تحليل اخباري.. خطاب الملك أو تقريع خدّام السياسة لإعلاء شأن صاحب الجلالة

محمد المساوي

ألقى الملك محمد السادس مساء الجمعة 10 أكتوبر خطاباً في البرلمان المغربي أمام نوّاب الغرفة الأولى ومستشاري الغرفة الثانية، الخطاب هو عادة سنوية يقوم فيه الملك بإلقاء كلمة هي بمثابة تدشين للدخول السياسي والتشريعي، وينص الفصل 65 من الدستور على أنه “يعقد البرلمان جلساته أثناء دورتين في السنة، ويرأس الملك افتتاح الدورة الأولى، التي تبتدئ يوم الجمعة الثانية من شهر أكتوبر، وتفتتح الدورة الثانية يوم الجمعة الثانية من شهر أبريل”، من السياق يمكن أن يفهم أن خطاب افتتاح الدورة التشريعية هو موجه أساسا إلى النواب وأعضاء الحكومة، لكن هذا من حيث الافتراض فقط فليس ثمة نص صريح على وجوب القاء الملك لخطاب الافتتاح، الدستور يتحدث عن افتتاح الدورة الخريفية من طرف الملك دون أن يقيد هذا الافتتاح بخطاب أو كلمة مقتضبة أو غيرهما، بيد أنه جرت العادة منذ أيام الملك الحسن الثاني أن يكون افتتاح الدورة الأولى بخطاب ملكي يكون بمثابة خارطة طريق لعمل الحكومة ولعمل أيضا البرلمان أغلبية ومعارضة، اذا الملك هنا يخاطب بوصفه سلطة عليا تسمو على الاختلاف السياسي والحزبي، لكن رغم أن السياق يوحي بأن الخطاب موجها اساسا الى اعضاء البرلمان والحكومة فإنه أيضا هو خطاب موجّه للأمة إذ ينص الفصل 52 من دستور 2011 أن “للملك أن يخاطب الأمة والبرلمان ويتلو خطابه أمام كلا المجلسين ولا يمكن أن يكون مضمونه موضوع أي نقاش داخلهما “.

هو إذن خطاب ملكي موجه إلى البرلمان و يمكن أن نفهم أنه موجه إلى الامة أيضا، كما أنه له ميزة خاصة لأنه يعتبر خارطة طريق للسنة التشريعية التي تُفتتح دورته الخريفية بهذا الخطاب، وهو خطاب لا يمكن لنواب الأمة مناقشته على الأقل داخل البرلمان، إذا جاءت الصيغة في دستور 2011 ممهورة بكلمة “داخلها” التي لم يتضمنها دستور 1996 الذي تحدث عن عدم امكانية مناقشة خطاب الملك في البرلمان، دون توضيح عدم المناقشة هل هي مرتبطة حصريا بداخل البرلمان أم هي غير مشروعة وغير جائزة سواء داخل البرلمان أو غيره.

ظاهر إذن أن الخطاب له قيمة كبيرة بوصفه مفتاح سنة تشريعية كاملة، هو خطاب ليس تفصيليا كما هي عادة مثلا خطاب 20 غشت بل هو خطاب يحاول أن يرسم الخطوط العريضة للممارسة السياسة الرسمية خلال سنة كاملة، ونحن في هذا المقال التحليلي سنحاول قراءة مضامين هذا الخطاب ونحاول استقراء ما لم تقله الكلمات عبر ربطها بسياقها والموضوعات المرتبطة بها، لن نركز كثيراً في تحليلنا على شخص الخطيب، سنولي اهتمامنا للخطاب أساساً مع الاتيان على استقراء بعض أثر الخطاب في المتلقي.

