تحليل: بين أحداث 16 ماي ووفاة عبد الله بَهَا وشك سيدنا إبراهيم عليه السلام

محمد المساوي

باتت وفاة وزير الدولة عبد الله بها وأمين سر عبد الاله بنكيران تثير العديد من الاسئلة، هي في الحقيقة أسئلة عادية ومتوقعة بالنظر الى الموت المفاجئ للرجل وأيضا بالنظر إلى الطريقة التي توفي بها وأين حدث ذلك.

فوفاة رجل يحتل منصبا مهما في الدولة والحزب الذي ينتمي إليه بتلك الطريقة من العادي جدا أن تفتح أسئلة وشكوك مختلفة، فغير العادي بالنسبة إلينا هو أن تنقل قصاصة الاخبار خبر وفاة الوزير بتلك الطريقة ويصدقها الجميع ويكفون عن الاسئلة، هذا هو غير العادي، فإ حدث وعم الصمت والسكون فهذا دليل على أن ثمة شيء غير عادي يحدث في هذا البلد، ففي كل بلاد الدنيا لو حدثت وفاة بهذه الطريقة لأثيرت العديد من الاسئلة وطرحت الكثير من الفرضيات والشكوك…

غير أن اللافت للانتباه هو هذه الرغبة الملحة لإخوان الراحل بَهَا في غلق الملف وعدم اثارة أسئلة تثير الشك حول حادث مقتله في اصطدام مع القطار القادم من البيضاء إلى القنيطرة، بدت على جل قادة حزب العدالة والتنمية رغبة ملحة في عدم اثارة أدنى شك حول طريقة وفاة الرجل، وهو ما يجعل المرء يتساءل عن سرّ هذه الرغبة الجامحة لدى اخوان الراحل في قتل الشك والاسئلة.

سنحاول في هذا التحليل البحث عما وراء هذا الرفض القاطع للتشكيك في حادث وفاة الراحل عبد الله بها

لا تقصص رؤياك يا أختاه

قبل يومين تداولت وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي قصة الحلم الذي راود النائبة البرلمانية عن حزب العدالة والتنمية، الحلم الذي كتبت فحواه على حائطها الفايسبوكي، قالت فيه أنها رأت في المنام وهي راكبة القطار إلى جنب الراحل عبد الله بها، وأخبرها ان القطار لم يدهسه، “قال لي عبد الله باها رحمه  الله عليه في المنام قبل الفجر بقليل، أنا لم يدهسني القطار”، وتعمدت النائبة البرلمانية الاشارة الى توقيت الحلم لتحيل إلى كونه ليس مجرد حلم بل هي رؤيا فيها شيء من النبوة، “الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ “(حديث نبوي رواه الامامان)، فقولها قبل الفجر فيه إصرار على وسم الحلم كونه رؤيا تحمل اليقين، فمعروف دينيا أن الرؤيا يمن بها الله على عباده قبل الفجر، أما الذي يأتي بعد الفجر فهو مجرد حلم لا يرتقي إلى مرتبة الرؤيا.

