تحليل اخباري…”مباشرة معكم” أو درجة الصفر في الخطاب السياسي المغربي

محمد المساوي

كان من اللافت أن يستطيع برنامج حواري أن يلمّ ثلاثة امناء لأحزاب سياسية بالاضافة إلى وزير العلاقة مع البرلمان الذي هو  قيادي في حزب العدالة والتنمية، وهو ما جعل البرنامج يحظى بنسبة مشاهدة عالية، وارتفاع نسب المشاهدة كان مردّه إلى الشعب المغربي كان يتوق لأن يسمع نقاشاً سياسياً، لكي يسمع تفسيرا لقرارات كبيرة هي قيد التطبيق، مثل مشروع رفع سن التقاعد، وغلاء الاسعار، والزيادات المرتقبة في الماء والكهرباء، وما مدى جدية الاضراب العام الذي تلوّح به بعض النقابات …الخ،
لكن، هل استطاع الحوار/النقاش، أن يجيب أن أسئلة وانتظارات المغاربة، وكيف كانت طبيعة الخطاب السياسي الذي تم تصريفه خلال البرنامج؟

بين هجوم شباط ودفاع الشوباني:

بدأت حلقة البرنامج هادئة، لكنه الهدوء الذي يسبق العاصفة، إذ رغم الهدوء الذي شابها بداية فإن الكل كان متوثبا لينقضّ على خصمه ويشبعه لكمات تدميه، وهذا ما خلصت اليه نهاية الحلقة التي لم يستطع أن ينهيها جامع كولحسن. كان لافتا أيضا حضور الشوباني في بلاطو البرنامج بدلا من أفتاتي مثلا أو أحد “كلامنجي” العدالة والتنمية الاخرون، فالرجل تعوزه شيئاً من “السنطيحة” ليستطيع انجاح الحلقة بحضور لشكر وشباط، ولذلك نهج استراتيجية الدفاع على طريقة الدفاع الخطي الايطالي، لكنه فشل في مرات كثيرة في التعامل مع الكرات التي أرسلها لشكر وشباط، إذ أن الرجل أراد أن يوحي أو أن يترك انطباعا لدى المشاهدين مؤداه أن حزبه يمشي بخطى واثقة، وأنه متيقن من أن الشعب المغربي ما زال يثق في رئيس الحكومة ومستعد أن يصوّت عليه مجددا للاستمرار في نهج الاصلاح، لكنه لم يستطع التعامل مع كرات أرسلها شباط باتقان، كما حدث حينما سأله كيف يعقل أن القوانين التنظيمية الضرورية لتنزيل الدستور الجديد ما زالت تراوح المكان، بينما القرارات التي تمس القدرة الشرائية للضعفاء والكادحين تنزل بين ليلة وضحاها، وأعطى مثلا بمشروع اصلاح صندوق التقاعد.

طبعا شباط يعرف، والشوباني يعرف، أن مشروع اصلاح صندوق التقاعد ليس رغبة ذاتية للحكومة ولا لغيرها، بل هو قرار تم فرضه من مراكز المال العالمي، من المؤسسات الدائنة، ولم يكن القرار مقتصرعلى المغرب فقط بل هو مشروع يشمل تقريبا جملة من حكومات العالم، ومن الطبيعي أن يتم انزاله بسرعة قياسية، وهم يعرفون جيدا أن برامج الحكومة ليست برنامج الحزب الذي يقودها ولا برنامج متوافق عليه بين الأغلبية، ولا حتى هو برنامج الملك كما قد يعتقد العديدون، بل البرنامج تصوغه لجن المؤسسات الدائنة، تصوغه وفق اعتبار واحد، هو كيف تتمكن هذه الحكومة من الوفاء بتسديد ديونها، أما قوت المواطنين وصحتهم وتعليمهم فاخر هم يمكن أن يحضر في البرنامج، هذه اللجن تقوم بصياغة الاستراتجيات الكبرى للبرنامج فيما تتكفل المؤسسة الملكية بوضع تفاصيله، عبر الخطب الملكية والتوجيهات، فيما تتكلف الحكومة بتنفيذه، ولهذا قال بنكيران للصحافة العالمية أن الملك هو من يحكم، رغم أن الدستور الجديد قيل أنه منح صلاحيات واسعة لرئيس الحكومة لم تكن متوفرة من ذي قبل مع الحكومات السابقة.

