تحليل: فضيحة “وثائق باناما” ومحاولة التحكم في الاعلام وتوجيهه

محمد المساوي

يظل الاعلام وسيلة خطيرة لما له من قدرة على الحشد وعلى صنع الرأي العام وتوجيهه، في الدول الديموقراطية يصبح الاعلام سلطة رابعة تقضّ مضجع المتحايلين على القانون والذين تسبقهم أصابعهم الى المال العام، أما في الدول الاستبدادية، حيث لا صوت يعلو على صوت السلطة، يصبح الاعلام سوطاً (كُرْباج) رابعا في يد السلطة تقوم بواسطته توجيه الجموع والتحكم فيها…

لقد تابعنا جميعا كيف لعب الاعلام دورا خطيرا في انجاح الانقلاب العسكري في مصر، حينها كانت الفضائيات المصرية الخاصة تعمل بلا كلل ولا ملل على تقديم السيسي في هيئة المنقذ من الضلال، وتدعو الناس للتظاهر، خاصة أن هذه القنوات لها متابعة شعبية كبيرة، وبالأخص بعض البرامج التي ينشطها اعلاميون مصريون اضحوا بمثابة نجوم في المجتمع المصري. لقد فهم الاخوان اللعبة متأخرين واكتشفوا أن استهانتهم بدور الاعلام كلفهم اسقاط مرسي وانجاح الانقلاب العسكري.

في المغرب ظلّ تعامل الدولة مع الاعلام تعاملا تقليديا بالياً، فانفردت الدولة بامتلاك القنوات التلفزية، وسمحت بهامش صغير في مجال الاذاعات الخاصة، إلا أن هذه الاذاعات التي رُخص لها هي في أغلبها اذاعات ترفيهية وحتى تلك التي تخصص حيزا زمنيا للاخبار والتطرق للموضوعات السياسية والاجتماعية تفعل ذلك بطريقة تقليدية تحضر فيها الرقابة الذاتية القبلية، خاصة اذا علمنا ان جل المالكين لهذه الاذاعات الخاصة هم من المحظيين الجدد (الاعيان الجدد) والمقربين من المحيط الملكي، وليس ثمة اية اذاعة خاصة مملوكة لشخصية تملك الحد الادنى من الاستقلالية عن اجهزة الدولة.

الاستثناء الذي يكسر قاعدة سيطرة الدولة على الاعلام خلقه الاعلام الالكتروني الذي بدأ منذ سنوات قليلة يحظى بمتابعة قوية، ويساهم بقوة في صنع الرأي العام وتوصيل الخبر الى المواطن، كما أن هذا الاعلام لعب دورا محوريا إبان الحراك الشعبي وسحَبَ البساط من تحت أقدام الاعلام الرسمي بشقيه السمعي والبصري، وكذا الاعلام الورقي بشقيه الحزبي و”المستقل”، هنا انتبهت الدولة الى خطورة هذا الاعلام فتوجهت الى الاستثمار في هذا المجال واغراق السوق بمواقع الكترونية وُلدت وفي فمها ملاعق من ذهب “الزديات” (نسبة الى زدي ياسين وزدي الياس وزدي الماجيدي)، كما تمت السيطرة على بعض المواقع بشراء اسهم فيها او التحكم فيها عبر سيّاط الاشهار، وان لم يتّعظ، تُشهر في حقه ورقة المنع والمتابعات القضائية المستمرة (نموذج موقع لكم في صيغته الاولى)، هكذا اصبح سوق الاعلام الالكتروني سوقا حقيقياً، كل واحد يغني على ليلاه، مع الاصرار على خلط الامور وتمييع النقاش، ونقل الانتباه من قضية الى أخرى مصطنعة، مع اعتماد تقنية “زووم” في تصعيد قضايا معينة مقابل محاولة طمس قضايا اخرى، أو على الأقل جعلها قضايا ثانوية لا تصمد امام القضايا المصطنعة.

