ الحزب بعد ساعتين من اغلاق مكاتب التصويت وبدء توارد نتائج اكتساح البيجيدي للمدن الكبرى، حينها نشر حزب الاصالة والمعاصرة بلاغا يؤكد فيه فشل الحكومة في الاشراف على الانتخابات ويدعو الى فتح تحقيق قضائي عاجل، وبعد أربع ساعات من نشر بلاغ البام، سيقدم وزير الداخلية النتائج الجزئية للانتخابات الجماعية والجهوية، ويعلن فوز حزب الاصالة والمعاصرة بأكبر عدد من المقاعد، يليه حزب الاستقلال، ثم حزب العدالة والتنمية. الغريب أن بلاغ حزب الاصالة والمعاصرة سيختفي من موقعه الالكتروني، حيث تم حذفه من الموقع بعد اعلان وزير الداخلية البام فائزا، وأنكر الياس العماري أن يكون حزبه قد اصدر بلاغا قبل ظهور نتائج وزارة الداخلية، وبين اصدار البيان الذي يعلن فشل الحكومة في الاشراف على الانتخابات وبين سحب البلاغ وانكار اصداره من طرف قيادات الحزب تكمن تفاصيل شياطين الترضية.

نفس القصة تكررت مع شباط، الذي كان يمنّي النفس للفوز برئاسة جهة فاس مكناس لانقاذ مستقبله السياسي بعد الهزيمة النكراء التي مني به في قلعته الانتخابية. بعد أن شعر شباط أن رئاسة الجهة لن تؤول إليه، لعدم مساعدته من السلطة ومن حزب السلطة للضغط على مستشارين ينتمون الى احزاب الاغلبية للتصويت لصالحه،(كما فعل إلياس العماري ليضمن الفوز برئاسة جهة طنجة تطوان رغم ان المعارضة لم تكن تتوفر على الاغلبية في الجهة) شباط طلب ذلك لأنه يعرف جيدا كيف تؤكل الكتف، ويعرف جيدا كيف أوصلوه هو نفسه الى رئاسة حزب الاستقلال، لكن بعد أن رفضوا له ذلك، اختار التلويح والتهديد بقلب الطاولة، والعودة للتحالف مع البيجيدي، هنا اختلط الحابل بالنابل، وتسرع وزير الداخلية باتهام شباط بالابتزاز في مجلس وزاري، وكان رد فعل شباط وحزبه قوياً يحمل تهديدا مبطناً، بعد ذلك هدأت الامور قليلاً، واتصل وزير الداخلية بقيادات في حزب الاستقلال لرأب الصدع وتلين العقبات التي افرزه ما نُقل عنه من اتهام لشباط.

إلى أن أعلنت وزارة الداخلية نتائج انتخاب مجلس المستشارين، وأعلنت حزب الاستقلال متصدرا لنتائجها، فخرج شباط منتشياً، يعد بمزيد من الانتصارات، ويؤكد أن حزب الاستقلال أقوى من أي وقت مضى. هنا اكتملت دائرة اقتسام لذة الفوز والانتصار، والمتتبع النبيه سيلاحظ أن الفترة الفاصلة بين 4 شتنبر ليلة اعلان نتائج الانتخابات الجماعية و2 اكتوبر ليلة اعلان نتائج مجلس المستشارين، تعاقبت الاحزاب الثلاثة على الاحتفال بالنصر، بعد نتائج 4 شتنبر مباشرة، كان اشبوع احتفال البيجيدي بالفوز، لكن بعد انتخاب رؤساء الجهات والمجالس الجماعية تحول احتفال البيجيدي الى ندب ولطم ونواح لعدم انضباط الناخبين الكبار، بينما كان البام يعيش اسبوع احتفاله الباذخ لفوزه بخمس جهات، وهو الذي لم يتصدر الانتخابات الجهوية، بل جاء وراء البيجيدي بفارق كبير من المقاعد بلغ 42 مقعدا، في حين لم يحصل حزب العدالة والتنمية إلا على رئاسة جهتين فقط، ليستا ذات بعد استراتيجي يذكر.انتهى احتفال حزب الاصالة والمعاصرة وبدأ احتفال شباط وحزبه بعد اعلان نتائج انتخابات 2 اكتوبر، وهكذا يكون كل حزب قد عاش لحظات فرح احتفالا بما حققه من فوز؟؟ والمهم في الأخير الكل خرج منتصرا..

هل سيستمر زحف العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية؟

بعد ظهور نتائج الانتخابات المهنية تداعى بعض الصحافيين والمحللين للتهليل بسقوط حزب العدالة والتنمية، وتم الحديث عن “التصويت العقابي”، رغم أن نتائج الحزب كانت جد متقدمة لما حققه في انتخابات 2009 الاّ أن عزف سمفونية “التصويت العقابي” ظلت مستمرة إلى حدود ليلة الاعلان عن نتائج التصويت في 4 شتنبر، حينها تغيرت لهجة الصحافيين والمحللين وشرعوا يتحدثون عن اكتساح البيجيدي للمدن.

الآن، يبدو أن هناك نوعا من التهويش واللبس يعتري تخمين المحللين حول مآل نتائج الانتخابات التشريعية القادمة، ثمة من يرى أن البام قد يتصدر هذه الانتخابات، وهناك من يرى أن البجيدي سيعود ليتصدر المشهد.

