تحليل: خطاب أحمد الزفزافي أو الدعوة إلى غسل الوطن من أدران التسلط

محمد المساوي

ألقى أحمد الزفزافي كلمة في الجلسة الافتتاحية لمؤتمر حزب الاشتراكي الموحد مساء الجمعة 19 يناير باسم معتقلي حراك الريف وعائلاتهم، حظيت بمتابعة كبيرة من داخل القاعة، وأيضا من خلال متابعة النقل المباشر والفيديوهات المسجلة.

وكان لافتا أن قدّم الزفزافي خطاباً متناسقاً انتزع به تفاعل القاعة، وربما كانت كلمته أكثر اثارة وأكثر متابعة، مقارنة بالكلمات الأخرى التي ألقيت في نفس الجلسة. وسنحاول في هذا المقال تقديم قراءة في هذا الخطاب للبحث عن أسباب قوته، وكيف استطاع أن ينتزع اعجاب الجمهور.

قبل البدء لا بد من التنويه أن تحليل الخطاب (أو بالاحرى التحليل الصحافي للخطاب خاصة في المغرب) غالبا ما يتجه نحو خطب الزعماء والرؤساء والوزراء، ونادراً ما يلتفت إلى تحليل خطابات الهامش، لعدة اعتبارات، منها ما هو مرتبط باختيارات سياسية أو تجارية أو دعائية أو..
اخترنا في هذا المقال التحليلي أن ننفلت من إسار هذه القاعدة المجحفة والمتخمة بالمركزية والاقصاء، وسنخصصه لتحليل خطاب رجل ليس وزيرا ولا رئيسا ولا زعيما سياسياً، هو رجل كان يعيش تقاعده كما الاف المغاربة، لكن تعاقب الأحداث وتواتر المستجدات فرضت عليه أن يترجل من تقاعده، وأن يحمل القضية بين جوانحه ويمضي بحثا عن الإنصاف والعدالة الغائبة.

ملاحظات شكلية أولية
ألقى الزفزافي خطابه في جلسة الافتتاح للمؤتمر الرابع لحزب الاشتراكي الموحد التي احتضنها مسرح محمد الخامس بالرباط، وكانت كلمته هي الثالثة على التوالي بعد كلمتي كل من الفيدارلية التي ألقاها علي بطوالة الكاتب الوطني لحزب الطليعة، وكلمة السفارة الفلسطينية التي ألقاها نائب السفير. وألقى الزفزافي كلمته فيما يقارب 19 دقيقة، تحدث بلغة عربية فصيحة، كما استطاع أن يتحكم في سلاسة تدفق الكلمات والتعابير دون أن يشعر المستمع بخدش أو نشاز يشوش على توالي الجمل والعبارات.

تكسير الجدار الرابع

كان لافتا أن ألقى الزفزافي كلمة مرتجلة دونما الاعتماد على القراءة من الورقة المكتوبة، كان هو الخطيب الوحيد من بين الخطباء الأربعة المتعاقبين على منصة الخطابة، الذي لم يقرأ من الورقة، وهذه الاستراتجية مهمة جدا من الناحية الخطابية ومن ناحية التأثير في المتلقي واقناعه، هي بمثابة تكسير الجدار الرابع في المسرح البريختي، اذ تتقلص المسافة بين الخطيب والمستمعين، وتجعل الجمهور يشعر بأنه جزء من هذا الخطاب، ويشعر بالاقتراب من شخصية الخطيب، عكس قراءة الخطبة من الورقة المكتوبة التي تجعل المستمع يتوهم نوعا من الحدود والجدار الفاصل بين الخطيب والمتلقي، فيقلّ التفاعل ويخفت التأثير، بينما التوجه إلى الجمهور مباشرة دون الاستعانة بالورقة يخلق نوعاً من التقارب والتآلف بين الخطيب والمستمع، وهذا بالضبط ما حدث مع كلمة الزفزافي، التي انتزعت تفاعل الجمهور، فنالت تفاعلاً فردياً من القاعة عبر اطلاق كلمات وتعليقات داعمة، و تفاعلاً جماعياً عبر التصفيق ورفع الشعارات.