الحلم/الرؤيا زاد في تغذية خطاب التشكيك والنفخ فيه، خاصة مع توارد أخبار متضاربة تناقلتها الصحف الالكترونية والورقية ومواقع التواصل الاجتماعي حول حيثيات الحادث، ولم تمر الا ساعات حتى انبرى محمد يتيم بوصفه منظر العدالة والتنمية و”فقيهها” المعتمد، فكتب على حائطه الفايسبوكي ردا عنيفاً على البرلمانية خديجة أبلاضي، افتتحه بقوله “أمسكوا علينا رؤاكم وتخرصاتكم”، حيث طالب بالإمساك عن سرد مثل هذه الرؤى، التي جعلها مرادفة للتخرصات، والتخرص هو الافتراء والكذب، “إنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ” (الأنعام 148)، يعني أن يتيم وجه خطابه الى النائبة قائلا: كفّي عن سرد رؤاكم وافتراءاتكم؟؟ أن يطالب بالكف عن قص الرؤى هو أمر مفهوم، لكن أن يضيف، مطالبا منها وعبرها أعضاء حزبه وكل من يثير الاسئلة، بالكف عن الافتراء والكذب، فهنا ينتصب سؤال محرج وهو: من قال للسيد يتيم أن هذا افتراء وكذب؟ كيف حسم أنه كذب وافتراء رغم أن حزبه لم يصدر بيانا واضحا في الموضوع بعد، وأن نتائج التحقيق لم تعلن بعد، فكيف يجزم السيد يتيم أن كل تشكيك في طريقة وفاة بَهَا هو تخرص وكذب وافتراء؟ أو بصيغة أخرى ما الذي يخفيه يتيم وجعله يجزم أن هذا كذب وافتراء؟ أم أن الرجل نفسه يعرف أنها شكوك مشروعة وعادية، لكنه اضطر الى توظيف هذا الجزم في خطابه ابتغاء مرضاة جهة ما قد تؤذيها تواتر الشكوك حول وفاة بَهَا؟ ثم أَلذلك افتتح يتيم رده بالحث على الابتعاد عن التخرصات ثم أنهاه بنفس التحذير: “أمسكوا علينا رؤاكم وتخرصاتكم!!!”وهي الجملة التي تكررت في رده القصير مرتين؛ في بداية الرد وفي نهايته. كما ذهب في رده إلى حد تنبيه البرلمانية إلى كونها لم تتبع سنة رسول الله في التعامل مع الرؤيا، يقول يتيم في ردّه على أبلاضي” من السنة أيضا أنه إذا رأى الواحد منا رؤية فيها سوء ألا يحدث بها، وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويتفل على شقه الأيسر فإنها لا تضره، ومن الخطأ نشرها على الحيطان كي تتحول مادة للإثارة والتشكيك “، هنا يتهم يتيم البرلمانية كونها زاغت على سكة السنة النبوية، وجعلت من حلمها مادة للإثارة والتشكيك.

تشكيك سيدنا ابراهيم عليه السلام في وجود الله

خلال الملتقى الوطني الأول للكتاب المحليين لحزب العدالة والتنمية انعقد في يناير 2011، قال عبد الاله بنكيران في كلمة بالمناسبة:” إن سيدنا إبراهيم عليه السلام قد شكك في وجود الله. فكيف لا يحق لبنكيران أن يشكك في أحداث 16 ماي الإرهابية ؟”، قال هذا الكلام ردا على بيان لوزارة الداخلية انذاك كان قد حذّر من “التشويش على الجهود التي تبذلها بلادنا في مواجهة الإرهاب، واستصغار ذكاء المغاربة وعدم احترام مشاعرهم الوطنية، خاصة مشاعر أسر شهداء وضحايا الأحداث الإرهابية” حدث كل هذا قبيل انطلاق الحراك الشعبي في المغرب، وارتفاع حدة الخطاب بين البيجيدي وفؤاد عالي الهمة الذي كان حينئذ قد أظهر ابتعاداً عن القصر وانخرط في العمل السياسي الحزبي في حزب الاصالة والمعاصرة، حينها وصفه بنكيران “بالصلكوط” الذي خرج على قناة تلفزيونية رسمية لدولة مسلمة ليسبّ الاسلام ويسخر منه.

كانت المطالبة بإعادة التحقيق في احداث 16 ماي تنطوي على نوع من الغمز والضرب تحت الحزام يوجهه البيجيدي لفؤاد عالي الهمة، بل ان بنكيران صرح مرة أنه يشك في اسماء بعينها قد تكون وراء أحداث 16 ماي الذي كان المستهدف الاول منها هو حل حزب العدالة والتنمية، وتحدث عن الهمة بكونه رأس أفعى المشروع الاستئصالي الذي يستهدف حزبه.

الشاهد عندنا في ايراد هذه المعطيات، أو بالأحرى التذكير بها، هو رصد هذا التناقض الصارخ في خطاب البيجيدي، آنذاك و رداً على بيان وزارة الداخلية قال بنكيران أن من حقه أن يشك، ومن أجل الدفاع عن حقه هذا، وظّف حجة دينية قوية بأن قال أن النبي ابراهيم عليه السلام نفسه شك في وجود الله، فكيف تريدونني أن لا أشك في حيثيات أحداث 16 ماي؟

لكن، السؤال المطروح؛ ألا تصلح هذه الحجة نفسها للرد على تحذيرات يتيم والرباح واخرون؟ إذا كان النبي ابراهيم عليه السلام قد شك مرة في وجود الله كما قال بنكيران ذات خطاب سياسي،وهي الحجة التي استند اليها  ليشرعن شكه في أحداث 16 ماي، فكيف يستكثرا الرباح ويتيم أن يشك الناس في وفاة مفاجأة للوزير عبد الله بَهَا في مكان عرف قبل شهر وفاة القيادي في الاتحاد الاشتراكي أحمد الزايدي؟ ألم تعد قصة سيدنا ابراهيم وشكه حتى في وجود الله مجدية؟ ام هي صالحة للاستعمال حسب السياق والمصلحة ؟؟؟