في اعتقادنا أن العدالة والتنمية سيتصدر الانتخابات التشريعية المقبلة، وسيتمكن من تشكيل الحكومة الجديدة وغالبا برئاسة بنكيران نفسه، ومرد افتراضنا هذا مبني على معطيين أساسين:

 أولا: ثمة ملاحظة يجب الانتباه إليها جيدا، وهي أن حزب الاصالة والمعاصرة استنفر كل قواه للفوز بالانتخابات الجماعية والجهوية، ومن مؤشرات ذلك أن جل اعضاء المكتب السياسي تقدموا للترشح لهذه الانتخابات، والعديد من القيادات تصدرت اللوائح الجهوية، مما يعني أن الحزب نزل بكل ثقل للفوز بهذه الانتخابات، وانه لا يراهن كثيرا على الانتخابات التشريعية، فترشيح قياداته للفوز برئاسة الجهات يعني ان الحزب لا ينتظر ترأس الحكومة المقبلة، نظرا لحالة التنافي التي تحرم رئيس الجهة من تقلد منصب حكومي أو برلماني، فالباكوري ترشح للانتخابات الجهوية والياس العماري نفس الشيء وكذلك بنشماش في جهة الرباط وخديجة الرويسي واخرون في جل الجهات، فلا يمكن لحزب ان يقود الحكومة وجل قياداته في الجهات؟ اذن، ترشيح حزب الاصالة والمعاصرة لقياداته لهذه الانتخابات مؤشر على عدم رهانه منذ البدء على الانتخابات التشريعية لسبب يدركه هو جيدا. وحديثنا هنا عن هذا الحزب لأنه هو الوحيد المفترض أن يعوض بنكيران في رئاسة الحكومة، ومستبعد جدا ان يتصدر الانتخابات التشريعية القادمة، حزب خارج ثنائية البيجيدي والبام.

ثانيا: بالنظر إلى تاريخ الممارسة السياسية في هذا البلد، فحزب العدالة والتنمية لم يستنفذ مهمته بعد، ثمة مشاريع في حاجة الى تنفيذها، وهي مشاريع لا يمكن تنفيذها إلا على يد بنكيران وحزبه، لذلك فمحاولة التخلص منهم في الانتخابات المقبلة غير وارد بالمرة، ما دام مشاريع البنك الدولي لم تستكمل تنفيذها بعد، فما زال في حوزة البيجيدي مهمة تفكيك الوظيفة العمومية، وما زال في مهمته استكمال مشاريع حذف صندوق المقاصة بشكل نهائي كما يطالب البنك الدولي، واستكمال مشروع رفع سن التقاعد، واستكمال تحرير أسعار الوقود وغاز البوطان والاجهاز الكامل على الصحة والتعليم العمومين.

كل هذه المشاريع التي تضرب القدرة الشرائية للمواطنين في العمق لن يقدر أي حزب بدون حاضنة شعبية من السهر عليها، ومن الحماقة بمكان أن تراهن الدولة على الأصالة والمعاصرة لاستكمال تنفيذ هذه المشاريع التصفوية، لابد من حزب له قاعدة جماهيرية تعمل على تحلية هذه المشاريع لاستساغتها من طرف المواطن، ولا أحد من الأحزاب حاليا قادر على ذلك من غير العدالة والتنمية.

وعليه، بناءً على المؤشرين السابقين، فاستمرار بنكيران في منصب رئيس الحكومة وارد جدا اذ لم تستجد أحداث طارئة قد تقلب موازين القوى وتفرض اعادة حساب الامور. أما اذا سارت الامور كما هي عليه الان، فالبيجيدي يسير الى ترؤس الحكومة المقبلة، وهنا تطرح فرضيتين: الأولى؛ قد يشكل بنكيران الحكومة مع الأصالة والمعاصرة، وسيجد كل التبريرات لتبرير ذلك، نقول هذا في حالة ما كان المخزن في حاجة الى ادخال البام الى صلب الحكومة، الثانية؛ سيشكل بنكيران الحكومة مع التقدم والاشتراكية وحزب الاستقلال بعد أن يكون قد انجز مؤتمره الاستثنائي سواء تحت قيادة حميد شباط “التائب” أو غيره ممن لم يكونوا على وفاق مع شباط في مسألة وضع الحزب تحت تصرف حزب الاصالة والمعاصرة.

وفي الأخير سيكون المشهد كما يريده المخزن: حكومة يترأسها بنكيران مجددا، لتعمل على تمرير كل المشاريع التصفوية التي تفتي بها المؤسسات المالية الدولية الدائنة، و حزب الاصالة والمعاصرة يسيطر على رئاسة أهم الجهات كما يسيطر على الغرفة الثانية بمعية لواحقه الحزبية الاخرى.

خلاصة:

إن فحص نتائج العملية الانتخابية التي انطلقت منذ شهرين، تُبيّن أن تحكم السلطة في الخريطة الانتخابية هو جوهر لا يزول، تختلف الأساليب والوسائل، لكن النتيجة هي هي. السلطة في المغرب ليست مقتنعة بعد بأن تنتظر ما ستفرزه صناديق الاقتراع، انها سلطة لا تحبّ المفاجآت لذلك تحدّد كل شيء منذ البدء، إن كان التزوير لم يعد ممكنا كما كان قديما، فالتقطيع الانتخابي وقانون الانتخابات، والسماح لتجار المخدرات وأصحاب ملفات الفساد بالترشح، كلها عوامل مساعدة تجعل قلب السلطة يطمئن لما ستفرزه الانتخابات حتى قبل اجرائها.

صورة الصدارة: لوحة للفنان البولوني  باول كوزنسكي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.