ربط وقائع التاريخ بأحداث الحاضر

رغم أن كلمة الزفزافي كانت مرتجلة وليست مكتوبة إلا أنها لم تكن عشوائية، بل كانت ممنهجة ومبنية على نسق مُفَكر فيه قبلياً، اذ بنى الزفزافي خطابه على سلم منهجي اختار أن يستحضر فيه التاريخ لربطه بالحاضر، وفق قراءة ذكية اعتمدت استثمار الأحداث والوقائع التي تزكّي وتخدم الرسالة التي يروم توجيهها من خلال خطابه.
إن السرد التاريخي الذي اعتمده الزفزافي كان مفعما بالنّفَس الحجاجي، فعندما كان يسرد وقائع التاريخ بداية من حملة بوشتى البغدادي سنة 1898، فهو لم يكن يحكي فقط، بل كان يُحاجج، يقدم الحجج لتفنيد خطاب اخر، يحضر بشكل مضمر في ثنايا خطابه هو خطاب السلطة؛ خطاب الاتهام والاقصاء، وأيضا كان يقدم الحجج لإقناع الجمهور والمستمعين بغدالة القضية التي ينافح عنها.

إن انتقاء هذه الوقائع التاريخية كان بهدف تقديم مرافعة حجاجية ضد اتهامات السلطة لحراك الريف ولمعتقليه، ففي الوقت الذي تركز السلطة على الصاق تهم الانفصال بالحراك ومعتقليه، كان الزفزافي في مرافعته يقوّض اسس هذا الاتهام بتأكيده أنه ليس جديدا، بل هو اتهام قديم، في كل مرة يتم الصاقه بأهل الريف وبصيغ مختلفة، فاتهام قبيلة بقيوة الريفية بالقرصنة اواخر القرن 19، كان اتهاماً باطلا هدفه تبرير الحملة الوحشية لبوشتى البغدادي الذي كاد أن يبيد القبيلة عن بكرة أبيها، والحقيقة أن أبناء بقيوة لم يكونوا قراصنة يقومون بالاغارة على السفن ظلما واعتداءً، بل كانوا رجال البحر الاشاوس الذين يرفضون الظلم والاعتداء على ممتلكاتهم وسرقتها، لذلك كانوا يشنون عمليات قرصنة واسعة ضد التجار الأوروبيين الذين كانوا ينهبون ثروات افريقيا، ويتلاعبون بتعهداتهم تجاه الاهالي، من بينهم أهالي قبيلة بقيوة نفسها.

لذلك فالسبب الرئيس لحملة بوشتى البغدادي ليست هي ارغام البقيويين على الكف عن القرصة والاعتداء على سفن الغير، بل كان هو تأديبهم لانهم تجرأوا وطلبوا حقهم وعدم التلاعب بهم من طرف التجار الأوروبيين، وأحرجوا السلطان المغربي، ولأن المغرب حينئذ كان دولة مهترئة، تنهشها غربان الاستعمار من كل جانب، اختار السلطان العلوي أن يوعز لأحد قواديه ليخمد انتفاضة بقيوة حتى لا يُحرج أمام الأوروبيين، فاتهم الاهالي بالقرصنة تمهيداً لذبحهم وابادتهم.
تقريبا نفس القصة تُعاد الان مع حراك الريف، رغم أن الحراك كان واضحا، ومطالبه كانت جلية، ألى درجة أن الدولة نفسها ورئيسها اعترف بذلك في خطبه الرسمية بشكل ضمني، لكن عوض التجاوب مع هذه المطالب، وعوض شكر هؤلاء الشباب لانهم استطاعوا أن ينبهوا الدولة الى اختلالات خطيرة، ولأنهم فعلوا ذلك بمنتهى الرقي والسلمية، لم يحدث شيء من هذا، بل حدث العكس، اذ بحثوا بكل ما اوتوا من قوة عن تهم خطيرة لاغراق هؤلاء الشباب في السجون والمعتقلات، وكانت التهمة الجاهزة هي الانفصال، فكما كانت القرصنة تهمة أباحت قتل وذبح قبيلة بقيوة، ها هي تهمة الانفصال تستعد لاغراق شباب حراك الريف في غياهب السجون.