حكومة صاحب الجلالة ، معارضة صاحب الجلالة:

في حمأة النقاش/ الحوار كان نبيل بنعبد الله يريد أن يظهر نفسه بوصفه سياسيا رزينا، يزن كلامه، لا ينجر وراء الكلام الفارغ، ويطالب شركاءه في الحوار بأن يتعالوا عن النقاش الذي لا يستحضر مصلحة الوطن وغيره من الكلام الغليظ، إلى أن وصل به الحديث لكي ينطق بالكلة السرّ: “نحن حكومة صاحب الجلالة”، فلم يكن لإدريس لشكر زعيم حزب الاتحاد الاشتراكي إلاّ أن ألقمه جوابا جامعا مانعا بأن قال له : “ونحن معارضة صاحب الجلالة”، هذا المقطع وحده يكفي ليعرف الواحد ماذا دار في الحلقة حتى إن لم يكن قد شاهدها.

هذا الكلام، اخذ حيزا كبيرا من تعليقات رواد المواقع الاجتماعية، وطرحوا على هامشه سؤالا وجيها: إذا كانت الحكومة هي حكومة صاحب الجلالة والمعارضة هي معارضة صاحب الجلالة فما جدوى وجود هؤلاء؟ أليس بالأحرى أن يتم ترشيد النفقات في ظل الازمات المستشرية، ما دام كل شيء هو لصاحب الجلالة، أليس الاجدر حل الحكومة والبرلمان، وكفى السياسيين شرّ القتال، وليتجنّد الكل وراء صاحب الجلالة بعيدا عن المزايدات الفارغة؟

في الحقيقة هي أسئلة وجيهة بقدر ما تعكس بؤس الممارسة السياسية بالمغرب بقدر ما تعكس طبيعة النظام السياسي القائم وكيف يشتغل، في ظل وجود محور اساس هو بمثابة النواة الذي تدور حولها الالكترونات، هذه النواة هي المؤسسة الملكية التي هي محور الفعل السياسي والباقي مجرد توابع تحوم حول مبادرات صاحب الجلالة.
كما أنه يمكن تسجيل نقطة غاية في الأهمية أن مثل هذه التصريحات المنفلتة من الضبط وإعادة ترتيبها، لم تكن تظهر من ذي قبل بهذه الحدة، والآن صار الامر واضحاً، ولم يعد هذا مجرّد كلام سياسي يردّده محترفو معارضة النظام المغربي، فرئيس الحكومة صرح بعظمة لسانه أن الملك هو من يحكم، وضيوف برنامج “مباشرة معكم” اتفقوا بجميع ألوانهم وأطيافهم أنهم “ديال صاحب الجلالة” من الحكومة إلى المعارضة إلى الصحافة أحيانا..

لماذا غاب “البام” عن بلاطو البرنامج:

لقد طُرح هذا السؤال كثيرا، فالمشاهدين المغاربة  بحدسهم عرفوا أن البرنامج كان ينقصه شيء لتكتمل الفرجة، كان ينقصه بنشماس أو العماري (الذي استَبْعِدُ جدا-في تقديري الشخصي- أن يحضر مثل هذه البرامج) أو احد ممن ينوب عنهم، ولذلك طرحوا السؤال لماذا غاب البام عن البلاطو؟