في توصيف الخطاب:

بلغت كلمات خطاب افتتاح الدورة البرلمانية الأولى ما مقداره 1498 كلمة بما فيه الحمدلة في أول الخطاب ثم السلام في اخره، ألقي الخطاب في زمن قدره حوالي 17 دقيقة، عرف انقطاعات بسبب تصفيق النواب بلغ مجموعها حوالي 35 ثانية، فقد كان تصفيق النواب يتراوح بين 7 و10 ثواني، وقد صفقوا أربع مرات أثناء إلقاء الخطاب والمرة الخامسة عند نهايته؛ في المرة الأولى كان التصفيق الأطول الذي بلغ حوالي 10 ثواني وكان حينما تحدث الملك عن الاعتزاز بالانتماء إلى الوطن، وبالضبط كان التصفيق بعد نطق الملك لجملة ” وكواحد من المغاربة، فإن أغلى إحساس عندي في حياتي هو اعتزازي بمغربيتي”.

ثم تلاه تصفيق آخر عندما تحدث عن العدمية والتنكر والوطن وأن المغرب بلد الحرية ” إننا لسنا ضد حرية التعبير ، والنقد البناء ، وإنما ضد العدمية والتنكر للوطن. فالمغرب سيبقى دائما بلد الحريات التي يضمنها الدستور.”

ثم بعد ذلك كان التصفيق حينما تحدّث الخطاب على أن الانتخابات لا يجب أن تكون غاية في ذاتها بل يجب أن تكون مجالاً للتنافس السياسي “بين البرامج والنخب. وليس حلبة للمزايدات والصراعات السياسوية”.
في المرة الرابعة كان التصفيق حينما هنأ المرأة المغربية بمناسبة العيد الوطني للمرأة الذي يوافق يوم 10 أكتوبر أي يوم إلقاء الخطاب، وهو يوم تم اقراره رسميا للاحتفاء بإعلان الملك يوم 10 أكتوبر 2003 عن مدونة الاسرة.

ثم اخيرا كان هناك تصفيق طويل بعد نهاية الخطاب وهو لا يهم كثيرا في التحليل لاعتبار أنه تصفيق ثابت أمام كل خطاب لافتتاح الدورة التشريعية.

في مضامين الخطاب:

أمام قراءة متأنية للخطاب سنجد أنفسنا أمام خطاب تتوزعه موضوعات معينة، كان الخطاب مفتونا بالتأكيد عليها لبعث رسائل مشفرة وأخرى غير مشفرة إلى “من يهمه الأمر” وإلى “المعني بالأمر” أيضا، ويمكن استشفاف أربع موضوعات رئيسة تناولها الخطاب، بين كل موضوع واخر تفصل بينهما صيغة المخاطب: ” السيدات والسادة البرلمانيين المحترمين”، كان الموضوع المطروق في الجزأين الأول والثاني من الخطاب بمثابة تأطير لتفاصيل خارطة الطريق التي سيأتي على بعض تفاصيلها في الجزأين الثالث والرابع منه.

في معنى الوطنية:

كان لافتا في هذا الخطاب أن يتحدّث الملك عن الوطنية والتشبث بالوطن في خطاب غير معهود في سلسلة خطب الملوك العلويين، حيث أن الملوك ليسوا مضطرين للحديث عن وطنيتهم، موضوع الوطنية والاعتزاز بالوطنية كان موضوعا شغل خطابات أنظمة البورجوازية الصغيرة التي نشئت في المنطقة بعد خروج الاستعمار، موضوع الوطنية كان تاريخيا موضوع خطب زعماء “الثورات” والانقلابات العسكرية وليس موضوع الملوك وبالأحرى أسرة ملكية لها أربعة قرون من الحكم بالمغرب، مما يعني أنه تحوّل مهم يجب الوقوف عنده جليّا، فقد يكون “العقل المفكر” للملكية لم يكن من الوارد لديها أن تتطرق لهذا الموضوع، لكن ربما كاتب الخطاب أراد أن يوظف هذا الموضوع كي يغمز إلى أمرين يشغلان بال المؤسسة الملكية؛ أولا مدى جدية حزب العدالة والتنمية في تحالفه مع الملكية ومدى استعداده لعدم الارتهان لمشاريع إقليمية كما بدا الاصطفاف حولها جلياً خاصة بعد الانقلاب على مرسي وتفاعلات الأزمة السورية.

