تحليل: بعد خرجة زيان وبلاغ مندوبية السجون.. لماذا يصفون حساباتهم على ظهر حراك الريف؟

محمد المساوي

سعد الدين العثماني

منذ بداية الاعتقالات اواخر شهر ماي، انتقل حراك الريف الى مركز اهتمام الدولة والنخب السياسية والجمعوية والحقوقية، منذ ماي المنصرم وحراك الريف يحتل صدارة الاخبار والاهتمام، فتناسلت المبادرات والتقارير وتكاثرت الاشاعات والاخبار المتضاربة، الى جانب كل هذا بدا كما لو أن محيط الحكم منقسم بين طرفين على الاقل أو اكثر، كل واحد يقدم نفسه الأجدر بحل الملف، ومساعدة الملكية على تجاوز هذه المحطة، بعد أن تكاثرت الملتمسات والتصريحات التي تؤكد أن الحل الوحيد بعد كل هذا يوجد بيد الملك وحده.
بيد أن اكثر المدافعين والمنادين بتدخل الملك لا يملكون جوابا ولا تصورا واضحا حول تفاصيل التدخل الملكي، ومنهم من يتخوف أن يكون التدخل الملكي غير مجدٍ ولن يحل المشكل، فحينئذ سيكون الحكم قد خسر كل اوراقه، وأحرق ورقة الملك بوصفه الملجأ الاخير، وإن فشل التدخل الملكي في ايقاف الاحتجاجات وحل المشكل فحينئذ سنكون بصدد مرحلة اخرى من تعامل الدولة مع حراك الريف.

في خضم هذا الغموض وهذا الارتباك، تناسلت قرارات واجراءات سلطوية غير مفهومة، وبدا كما لو أن ثمة داخل السلطة من يشرّق واخر يغرّب بصدد حراك الريف، كما يبدو أن ثمة محاولات لتصفية حسابات سياسية وشخصية على ظهر الحراك، ولنتذكر زيارة فؤاد عالي الهمة لبنكيران والتصريح الماكر الذي أدلى به بعد ذلك، حيث نفى أن يكون قد تداول مع بنكيران في موضوع حراك الريف، لكن أصر على تمرير رسالة مفادها أن بنكيران جزء من المشكل، وأن الحراك بدأ في عهد حكومته.

من خلال تتبع طبيعة ردود الافعال والمبادرات وما يجري على أرض الواقع، يبدو أن ثمة اصطفافين رئيسين كل واحد يريد أن يلقي بتبعات الحراك على الاخر، وهناك من وجد في الحراك فرصة لتصفية الحساب مع خصومه.

الحرس القديم في مواجهة الحرس الجديد

تحدثت بعض التقارير الاعلامية الوطنية والدولية عن وجود تفاوت في تعامل الاجهزة الامنية مع الحراك، فالعناصر التابعة للامن الوطني وللقوات المساعدة، بدت اكثر اندفاعا وافراطا في استعمال القوة، بينما يخفت هذا الافراط والاندفاع لدى قوات الدرك، ولتمطيط هذه الفكرة فثمة حديث عن عدم اتفاق كبير الدرك الملكي حسني بنسليمان مع القبضة الامنية التي تنهجها وزارة الداخلية التي يتحكم فيها فؤاد عالي الهمة وهو من يضنع رجالها ويشرف على عملهم.

هذا اللاتوافق في مسألة التعامل الامني مع حراك الريف بين بنسليمان والهمة، وجده ضحايا الهمة من النخب السياسية وأبناء دار المخزن المطرودين أو الذي همشوا لسبب او لاخر، فرصة “لرد الصرف” للهمة، ومحاولة إقناع الملك أن سبب كل هذا التعقيد الذي طال حل مشكل حراك الريف يعود إلى السياسة الامنية المتهورة والمبالغ فيها التي نهجها الهمة، ولذلك تجد كل المصطفين لاغتنام هذه الفرصة يتحدثون ويتوجهون بأصابع الاتهام إلى “الذي أو الذين رفعول تقارير أمنية كاذبة الى الملك تتهم ساكنة الحسيمة بالانفصال” وهنا يقصدون وزير الداخلية لفتيت الذي صاغ تقريرا صور احتجاجات الحسيمة كما لو أنها مؤامرة أُعد لها لفصل الريف عن المغرب، وعندما يقصدون لفتيت فهم يشيرون أيضا الى الهمة بوصفه الماسك بالملف الامني من داخل المحيط الملكي وهو من يتحكم بوزارة الداخلية، وهو من أوعز للفتيت لصياغة التقرير بذاك الشكل والمضمون، ما دام ان الكل يعرف أن هذه الوزارة هي وزارة منذورة للقصر الملكي ضمن وزارات أخرى تسمى وزارات السيادة.