بين التناسي والنسيان

بعد وفاة الحسن الثاني وتولي محمد السادس العرش، تم التسويق يقوة لما سمي بالعهد الجديد، للايحاء أن ثمة قطيعة، على الأقل حقوقيا، بين نظام الحسن الثاني ونظام محمد السادس، وكانت هيئة الانصاف والمصالحة هي الالية التي صنعها النظام للتخلص من ارث الحسن الثاني في موضوع انتهاكات حقوق الانسان، وبنيت فلسفة الانصاف والمصالحة على تعويض الضحايا مقابل طي صفحة الماضي، فكان بمثابة صفقة شراء صمت ونسيان الضحايا، والعديد من الضحايا رفضوا هذه الصيغة، واعتبروها ناقصة ولا تبيّن رغبة حقيقية في القطع مع تصرفات الماضي، وها نحن الان بعد عقدين تقريبا من عهد الانصاف والمصالحة نرى نفس الاساليب تتكرر، مع معتقلي حراك الريف. وجوابا على هذا الواقع، صاغ الزفزافي في كلمته معادلة مؤداها: نتناسى لكن دون أن نغفر، وتكررت هذه العبارة/المعادلة 7 مرات في خطابه، إذ مر في حديثه على العديد من حالات التعذيب والاستشهاد التي عرفتها منطقة الريف، لكن كان يُمهر استذكاره لهذه الحالات بكوننا نتناسى، والتناسي ليس هو النسيان، التناسي يحفظ حق الضحية ولا يطالب بمسح الذاكرة ولا مسخها، هو نوع من تعالي الضحية على جروحها تَطَلُّعاً للمستقبل والعيش المشترك، بينما النسيان فهو ممحاة للذاكرة، وإكْراه الضحية على التنكر لجروحها وآلامها.

لا نتوسل ولا نتسول، بل نطالب بحقنا

اذا نظرنا إلى الصورة الكلية التي يتركها خطاب الزفزافي في ذهن المتلقي، فإننا سنجد أن العنوان الابرز لهذه الصورة هو التأكيد على أن عائلات المعتقلين خاصة وحراك الريف عامة، لا يتوسلون ولا يتسولون العطف، بل يطالبون بإحقاق الحق، ووضع حد لممارسات ماضي استصغار المواطنين، والنظر اليهم بكونهم مجرد قاصرين ورعية يجب أن تُساس وتُقاد بالتخويف والترهيب. وللدفاع عن هذا المطمح عمد الزفزافي الى التذكير بمحطات تاريخية، تبين أن الريف كانت دوما منطقة ترفض الظلم والحيف وتقف في وجهه الى اخر رمق، كما انها ترفض الخضوع والاستسلام ولو كان العدو في أقصى درجات قوته واستعداده، إذ ثمة معطى اخر متوافر لدى الريفين به ينتصرون على الحديد والنار والبطش والعتاد العسكري المتطور، هي عزيمتهم القوية ورفضهم المطلق للظلم، وهنا ذكّر بقصة الجنرال الاسباني سيلفيستري الذي كان يسخر من المقاومة الريفية في حضرة شركائه بقوله أنهم سيشربون الشاي قريبا في بيت محمد بن عبد الكريم الخطابي، لكنهم في الاخير لم يشربوا الشاي في منزل الخطابي بل شربوا كأس الهزيمة والاندحار أمام صلابة الريفين، شربوا كأس الهزيمة في أنوال التي ترسخت في الذاكرة الاسبانية باسم “كارثة أنوال”.
في نفس السياق ذكّر الزفزافي بقصة “بوحمارة” الذي طوع العديد من القبائل، واستسلمت لبطشه العديد من المناطق، لكن عندما أراد أن يجرب بطشه على الريفين كانت نهايته على يد قبيلة أيت وياغر في نهر النكور، وتم أسره والقضاء على حركته، فخلّص الريفيون أنفسهم من هذا المتهور المتعطش للدم والسلطة، كما خلّصوا المغرب عامة منه ومن تسلطه.
في كل الحالات التي ذكرها الزفزافي في خطابه كان جواب الريفيين لا توسل ولا تسول، نحن نخوض معاركنا من أجل الحرية والكرامة، واذا ما فرض علينا فسنخوضها الى اخر رمق، ولن نستسلم ابداً، وهذا ما يريد أن يبلغه الزفزافي بكل رباطة جأش وثقة في النفس، الى من يريد أن يهين المنطقة ويركعها.