ثانيا الغمز للقوى التي ما زالت خارج النسق السياسي والتي ما زالت ربما تراهن على حراك شعبي لفرض المطالب التي ترفعها، صحيح ثمة بعض الهدوء في الشارع، لكن بين الفينة والأخرى تظهر أحداث أو معطيات أو اجراءات سياسية تنذر بعودة الحراك إلى الشارع في أية لحظة، لذلك فهذه ضربة استباقية لأي حراك مستقبلي وثمة رهان من الآن على أنه سيتم التعامل معه رسميا كونه حراكا يخدم أجندة أجنبية وبالتالي أصحابه خونة يتاجرون بوطنهم لصالح مكاسب شخصية ضيقة، يقول الخطاب “ولمن لا يدرك معنى حب الوطن، ويحمد الله تعالى، على ما أعطاه لهذا البلد، أقول: تابعوا ما يقع في العديد من دول المنطقة، فإن في ذلك عبرة لمن يعتبر. أما المغرب فسيواصل طريقه بثقة للحاق بالدول الصاعدة”.

فالذين لا يدركون معنى حبّ الوطن ولا يحمدون الله على ما أعطاه لهذا البلد هم أولئك الذي يطالبون بإسقاط الفساد والاستبداد، هم أولئك الذي يطالبون بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، هؤلاء كان جواب الملك لهم واضحاً؛ تابعوا ما يحدث في العديد من دول المنطقة، وهنا الاحالة مباشرة على الفوضى العارمة التي كانت مسرحا لها دول مثل ليبيا واليمن وسوريا… لكن أكيد الخطاب لا يذكر تونس، تونس لأنها نموذج ناجح إلى حدّ ما في سلسة الحراك الذي هزّ المنطقة، وبل إن تونس أقرب إلى المغرب منه إلى باقي البلدان، والحراك الشعبي في المغرب كان أقرب إلى الحراك كما حدث في تونس ومصر لا كما بدا في ليبيا وسوريا واليمن…

ثمة اعتبارات عدة تجعل الحراك المغربي أقرب إلى النموذج التونسي منه إلى النموذج الذي يخوف ويهدد به الخطاب، لا من ناحية طبيعة القوى المنخرطة فيه ولا من حيث سلمية المظاهرات واصرارها على هذه السلمية، بل كان اختيار الحراك في المغرب أن يرتكن شيئا ما إلى الوراء على أن يذهب إلى السلاح والارتهان في يد الأجنبي رغم أن النظام المغربي ظلّ يدير بالأذن الصمّاء لمطالب هذا الحراك.

والان لنا أن نتساءل: هل يعتبر النظام المغربي أن ما حدث في تونس فوضى عارمة نجا الله المغرب منها؟ ألا يتناقض هذا مع التصريحات التي أدلى بها الملك حين زيارته لتونس؟ ألم يعمد إلى الخروج الى شوارع العاصمة لالتقاط الصور مع المواطنين التونسيين وتشجيعا منه للمسار السياسي الذي اختاره هذا البلد؟ هذا ما رشح من وسائل الاعلام الرسمية المغربية، وهكذا ظلّت تصف زيارة الملك إلى تونس.

إننا بإزاء احتمالين اثنين حينما يدعو الملك في خطابه إلى أخذ العبرة مما يقع في دول المنطقة؛ الاحتمال الأول هو أنه يتهم الحراك الشعبي في المغرب بأنه ينحو منحى الحراك في ليبيا وسوريا واليمن، وهذا غير صحيح، لم يقل به أحد وجل معطيات الواقع تفنّد هذا الاتهام. الاحتمال الثاني هو أن الملك يعتبر ما حدث في تونس فوضى عارمة، وعليه يدعو الشعب المغربي أن يأخذ العبرة منه، وهذا ما يتناقض مع تصريحاته الرسمية تعليقا على زيارته الاخيرة لتونس.