لذلك يبدو أن الاصطفاف باتت معالمه واضحة، من جهة هناك الحرس الجديد (رجال العهد الجديد) على رأسهم مستشار الملك الهمة ووزارة الداخلية واتباعهم في الحقل الحزبي والجمعوي و… من جهة أخرى هناك الحرس القديم الذي يبدو أن رأسهم هو حسني بنسليمان، أو على الارجح حتى إن بدا بنسليمان غير مستعد ومتحمس للدخول في صراع مثل هذا، لكن يبدو أنه ترك الباب مواربا لضحايا الهمة ليختبئوا وراءه ويستجمعوا قواهم لرد الصرف لخصمهم الشخصي.

أبرز اشخاص “جبهة ضحايا الهمة” يظهر الثعلب العجوز المحامي محمد زيان الذي يعتبر نفسه ابن دار المخزن واحد أوفياء خدام الملكية، لذلك فهو لم ولن يستسغ أن يتم رميه وابعاده عن دار المخزن من طرف رجال العهد الجديد المتحلقين حول الملك محمد السادس، وغالبا ما يرى أن سبب ابعاده هو فؤاد عالي الهمة وليس الملك نفسه، لذلك في جل خرجاته وتصريحاته يكون منطوقها الاساس التعبير عن الاخلاص التام للملك محمد السادس وفي نفس الوقت يهاجم الهمة احيانا بالتصريح وأخرى بالتلميح.

من الطبيعي أن خرجات محمد زيان ونزوله القوي للدفاع عن معتقلي حراك الريف وتنصيب نفسه لتقديم مبادرات حل للملف، لا يقوم بها لوحده، بل ينسق مع اطراف واشخاص اخرين، ومن غير المستبعد أن يكون بنكيران أحد هؤلاء الذي ينسق معهم، وثمة اشارات دالة على ذلك، زيارته لمنزله رفقة والدي الزفزافي، ثم هجومه في تصريحاته على البام والهمة ووزارة الداخلية دون أن يهاجم الحكومة ولا أن يتهم بنكيران بأية مسؤولية حول الموضوع كما المح الهمة في تصريحه، بالاضافة إلى أن الاعلام المقرب من البيجيدي، وبالاخص الاعلام المقرب من بنكيران يدافع عن زيان ويعمل على نقل تصريحاته بشكل متتال، ولعل اخر فصول هذا الدعم الاعلامي لزيان افتتاحية توفيق بوعشرين التي هاجم فيها مندوبية ادارة السجون على اثر بلاغها ضد زيان بسبب الرسالة المنسوبة إلى الزفزافي، وادارة السجون هذه على رأسها التامك المحسوب على الفعاليات اليسارية والحقوقية التي استقطبها الهمة لتأثيث العهد الجديد، ولذلك فبوعشرين عندما يقرع ادارة السجون فهو يصوب على الهمة نيابة عن بنكيران الذي لا يمكن أن يتكلم بسوء عن الهمة ولا غيره من مستشاري الملك لقناعة أصبحت راسخة لديه بعد التقريع الذي وُجّه له ولحليفه نبيل بنعبد الله في حوادث مماثلة، خرج منها بنكيران بخلاصة مفادها:”الملك كيتقلق مين كيجبد لو شي حد المستشارين ديالو”، وبهذا يمكن تفسير عدم رد بنكيران على تصريح الهمة حول زيارته له، ولذلك ايضا لا يريد أن يظهر في الواجهة في ملف حراك الريف، ويكتفي بدعم مناوئي الهمة دون أن يبرز في الواجهة الامامية لاتقاء غضب الملك. كما أن زيان عندما قرأ بلاغ المندوبية ضده فهمها أنها رسالة من الهمة مؤداها “سير تلعب حدا باب داركم” ولا تقترب إلى حيث أصول وأجول ولا يغرنك من يدفعك ويدعمك من وراء.