أظن أن غياب البام كان محسوبا، إذ أن البلاد بدأت تعيش على ايقاع رسم سيناريوهات الخريطة الانتخابية، سواء الانتخابات الجماعية التي يفترض أن تجرى خلال هذا الموسم السياسي، وكذا الانتخابات البرلمانية التي ستكون شغل شاغل  الحكومة خلال الموسم المقبل، وحزب البام وسط هذه الخريطة يحاول أن يضبط الساحة الانتخابية جيدا، لذلك سرّع من وتيرة تحقيق امتداد أفقي عبر استقطاب المزيد من أعيان الانتخابات، والاقدام على الانخراط في مبادرات تبدو أنها مبادرات لها امتداد أفقي، البام يريد أن يظهر بمثابة الحزب الذي يريد أن يشتغل بتفان وجدية وينأى ما أمكن عن المهاترات السياسية، وهو الامر الذي يبدو من خلال تصريحات زعماء البام فلم يعد خطابهم السياسي يتوجه في أغلبه إلى بنكيران وحكومته، بل ثمة خطاب أقل حدة في الانسياق وراء البوليميك السياسي، لذلك دفع بمن يعوض خطاب البام داخل البلاطو لكن بغير اللون السياسي للأصالة والمعاصرة.

نتذكر جيدا، ما قيل وما حدث خلال انتخاب كلّ من لشكر على رأس الاتحاد الاشتراكي، وكذا حميد شباط على رأس حزب الاستقلال، حينها تعالت أصوات حتى من داخل هذه الاحزاب تؤكد أن أيادي خارجية هي من فرضت هؤلاء على أحزابهم، وتمت الاشارة بالضبط إلى دور إلياس العماري في العملية، وكان لمؤسسات اعلامية أن قامت بتحقيقات توصلت إلى نتائج خطيرة في الموضوع لكن في الاخير اختارت أن تشيح بوجهها عن الموضوع، وتترك الجمل بما حمل.

الجواب على السؤال أعلاه هو أن البام لم يكن غائبا أبدا عن بلاطو البرنامج، بل كان حاضرا، كان حاضرا بخطابه، فأن يقفز شخص محسوب على الاتحاد الاشتراكي ليقول :نحن معارضة صاحب الجلالة، لا يجب أن يمرّ مرور الكرام، صحيح لم يبق من رصيد للاتحاد الاشتراكي لم يستنفذه، لكن بعض الأنفة والكبرياء ما زالا يأخذا مناضليه، أمّا أن يصير الامر إلى ما هو عليه مع الكاتب الاول ادريس لشكر فهو الدليل على أن الحزب تخلى عن خطابه ولبس خطاب “المحنّك”، والنتيجة أن البام لم يكن حاضرا في البلاطو، لكن خدامه الأوفياء كانوا حاضرين، خطابه السياسي كان حاضرا، فقط لم يحضر هو كرمز انتخابي، وهذا في صالحه بالنظر إلى الاستراتيجية التي صار الحزب يتبعها مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية القادمة.

خلاصة:

الخلاصة الاساس التي يمكن الخروج بها بعد مشاهدة الحلقة هو أن الشعب المغربي على موعد مع امرين اثنين لا يمكن ان تخطئهما فراسة المتتبع للشأن السياسي المغربي، الامر الأول: هو أننا فيما يستقبل من الايام سنكون بصدد احتداد بؤس الخطاب السياسي، وسنسمع اتهامات واتهامات مضادة بعضها كافية لتقديم أغلب الساسة المغاربة للمحاكمة نظير ما يحمله خطابهم من اتهامات لبعضهم البعض، الامر الثاني هو أن لا أحد سيتدخل لتلطيف حدة الخطاب السياسي، لا القضاء ولا المؤسسة الملكية، لكن في المقابل سيكون هناك تسريع لوتيرة تنزيل قرارات لاشعبية تمس القوت اليومي للمواطنين وتمس تعليمهم وصحتهم وسكنهم، إذ أن حدّة الخطاب في الاعلام والتجمعات والبرلمان سيوازيه تسيرع وتيرة الاجهاز على المكتسبات في ارض الواقع، وتلكم هي آفة الآفات حينما يتحول الخطاب السياسي إلى مجرّد معترك فرجوي يغطي على تنزيل قرارات خطيرة تمس استقرار المجتمع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.