سرعة البديهة وفطنة الزفزافي

تعامل الزفزافي بسرعة البديهة والنباهة مع مجريات القاء كلمته، وتجلى هذا في عدة لحظات، فمثلا عندما طلبت منه مقدمة الجلسة ختم خطابه بكلمة بالريفية، تلقف الطلب، وتوجه للجمهور قائلا: “سأتكلم بالريفية لكن أتوسل إليكم أن لا تعتبروني انفصالي” فانفجرت القاعة تصفيقاً وضحكاً، اذ أن الزفزافي هنا بسرعة البديهة التي يتمتع بها استغل طلب المقدمة ليسخر من تهمة الانفصال الموجهة للمعتقلين وللمنطقة.

وجبت الاشارة إلى أن خطاب الزفزافي اعتراه خلل بسيط، وهو خلل ناتج من عدم اعتياده على القاء كلمات في مثل هذه المناسبات، لكنه استدرك ذلك و عالجه بفطنته ونباهته المعهودة، ويتجلى هذا الخلل في عدم استثمار الوقت الممنوح له، إذ استهلك كل الوقت المخصص له في الجزء الأول من خطابه، بينما لم يستطع أن يتطرق الى الجزء الثاني منه بعد أن استنفذ وقته، اذ كان من المفترض أن يتحدث في خطابه أيضا عن معاناة المعتقلين في سجن عكاشة، ومعاناة عائلاتهم مع هذا الوضع الشاذ، الذي فرض عليهم أن يُحاكم أبناؤهم في الدار البيضاء وليس في الحسيمة، هذا ما بدا من خلال التصريحات الصحفية التي أدلى بها بعد هذه الجلسة، إذ تحدث في جل هذه التصريحات عن معاناة المعتقلين في سجن عكاشة، وعن السياسة الانتقامية التي تنهجها الادراة الجديدة للسجن ضد المعتقلين وعائلاتهم، ولم يتحدث عما جاء في كلمته، فكانت هذه التصريحات بمثاية تكملة أو الجزء الثاني للكلمة التي ألقاها أمام الجمهور في القاعة، وهنا تبرز فطنة وذكاء الخطيب، بأن استغل هذه الفرصة المتاحة (التصريحات الصحفية) لاستدراك ما فاته فوق المنصة.

خاتمة:
من خلال ما سبق يتبيّن أن الزفزافي قد نجح في ايصال الرسالة التي حملها خطابه، و نجح باقتدار في اقناع الجمهور والتأثير في المتلقي، كما نجح في لفت الانظار وجذب الاضواء، في مهرجان خطابي حضره الوزراء والأمناء العامون لبعض الأحزاب وبعض المفكرين والمبدعين والحقوقيين، غير أن الزفزافي كان الشخص الذي استقطب الاهتمام أكثر من غيره. كما أفلح في استغلال هذه الفرصة للدفاع عن القضية التي يتكلم باسمها، وتقديم صورة حضارية عن الحراك الشعبي بالريف، تفضح تهافت التهم الظالمة التي ألصقت به.

وكان ختامه رسالة قوية محملة على أجنحة مقولة لميخائيل نعيمة (نسبها سهوً أو خطأً لأديب ياباني)، مؤداها: “عجبت للذي يغسل وجهه مرات عديدة في اليوم ولم يغسل قلبه مرة طول حياته”، فرغم الطابع الرومانسي للمقولة، بيد أنه من خلال وضعها في سياق الخطاب وما جاء فيه، تبدو قوة الدلالة الثاوية فيها، إذ كانت صرخة من أجل القطع مع سياسة الانتقام، ودعوة لغسل الوطن من أدران التسلط واقصاء الاخر واتهامه زورا وبهتاناً، عوض الاكتفاء بغسل الوجوه لتزيين واجهة الوطن.

 

 

 

 

 

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.