رسالة الزفزافي وصراع الحرس الجديد والقديم

بعد الجدل الكبير الذي أثير حول الرسالة التي خرج بها زيان مدعيا أنها لناصر الزفزافي، بدا هذا الصراع أكثر وضوحا، فلم تلبث خرجة زيان ساعات حتى نزل عليها بلاغ مندوبية السجون ليبعثر الاوراق ويخنق في المهد أي محاولة لحلحلة ملف حراك الريف من طرف أشخاص او هيئات تصطف في الجهة الاخرى المقابلة للجهة الماسكة بالملف الامني بالمغرب.
بعد التصريحات المتضاربة واللغط الذي أثير حول صحة نسبة الرسالة إلى الزفزافي من عدمها، وبعد تصريحات زيان المتواترة وبلاغ مندوبية السجون، بدأت معالم القصة تظهر شيئا فشيئا، والراجح أن الرسالة فعلا كُتبت بخط يد ناصر الزفزافي، واتفق مع مضمونها وفق الشروط والحيثيات التي وعده بها زيان، بينما صياغتها تكلف بها زيان، وقد يكون كتبها أحد من محيطه او أي احتمال اخر، الاساس هو أن الرسالة أشرف عليها زيان وحملها في حقيبته، وفي جلسة مع ناصر خلال زيارته تم اطلاعه على الرسالة، و بعد الاتفاق على مضامينها، ثم قام ناصر بنسخها بخط يده إلى اوراق اخرى ثم التوقيع عليها وحملها زيان في حقيبته من جديد.

لكن الحلقة المفقودة في هذا السيناريو هي طبيعة الضمانات التي وعد بها زيان ناصر الزفزافي، ثم ماذا قال زيان للزفزافي عن الرسالة؟ هل هدفها هي البحث عن البراءة لموكله وطلب منه هذه الرسالة ليضمنها ملفه المعروض على القضاء؟ ام أن زيان قد يكون وعد ناصر أن هناك حل من الدوائر العليا، ربما من الملك نفسه او من محيطه، من أجل توقيع هذه الرسالة لتكون المقدمة التي ستمهد للحل، ليخرج المعتقلون ويتحقق الملف المطلبي، في المقابل سيتم تحميل مسؤولية ذلك لبعض وزراء الحكومة وبعض رجال وزارة الداخلية وبعض منتخبي البام خصوصا لتبقى الملكية منزهة عن أي مسؤولية فيما جرى.

كما أنه حري بالتذكير أن الرسالة لم تكن وليدة لحظة، بل هي -كما صرح زيان نفسه في فلتة لسان-  نتيجة عشرة لقاءات تمت بينه وبين ناصر الزفزافي.

إن تدخل مندوبية ادارة السجون كان هدفه اجهاض هذه الخطوة التي أقدم عليها زيان، فإن كان هدف الرسالة أن تكون مقدمة لحل قادم، فإن معسكر الهمة رفض أن يتم سحب البساط من تحت أقدامه، والمضي في مبادرة للحل دون أن يكون هو المتحكم فيها، فكان الجواب هو صابونة بلاغ مندوبية السجون التي وضعت في طريق زيان، وجعلته تحت نار قصفها. أما إن كان هدف الرسالة هو البحث عن البراءة لموكله فقط، فإن معسكر الهمة لم يعجبه أن يتم نشرها وأن يتم التعامل معها بصفتها تتجاوز كونها وثيقة تبحث عن البراءة لموكله، إلى مقدمة لمبادرة يتم التمهيد لها.