الحساد أعداء النجاح

الجزء الثاني من الخطاب له علاقة مترابطة بالجزء الأول منه، فالاعتزاز بالانتماء الوطني والمسار الديموقراطي والتنموي الذي سلكه المغرب لابدّ أن يخلق له أعداء، هؤلاء الاعداء جاء وصفهم في الخطاب بكونهم حسّاد، الحسد في الثقافة الشعبية هو سلوك انساني يعتري الواحد بإزاء نجاحات الاخر، وكلما كان هذا الآخر خصما، كلما كان الحسد أشدّ فتكا.

بالإضافة إلى أن الاشارة إلى أعداء النجاح الذي يحققه المغرب بوصف الحسّاد فيه نوع من التعويم وهروب من التحديد والتعيين، فالسؤال الذي ينطرح لأول وهلة هو من هم هؤلاء الحسّاد؟ في الأول وصفهم الخطاب بأنها “جهات تحسد المغرب” ثم بعد الاستشهاد بكلام منسوب إلى الرسول (ص)، سيأتي الحديث عن مناورات الحسّاد، وهنا سيتم التحديد أكثر من خلال ربط مناورات الحسّاد باستمرار المملكة في احترام الحقوق والحريات، يقول الخطاب: “فإننا حريصون على احترام ممارسة الحقوق والحريات”، أي أنه رغم تجاوزات الحسّاد إلاّ أننا مصرّون السير على درب تحقيق دولة الحق والقانون.

ظاهر أن الحسّاد في الخطاب لهم تجليين؛ جهات خارجية يغيظها التقدم الذي ما فتئ يحقّقه المغرب في ظلّ الاستقرار، وحسّاد داخليون ما فتئوا يُقْدمون على مناورات هي أولا وأخيرا تتناغم مع الجهات الخارجية التي تستكثر على المغرب تمتعه بالاستقرار والأمان في ظل القيادة الرشيدة للملك محمد السادس.

إن الحديث عن الحساد هو تكريس وتزكية لخطاب شاع كثيراً على ألسن السياسيين الرسميين، نقصد خطاب “المغرب بلد الاستثناء”، الاستثناء هو الاستقرار في زمن الفوضى، والاستقرار في هذه الحالة نعمة من الله لا يمنّ بها إلاّ على من اصطفاه من خير خلقه.

وقد أتت الجملة التي صفّق لها النواب كثيراً بمثابة تفسير لهذه الوضعية، فحسّاد الداخل يتصفان بصفتين ذميمتين هما: العدمية والتنكر للوطن، والنظام المغربي حسب الخطاب ليس ضدّ حرية التعبير والنقد البنّاء بل هو ضدّ العدمية والتنكّر للوطن، لكن السؤال الذي ينتصب مؤرقاَ هو ما معيار العدمية والتنكر هنا؟ وما معيار حرّية التعبير والنقد البنّاء؟

الظاهر أن حرية التعبير المقصودة في الخطاب هي الحرية في التعبير من داخل النسق السياسي الكائن، أي حرية تعبير معارضة صاحب الجلالة، أما من أراد أن يتكلم خارج نسق اللعبة السياسية فهو إما عدمي أو هو متنكر للوطن؟ وللمتلقي أن يتساءل ببساطة حدّ السذاجة مثلا بصدد حدث معين، وليكن حدث العفو الملكي عن البيدوفيل الاسباني، ترى من كان يعبّر عن الوطنية الحقة والاعتزاز بالانتماء إلى هذا الوطن؟ من اصدر قرار العفو أم من حاول تسويغه من بعد (تصريح وزير العدل مباشرة بعد انفجار الفضيحة كون أن الامر يتعلق بالمصالح العليا بين البلدين)؟ أم أولئك الذي خرجوا إلى الشوارع في وقفات سلمية لاستنكار هذا العفو والمطالبة بمراجعته وتمت مواجهتهم بالعصا الغليظة وإراقة الدماء؟ إذا شغلنا ثنائية حرية التعبير والنقد البناء مقابل العدمية والتنكر للوطن، من يا ترى يمكن أن يوصف أن ممارسته كانت من باب حرية التعبير وإعمال النقد البنّاء؟ ومن كانت ممارسته إعمال العدمية والتنكر للوطن؟