لماذا الخوف من الشك في وفاة بَهَا

إن النرفزة المبالغ فيها التي تعامل بها قياديو العدالة والتنمية مع وفاة عبد الله بَهَا، وخصوصا مع الاسئلة والشكوك المشروعة التي طُرحت وتطرح على حيثيات الوفاة، بالنسبة إلينا مردّها افتراضين اثنين:

  • إما أن هؤلاء يعرفون جيدا حيثيات الوفاة واثروا أن يتكتموا حولها لسبب أو أسباب معينة، لذلك يتعاملون ب”السب” والتحذير لكل من طرح أسئلة تروم قطع الشك باليقين.
  • وإما ثمة تخوف كبير لدى قادة البيجيدي من  تواتر هذه الشكوك قد تفهم منه “الدولة العميقة” او الماسكين بالقرار السياسي في المغرب أن الحزب هو من يغذّي هذه الشكوك رغبة منه لخلط الاوراق وزرع الشك في كفاءة وصدقية أجهزة الدولة، خصوصا تلك الماسكة بالملف الامني.

ملاحظة أخيرة:

ثمة ملاحظة يجب الانتباه إليها هي أن السيد بنكيران عندما أراد أن يشرعن شكه في أحداث 16 ماي وظف حجة دينية، كذلك الامر مع السيد محمد يتيم وظف حججا دينية، لكن ليس ليشرعن الشك بل ليجرمه ويحذّر الناس منه ويُسكت النائبة البرلمانية خديجة أبلاضي؟؟ وتلك خطورة توظيف الدين في سفاسف السياسة، مرة بواسطته يشرعنون وأخرى بواسطته يحرمون

7 تعليقات
  1. عبد الحليم يقول

    والآن تفضل أنت يا كاتب المقال أرنا حيثيات وأسباب وفاة عبد الله باها رحمه الله ، العنوان أكبر بكثير من المحتوى ،أن تكتب كل هذا ،لتقول لنا أن العدالة والتنمية يستغلون الدين لخدمة السياسة ،مقولة قديمة ،لطالما رددها الكثيرون ،أرجو أن تكون صادقا مع نفسك وأن تكون جديا في كتاباتك ،وأن يكون وطنك هو همك أولا وأخيرا

  2. عدنان يقول

    لعل إخوان الراخل الذين أصبحوا يختصرون مناقبه في اسم الحكيم ربما يخافون من إثارة الشكوك والأسئلة ان تجر عليهم غضب من كان “الحكيم” يعمل جاهدا لتحاشيه، فالحفاظ على الكراسي لايجعلك تتماهى مع مصالح الحكم، بل يصل الأمر ان تخرص لسانك حتى على طرح السئلة والاستفسارات المشروعة حول لغز مقتل عبدالله باها.

  3. عبد اللطيف رشدي يقول

    أوﻻ سبدنا إبراهيم لم يشك مطلقا في وجود الله و لكن قال ( ربي أرني كيف تحيى الموتى، قال أولو تؤمن قال بلى و لكن ليطمئن قلبي )ثانيا بن كيران ﻻ بمكنه أن يسقط هذه السقطة و يفتري على سيدنا إبراهيم .خلاصة القول هذا الخطأ مقصود