في كلا الاحتمالين وجد ناصر الزفزافي نفسه كما لو أن زيان لم يلتزم بما اتفق معه، فإن كان قد وعده أن الرسالة ستكون مقدمة لمبادرة تحوز رضى الدوائر العليا والملك نفسه، وبالتالي فإن لا شيء سيقف امامه، ما عليه إلا أن يوافق على مضمون الرسالة ليتم الذهاب الى أجرأة مبادرة الحل، لكن عندما علم ببلاغ مندوبية السجون، وعندما تواصلت معه ادارة السجن وجد نفسه في دائرة الاتهام، وهو الذي كان يبحث بحسن نية عن سبيل للخروج من الاتهام والبحث عن حل للمشكل، هنا سيجد ناصر نفسه كما لو ثمة تلاعب به؛ فكيف يقول له زيان أن الرسالة هي مقدمة لمبادرة تحظى بموافقة الدوائر العليا، وفي نفس الوقت ادارة السجن تلومه وتتهمه وتطلب منه تصريحا كتابيا للتنصل من الرسالة.
وفي الاحتمال الثاني ان كان غرض الرسالة حسب ما أبلغه زيان للزفزافي هو البحث عن البراءة له من خلال ضمها كوثيقة في صالحه الى ملفه لتدعم قرائن براءته، فإن زيان تجاوز هذا ونشر الرسالة كمحاولة منه لبعث رسائل الى من يهمهم الامر بكونه أضحى رقما صعبا في ملف حراك الريف، والدليل أن قائد الحراك مكنه برسالة بخط يده، ومن توقيعه، وفي الرسالة اشارات توحي أن زيان نجح في اقناع قائد الحراك، بتوجيه السهام الى مسؤولي السلطة المحلية والذين يكذبون على الملك، كما أنه حاول أن يسوق للرسالة من خلال منح سبق نشرها لاعلام حزبه حصريا.
في تقديرنا هذه السيناريوهات التي رسمناها هنا، بناء على معطيات، وعلى تحليل وتتبع تصريحات المقربين الى الموضوع، هي من جعلت الصورة تبدو غامضة، فأمام هذه المعطيات يمكن أن نفهم تصريح والد ناصر أن الرسالة من عند ابنه وأنها كُتبت بخط يده، كما أنه يمكن أن نفهم سر بلاغ مندوبية ادارة السجون وحديثه عن تسلمها تصريحا مكتوبا من طرف الزفزافي ينفي صلته بالرسالة، وبين تصريحات بعض المحامين الذي نقلوا عن الزفزافي أنه يتفق مع مضمون الرسالة.