هي أسئلة واضحة، تستدعي أيضا أجوبة واضحة لا تخطئها البصيرة إلاّ إذا عُميت فتلك آفة أخرى قد تقودك إلى تبرير ما لا يبرّر. والجدير بالذكر أن خطاب وصف الاخر غير المؤتلف سياسياً بالعدمية ليس وليد اليوم، بل كان مفهوماً تم الترويج له بشكل واسع إبان بداية الحراك الشعبي بالمغرب، الكل معارضة وأغلبية آنذاك أجمعت على وصف هذا الحراك أنه من عمل العدميين والغياطة والطبالة وعملاء بوليزاريو و… يعني في آخر المطاف هو نفس الخطاب يجد رجع صدى له في خطاب اقتتاح الدورة البرلمانية الجديدة؟ لماذا؟ ربما الأيام القادمة ستجيب على السؤال.

تقريع خدّام السياسة الرسمية لإعلاء شأن صاحب الجلالة

بعد أن أنهى الخطاب حديثه عن الخصوم والحسّاد و العدميين، عاد ليؤكد أن الخيار الديموقراطي الذي اختاره المغرب (وهو خيار غير عدمي، غير خائن للوطن) هو خيار لا رجعة فيه وهو خيار جميع المغاربة، كما جاء في الخطاب، وليس أغلب أو جل أو أكثرية المغاربة بل إنه بالتحديد خيار جميع المغاربة، غير أن هذا الخطاب تعتريه بعض المعيقات علينا تجاوزها، هذه المعيقات مرتبطة بالممارسة السياسية التي كثيرا ما تنزل إلى حضيض التنابز والسب والشتم مما يفقد للعمل السياسي مصداقيته.

لذلك دعا الخطاب الفاعل السياسي إلى الترفع عن المناكفات الحزبية لصالح مصلحة الوطن، واستطرد الخطاب كثيرا في نقد وبل تقريع السياسيين المغاربة دون تميز بين معارضة وأغلبية، بل الجميع كانوا تحت رحمة تقريع الخطاب الملكي لهم، إلى درجة أنه هذا التقريع استدعى من السيدات والسادة النواب التصفيق طويلا حول هذا التوبيخ الصريح الذي حمله الخطاب، التصفيق الطويل يمكن فهمه أنه نوع من الهروب من المسؤولية، فحين يصفق الواحد لتوبيخ موجه لفئة هو ضمنها فهو بمثابة اعلان عن التنصل من موضوع هذا التوبيخ، المعارضة صفقت لأنها ليست المعنية بهذا التوبيخ والأغلبية صفقت لأنها أيضا ليست المعنية بالتوبيخ، لكن في كلتا الحالين فالتصفيق أكّد مسألة أساسية وهي المهمة هنا، هي أن الملك وحده الذي يمتلك حكمة التبصر والحكم بين الفرقاء المختلفين والمؤتلفين، كما أن تصفيق النوّاب هو تزكية لمعادلة “معارضة صاحب الجلالة وحكومة صاحب الجلالة”، التصفيق تثبيت لحكمة الملك التي لا تطالها أية حكمة.