وثائق باناما ومحاولة قتل الفضيحة في مهدها

كان لافتا للانتباه الطريقة التي تعامل بها الاعلام المغربي مع فضيحة ورود اسم الكاتب الخاص للملك في تسريبات “وثائق باناما”، في البداية ثمة من وسائل الاعلام من نهجت منطق “لا اذن سمعت ولا عين رأت” وظلّت تنتظر توجيهات الاجهزة، وثمة اعلام اخر كان اكثر بؤسا ومدعاة للتندر، حيث طفق يتحدث عن فضائح ميسي وبلاتيني..واخرون بينما سكت عن منير الماجيدي الذي يهم المواطن المغربي بوصف الرجل يتقلّد منصبا ساميا في الدولة المغربية اذ هو الكاتب الخاص للملك والقائم على ثروته، لكن هذا الاعلام رأى ان المغاربة يهمهم التهرب الضريبي الذي ارتكبه اللاعب الفرنسي السابق ميشيل بلاتيني واللاعب الارجنتيني ميسي اكثر مما يهمه الماجيدي؟؟ بينما في كل بلاد الدنيا خصصت صحافتها الوطنية مقالات وتحليلات وتحقيقات عن ورود اسماء تنتمي الى بلدها في تسريبات باناما، وحده اعلامنا من كان الاستثناء؛ اذ تحدّثت التسريبات عن منير الماجيدي، بينما تناول اعلامنا التهرب الضريبي لميسي وبلاتيني؟ ولم يحد عن قاعدة الاستثاء الاعلامي المغربي إلاّ مواقع الكترونية معدودة على رؤوس الاصابع تابعت الفضيحة بما تيسّر لها من امكانات مادية وادبية.

بيد أن هذا الاستثناء لم يستطع أن يكبح جماح توسع الفضيحة وتداولها، فكان لابد من اللجوء الى الخطة (ب) لمداراة الفضيحة، فكانت الخطة تقتضي تصعيد قضايا هامشية والنفخ فيها اعلاميا من أجل الهاء الناس عن فضيحة باناما، وخلق مادة اعلامية جديدة “مدرّحة” ببهارات الاثارة والتشويق من أجل خلق متابعة شعبية تنسيه تتبع تطورات فضيحة باناما، هكذا بقدرة قادر أضحت قصة نطح المواطنة خولة للفنانة دنيا بوطازوت قضية الساعة، واخذت حيزا كبيرا من متابعة الاعلام، مع محاولة خلق اصطفاف جديد ليعطي للقصة بعدها الهيتشكوكي، فثمة من اقتنع ببراءة خولة وأن دنيا هي المعتدية، وهناك من وقف مع دنيا، وصرنا فريقين نتعارك حول من هو الظالم والمظلوم بين دنيا وخولة، وتمت الاستعانة بتصريحات بعض الفنانين لتتطور القضية وتصبح قضية رأي عام يتابعها الكل، ونعلن جميعا اما الوقوف الى جانب خولة أو الى جانب دنيا، والاهم ان ننسى فضيحة باناما وأن نختار الاصطفاف الى جانب هذه او تلك.

في نفس الخطة (ب) ظهر فجأة ملف قائد الدروة الذي تم تصويره في الغرفة الزوجية لاحدى المواطنات، ومرة اخرى اكتسب الملف متابعة منقطعة النظير، خاصة انه ملف يحتوي على كل بهارات الاثارة من جنس وسلطة ورشوة، بيد أن الغريب في الامر، والذي يزكي وجود هذه الخطة التي تحدثنا عنها، أن ملف القائد يعود الى شهرين خلت، اذ تم تصوير الفيديو بالضبط ليلة 7 فبراير 2016، وتم اعتقال الزوج يوم 23 فبراير، ويوم 27 منه تم توقيف القائد عن العمل وقام الدرك الملكي والسلطات المختصة بالتحقيق في الملف ومتابعته، حسب ما أكده بلاغ وزارة الداخلية، لكن الاعلام لم يعرف هذه القضية ولم يتناولها إلاّ بعد شهرين من وقوعها، والأغرب ان الملف وصل الى الاعلام بعد تفجير فضيحة باناما، بعد ذلك بيومين او ثلاثة ايام سيظهر فيديو القائد في غرفة المواطنة “سهام نوال”، الفيديو الذي خلق ضجة ومتابعة اعلامية كبيرة، ولا ندري من سرّب هذا الفيديو، ولماذا الان وليس ابان اعتقال الزوج وتوقيف القائد؟ خاصة ان الزوجة صرّحت لوسائل الاعلام انها ليست هي من سربت الفيديوهات وبل تساءلت عن سبب تسريب فيدوهات بعينها دون أخرى؟ وألمحت إلى أن التسريب حدث من داخل ملف التحقيق، هنا تكون القصة واضحة، ونفهم جيدا لماذا التسريب الان وليس قبل شهرين؛ تم تسريب الفيديو الان لخلق قضية رأي عام جديدة تشغل الناس بعد أن كادت قضية خولة/دنيا بوطازوت أن تخبو، اذن لا بد من خلق قضايا تثير الرأي العام وتلهيه، حتى لا تطفو فضيحة باناما الى السطح مجددا، فعندما فشلت الخطة (أ) المعتمدة على التجاهل، اضطروا للجوء الى خطة (ب) التي اقتضت محاولة خلق قضايا اخرى وتصعيدها لتكون هي من تحتل واجهة المتابعة والاهتمام من طرف الرأي العام.