حل ملف حراك الريف بنكهة الانتقام

يبدو أن قدر حراك الريف أن لا يهتدي مسؤولو هذا البلد إلى حل يرضي الوطن إلا بعد تصفية الحسابات وتقديم قرابين لتذبح على هامش حل ملف حراك الريف، معسكر الهمة لا يريد تفويت الفرصة للانتقام من حكومة بنكيران وكل من اصطف الى جانبه ورَفضَ احداثيات رَسْم الخريطة الحزبية المخزنية التي يشرف عليها الهمة، وهذا ما بدا من خلال بلاغ الناطق باسم القصر الملكي بعد المجلس الوزاري الاخير، اذ بدا أن الحل سيكون معمدا بتقديم وزراء ومسؤولين حكومين للمساءلة وربما قد تسير الامور الى حد رفع الحصانة عنهم ومحاكمتهم، ويظهر في فوهة مدفع المساءلة ثلاثة وزراء من حزب التقدم والاشتراكية الحليف الوفي للبيجيدي او بالاحرى لبنكيران، بالاضافة الى بعض وزراء البيجيدي الذين يسيرون وزارات لها ارتباط بمشاريع “منارة المتوسط”.
ومن جهته، فالمعسكر الاخر يريد أن لا يفوت فرصة “رد الصرف” للهمة والانتقام منه بتسميته المسؤول الأول عن توتير الاجواء في منطقة الريف لسببين اثنين: طريقة تدبيره للملف الامني، وثانيا تغوله على الحقل الحزبي وتحميله مسؤولية ابراز حزب الاصالة والمعاصرة بوصفها القوة السياسية الحزبية الاولى في الريف، فحسن أوريد و زيان والمقربين إلى بنكيران يرون سبب الوضع في الريف مرده الى طبيعة التدبير الامني في المنطقة والتدبير الحزبي، اذ قال أوريد مثلا في مقاله الاخير حول الحراك “فقد تحولت الإدارة الترابية (وزارة الداخلية) الموكولة بالإشراف على شؤون المواطنين وتدبير النخب، إلى أداة تقنية، تَغُلُّها الإجراءاتُ البيروقراطية، والمقارباتُ التدبيرية غير المطابقة للواقع، ورُؤى مملاة من المركز، وهو الأمر الذي أفضى إلى أخطاء تدبيرية واختلالات، زاد من استفحالها تضخم حزب نشأ من رحم السلطة، وهو حزب الأصالة والمعاصرة، أصبح بنية موازية، يتنافى ومنطق الدولة، ومن شأنه أن يصطدم بها.” معناه أن المشكل في الريف مقدود من سببين اثنين وزارة الداخلية وحزب الاصالة والمعاصرة، ومحمد زيان حاول أن يتجاوب مع بلاغ الناطق الرسمي باسم القصر الملكي بطريقة تتجاوز خطاطة توجيه التهم الى الوزاراء الذين يسيرون وزارات مرتبطة بمشاريع المنارة لتشمل “الضابط عصام” ابن وزارة الداخلية ويوسع من دائرة الذين كذبوا على الملك لتشمل سلطات محلية ومنتخبين ومسؤولين حكومين ودكاكين سياسية، وهي الدكاكين التي قال عنها زيان في تصريح بعد بلاغ مندوبية السجون أن المقصود بها البام دون ان يذكر حزبا اخر رغم أن الدكاكين هي صيغة جمع.
مع استحضار كل هذه المعطيات يمكن أن نضيف بعض توابل جون واتربوري صاحب كتاب “أمير المؤمنين، الملكية والنخبة السياسية في المغرب” إذا علمنا أن حسني بنسيلمان تجمعه قرابة عائلية مع كل من الخطيب الاب الروحي للبيجيدي وعراب بنكيران لدى دار المخزن، واحد ابناء الدار من الحرس القديم منذ كان طبيبا خاصا للملك محمد الخامس، بالاضافة الى علاقته (أي الجنرال حينس بنسليمان) العائلية باسماعيل العلوي ضمانة حزب التقدم والاشتراكية لدى دار المخزن، وبالضبط هؤلاء (وزراء التقدم والاشتراكية والبيجيدي) هم من يريد معسكر الهمة تحميلهم كل المسؤولية.
بغير هذا وذاك، فإن المتتبع الموضوعي لملف حراك الريف سيتبين له بوضوح أن السبب وراء هذا الاحتقان ليس وزارة الداخلية لوحدها وليس دعم هذه الوزارة لحزب البام في المنطقة كما يحاول أن يختزل الموضوع منتخبو حزب بنكيران، كما أنه في المقابل ليس المسؤول عن هذا الاحتثقان تلكؤ وزراء حكومة بنكيران ولا حكومة العثماني لوحدهما عن تنفيذ المشاريع التي يدشنها الملك انتقاما من البام كما يحاول أن يسوق منتخو البام، بل اساسا المسؤول عن هذا كله هو النظام نفسه، بوزارة داخليته وحكومته وسياسته، هؤلاء المتصارعون كلهم جزء من الازمة وجزء من المشكل، مع تفاوت درجة مسؤولية كل واحد منهم. المشكل الاساس يكمن في غياب ارادة سياسية لتحقيق مصالحة حقيقة بين الشعب ومؤسسات الدولة، غياب ارادة سياسية للقطع مع الريع والفساد وسياسة الحكرة، عدم وجود ارادة سياسية للقطع على الحلول الترقيعية، عدم وجود ارادة سياسية حقيقية للمصالحة مع الريف بعد اربعون سنة من العقاب الجماعي الذي نهجه الحسن الثاني تجاه المنطقة. وغياب ارادة سياسية لاصلاح سياسي حقيقي، ومن مكر التاريخ أن كل هؤلاء المتصارعين الان وقفوا في صف واحد ضدّ هبة الشعب المغربي سنة 2011 للمطالبة باصلاح سياسي وتغيير حقيقي يقطع مع منطق الافلات من ربط المسؤولية بالمحاسبة.

خلاصة:
إن استمر اللعب بهذه الطريقة، واستمر السباق المحموم بين الاطراف لتصفية حساباتها السياسية والشخصية على ظهر الحراك، فربما سندخل حيئنذ الى المجهول، الأحرى بهؤلاء أن يتركوا اللعب بالنار، ملف حراك الريف في حاجة عاجلة الى الحل باطلاق سراح المعتقلين وتحقيق مطالب المحتجين، أما الذهاب في مثل هذه الألاعيب، وترك مبادرات الحل رهينة لمنطق “الفأر والقط” فإنه سيقود البلد الى المجهول، والظلم الذي وقع على أهل الريف سينفجر حمما قد تحرق كل شيء.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.