أيضا في هذا الجزء من الخطاب حاول أن يأتي على الخطوط العريضة لأجندة السنة التشريعية التي يعلن الخطاب بدايتها، وهي سنة يفترض فيها أن تركز على ثلاث مشاريع كبرى: إصلاح القضاء وتنزيل مشروع الجهوية المتقدمة، تنظيم الانتخابات الجماعية والجهوية، هذه هي ما أسماها الخطاب ب”الأسبقيات الوطنية” وهكذا وردت بالترتيب.

في ثنايا ايراده لهذه الأسبقيات كانت الخطاب منشغلا بتوجيه رسائل مشفرة إلى المشاركين في اللعبة السياسية، أولى هذه الرسائل هي التحذير من التشكيك في نزاهة الانتخابات المقبلة، صحيح قد تحدث بعض التجاوزات لكنها هي تجاوزات من صميم الممارسة الديموقراطية كما أنها تجاوزات تحدث في كل ديموقراطيات العالم، وأمام هذه التجاوزات لا يحق لأحد أن يهدّد بالنزول إلى الشارع (العدالة والتنمية) ولا الطعن في العملية الانتخابية برمتها بل عليه أن يتوجه إلى المؤسسات الدستورية لتنصفه.

يمكن قراءة هذا التحذير وكأنه ضربة استباقية لما قد يصدر عن حزب العدالة والتنمية إذا لم يحصل على المقاعد التي يرى أنه يستحقها، وعليه فإن لم يحصل أحد ما على ما كان ينتظره فليس من حقه أن يعترض على العملية الانتخابية، وليس من حقه أن يتهمها بالتزوير، حتى وإن حدث هذا التزوير وتم التأكد من حصوله فإن لا يعدو أن يكون من باب ما يحدث في كل ديموقراطيات العالم التي ليست بمنأى عن هذه التجاوزات البسيطة، وليلجأ المتضرر إلى المؤسسات الدستورية لإحقاق الحق، وقد أعذر من أنذر.

عودة إلى الرأسمال البشري

في الجزء الرابع من الخطاب الذي هو في الحقيقة امتداد للجزء الثالث من حيث تحديد معالم أجندة السنة التشريعية المقبلة، تم التركيز على التعليم بوصفه ألية ضرورية للارتقاء بالرأسمال البشري الذي أضحى مفهوما يحضر باستمرار في الخطب الملكية الاخيرة.

غير أن موضوع التعليم لم يظهر فيه الخطاب الملكي حاسما، بل ظهر متردّدا في جملة من الاشكالات التي ما زالت لم تُحسم بعد رغم تشكيل المجلس الأعلى للتعليم، لم يتم الحسم بعد في لغة التدريس التي ستعتمد، كما أن الخطاب كان بعيداً عن تناول الموضوع بنوع من الجرأة وتحمل المسؤولية، على اعتبار أن ملف التعليم وكل المشاريع المرتبطة به كانت تشرف عليها مجالس شكلها الملك، وكانت تعمل تحت امرته، ولم يكن من تشكيل الحكومات المتعاقبة.

على سبيل الختم:

يبدو من خلال هذا الخطاب ومن خلال خطابات سابقة خاصة الأخيرة منها أن من يسهر على كتابته هو شخص يحاول أن يوظف مفاهيم ومصطلحات تبتعد شيئا ما عن تقاليد المؤسسة الملكية لتمتح مفردات الخطاب السياسي من المفاهيم الرائجة في خطابات ما يسمى بالحكومات الشعبية أو الوطنية التي تأتي إلى السلطة عن طريق “ثورة” شعبية أو انقلاب عسكري، فمفاهيم مثل الوطنية، العدمية، النقد البنّاء، التنكر للوطن.. هي مفاهيم لم تكون معهودة في خطاب المؤسسة الملكية، فهي لم تكن يوما في حاجة إلى تأكيد وطنيتها، كان ديدن الملكية أنها بمثابة قدر منزّل، وما على الرعايا إلاّ الطاعة وإلاّ فيمكن التضحية بثلثين من الشعب من أجل أن يعيش الثلث الذي يصيح عاش الملك، كما قال الحسن الثاني في خطاب انتفاضة يناير 1984 .