  4. أﺑﻮ نهى يقول

    ﺍﺭﻳﺪ أن أﺷﻴﺮ ﻫﻨﺎ ﻓﻘﻄ ﺍﻟﻰ ﺷﻴﺀ, أﻭﻟﺎ ﺍﻟﻠﻪ ﻳﺮﺣﻢ ﺑﻬﺎ و ﺟﻤﻴﻊ أﻣﻮﺍﺗﻨﺎ و ﺟﻤﻴﻊ ﺍﻟﻨﺎﺱ..ﺍﻟﺸﺨﺺ ﻓﻲ ﺣﺪ ﺫﺍﺗﻪ ﻗﺒﻞ أن ﻳﻜﻮﻥ ﻭﺯﻳﺮﺍ و ﺳﻴﺎﺳﻴﺎ ﻓﻬﻮ انساﻥ ﻗﺪ ﻳﺨﻂﺀ ﻳﺴﻬﻮ يسيء ﺍﻟﺘﻘﺪﻳﺮ و ﺑﺎﻟﺘﺎﻟﻲ ﻗﺪ ﻳﺼﺪﻣﻪ ﻗﻂﺎﺭ ﻛﻤﺎ ﺻﺪﻡ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻗﺒﻠﻪ و ﺳﻴﺼﺪﻡ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺑﻌﺪﻩ..أ لأﻧﻪ ﺭﺟﻞ ﻳﻌﺮﻓﻪ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻟﺎ ﻳﻤﻮﺕ ? ﻟﻘﺪ ﻣﺎﺕ ﻗﺒﻠﻪ ﻧﺎﺱ ﻛﺜﺮ ﺑﻨﻔﺲ الطريقة و ﻟﻢ ﻳﻂﻞ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺣﻮﻝ ﻣﻮﺗﻬﻢ..ﺛﺎﻧﻴﺎ ﺍﻟﺮﺟﻞ ﺭﺣﻤﻪ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻴﺲ ﻓﻲ ﻣﻮﺗﻪ ﻣﺎ ﻳﻐﻴﺮ ﻣﻦ ﻣﻮﺍﺯﻳﻦ ﺍﻟﻘﻮﻯ أو ﻣﺎ ﻳﺰﻋﺰﻉ ﻣﻦ ﺍﺳﺘﻘﺮﺍﺭ الا ﻋﻨﺪ أﻫﻠﻪ و ﺫﻭﻳﻪ..أﻧﺘﻢ ﺗﻌﻠﻤﻮﻥ ﺭﻋﺎﻛﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﻣﻦ ﻫﻮ ﺍﻟﺸﺨﺺ ﺍﻟﻤﻬﻢ ﻓﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺒﻠﺪ و ﻣﻦ ﻫﻢ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﻳﻌﺘﺒﺮﻫﻢ ﻓﻲ ﻣﺤﻴﻂﻪ ﺍﻟﻤﻘﺮﺏ.ﺭﺣﻢ ﺍﻟﻠﻪ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ.

  5. محمد المساوي يقول

    إلى صاحب التعليق رقم 2 عبد اللطيف رشدي
    يا صديقي ليس من عادتي أن احشو مقالاتي بالكذب ولا الأخطاء المقصودة، كما أنني احترم كل الذين يختلفون معي، وهو امر عادي ، لكن ازدري من يختلف أو يعارض من اجل الاختلاف فقط، او محاولة لتسفيه فكرة ربما اصابته في مقتل.
    يا صديقي تتهمني بأني كذبت على بنكيران، معاذ الله ان أفعل، لكن لأن حبل الكذب قصير، فاسمع، لترى من يكذب انا ام انت؟ اليك مقتطف من مقال من جريدة التجديد، لسان حال حزب العدالة والتنمية، المقال ورد في جريدة التجديد عدد 4 يناير 2011، والمقال كتبه الصحافي عبد الصمد بنعياد، يقول في المقال:
    “وجدد بنكيران شكره لموقف الملك ”الذي لم يسمح للترهات التي كان بعض الانتهازيين يريد استغلالها ضد العدالة والتنمية، ومن بينها المطالبة بحل الحزب” عقب أحداث 16 ماي المؤلمة التي عرفتها مدينة الدار البيضاء. وعن المواقف الأخيرة التي اتخذها الحزب: قال بنكيران ”إن الشك حق مشروع، وإذا كان النبي إبراهيم عليه السلام قد شك في الله عز وجل رغم إيمانه به، أفلا يحق لابن كيران الشك في من كان وراء 16 ماي الإجرامية”، مشيرا إلى أن من حق المغاربة معرفة كل الحقائق التي تقع بوطنهم.”

  6. ahmed يقول

    ربما السيد يتيم واخوانه يخافون من الذهاب في التحليلات الى فرضية الانتحار.وهو ما يستبعد في حق المرحوم باها

  7. د.خالد يقول

    قراءة واقعية ومؤسسة على عقلانية يفتقدها المغاربة بقدرة قادر ويسترجعونها بقدرة نفس القادر متى تماشت هذه العقﻻنية مع التناغم العام ولو على أخطاء ظاهرة للعيان . تجاهلتم امكانية اليد الخارجية، وربط الموقع بما سبق من وفاة اغمض للزايدي وﻻ اعني الجيران ولكن مخابرات خارجية وهنا وجب انتظار مصائب اخرى وهجمات اكثر ضررا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.