هل ستنجح الدولة في السيطرة على الاعلام الالكتروني؟

لقد بات واضحا أن الدولة واجهزتها تخوض سباقا ضدّ الساعة للتمكن من التحكم في الاعلام الالكتروني بعد أن اضحى يشكل خطورة كبيرة وينذر بتفجير ملفات وقضايا خارج دائرة تحكم الدولة في الاعلام، فتم اعداد مدونة للصحافة والنشر، سيتم المصادقة عليها خلال الأيام المقبلة، وتتضمن هذه المدونة شروطا ظاهرها الرغبة في تنظيم مجال الاعلام الالكتروني وتقنينه، وباطنها البحث عن التحكم في هذا الاعلام وكبح جماحه، ولعبت المدونة على حبلي العصا والجزرة، فبقدر ما سيتتمكن بعض المواقع الالكترونية من نيل الدعم العمومي، فإن مواقع اخرى سيتم حجبها بدعوى عدم امتثالها لشروط النشر الالكتروني.

إلى جانب المدونة التي يتم اعدادها، تم توجيه استثمارات مالية مهمة لخلق مواقع الكترونية جديدة لاغراق سوق الاعلام الالكتروني بعناوين الكترونية عديدة لمحاصرة ما يمكن أن يخرج على الضبط والتحكم القبلي، فعندما يُنشر خبر أو تحقيق أو تحليل في موقع الكتروني خارج دائرة ضبط السلطة، تتم محاصرته بعشرات الأخبار التي تنشرها المواقع الالكترونية الموجّهة، فقد ينشر موقعا الكترونيا خبرا عن فضيحة باناما، وفي نفس الوقت تنشر عشرات المواقع الالكترونية ذات الامكانات الهائلة تغطيات مباشرة وفيديوهات لنطحة خولة، فأكيد أن خبر فضيحة باناما سيضيع بين ردهات أخبار أنف دنيا بوطازوت ورأس خولة، وهذه طريقة خبيثة لمحاصرة الأخبار غير المرغوب فيها، مقابل فسح المجال أمام أخبار وموضوعات مشتهاة من طرف السلطة.

إن معركة الاعلام هي معركة مفصلية، والدولة انتبهت الى ذلك جيدا، فتحكمت في منح رخص الاذاعات الخاصة والقنوات، كما تحكمت في النشر الورقي عبر سياط الاشهار والطبع، وتحاول الان التحكم في الاعلام الالكتروني عبر عدة مداخل، لكن لا شيء سيضمن للسلطة نجاحها في ذلك، لأن نقل المعلومة وتداولها في زمن النت اضحى امرا سهلا ومنفلتا من أي سيطرة،  قد يقومون بحجب بعض المواقع الالكترونية بعد تنزيل المدونة، لكن لن تنتهي القصة هنا، ولن يفلح الحجب في طمس المعلومة، خاصة مع تغوّل مواقع التواصل الاجتماعي التي كادت أن تصبح بديلاً حقيقيا عن الاعلام الرسمي والمتحكم فيه.

خاتمة

إن محاولة القبض على الاعلام الالكتروني أشبه بمحاولة القبض على الماء، كلما جمعت قبضة اليد اندلق الماء من بين الأصابع، قد تستطيع الدولة حجب مواقع الكترونية معينة، وقد تنجح مؤقتا في اغراق السوق بمواقع الكترونية مهمتها تمييع المعلومة وتحويرها، لكن ابداً لن تنجح في بناء سياج متين يقيها من عواصف الفضائح المالية والسياسية والاجتماعية، فالسبيل الوحيد لتجنب هذه العواصف هو الاقتناع بضرورة القطع مع الاستبداد والفساد وبناء دولة الحق والقانون، لكن لأن غباء الاستبداد ملة واحدة، فمن المتوقع ان تستمر أجهزة الدولة في محاولة السيطرة والتحكم في كل شيء إلى أن تجد نفسها يوما لا تملك حتى ورقة التوت لتستر بها عورات الفساد والاستبداد، حينها سيكون قد فات الاوان، وسيكون الاستبداد قد حفر قبره بيديه من فرط غبائه…

صورة الصدارة للفنان البولندي بول كوزينسكي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.