وعليه فإن كاتب هذا الخطاب هو شخص تشكل وعيه في حضن هذه اللغة التي تمتح من مفردات ما سمي بالأنظمة الوطنية، وحاول أن يُكيّفها مع ما يعتمل حاليا في الساحة وطنيا وإقليميا ودولياً، حتى بالنسبة إلى الحديث المنسوب إلى الرسول والذي أخذا قسطاً كبير من التعليق في مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الاعلام، فتفسير ذلك بالنسبة إلينا هو أنه عندما أقدم كاتب أو كتّاب الخطاب على تحريره، قاموا بالعودة إلى أرشيف الخطابات الملكية بهذه المناسبة، فوجدوا أن الملك الحسن الثاني سبق له أن اورد هذا الحديث منسوبا إلى الرسول (ص) في خطاب ذات السبعينيات وتم الاستعانة به في هذا الخطاب ربما لأن مضمونه يخدم كثيرا معاني الرسائل التي يريد إيصالها، فتم التعامل مع الامر ببساطة، اذن ما دام أنه سبق للحديث أن ورد في خطاب للراحل الحسن الثاني فهو لا يرقى إليه الشك، دون أن يفكروا ولو للحظة أن في عهد الحسن الثاني لم تكن لا مواقع التواصل الاجتماعي ولا “الحاج جوجل” ولا سرعة انتقال المعلومة يمكن لهم أن يفضحوا الأمر بسهولة، لكن السؤال الذي حيّر ويحيّر الأذهان كيف ظل هذا الحديث في نص الخطاب رغم وجود مستشارين للملك لهم إلمام واسع بالحقل الديني؟ فهل كان الخطاب من انشاء شخص واحد أو اشخاص معينين دون أن يطلع عليه كل ذوي الاختصاصات المختلفة من باقي المستشارين؟ ألا يضع ذلك مؤسسة امارة المؤمنين محل تساؤل؟ بل حتى المدافعين عنها بشراسة قد تضعهم مثل هذه الامور في حرج شديد بدت ملامحه من خلال رفض مجموعة من “علماء” المغرب التفاعل مع الاسئلة المتعلقة بصحة هذا الحديث من عدمها، كما أن موضوع ورود الحديث المنسوب إلى الرسول في الخطاب تناولته أيضا بعض الصحف العربية الرقمية واسعة الانتشار.

كما أنه ثمة ملاحظة اخيرة نوردها على شكل سؤال مفتوح؛ ألا يعتبر الحديث عن الحسّاد في الخطاب السياسي وتصويرهم وكأنهم أعداء يغيظهم استقرار المغرب يصبّ في نفس خانة تمييع الخطاب السياسي كما تجلى في خطاب بنكيران حين حديثه عن التماسيح والعفاريت؟ الحسّاد من الناحية السياسية هم فاعلون هلاميون لا يمكن تحديد هويتهم بدقة، كما أن التماسيح والعفاريت هي أيضا كائنات هلامية لا يمكن وضع اليد على حقيقتهم، فما الفرق بين هذا وذاك؟

3 تعليقات
  1. Anass Khayati يقول

    Outstanding piece of analysis. Moroccan journalists should turn green with envy while reading this piece of analysis!
    .Thank you Mr. Mohamed Moussawi for the well-invested effort

  2. مغربي يقول

    الله يعطيك الصحة أسي الموساوي ، قراءة جد دقيقة لمضمون الخطاب

  3. سعيد يقول

    تحليل وافي وشافي، شكرا لك السي الموساوي على هذا المقال الجميل، مقال يتضمن مقومات تحليل الخطاب فعلا، شكرا لك واصل ما أحوجنا إلى مثل هذه المقالات الرصينة

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.