تحليل اخباري: خطاب العرش 2016.. قَرْصُ أذن بنكيران وتوزيع اللوم على خدّام “سياسة صاحب الجلالة”

محمد المساوي

على غير العادة، بُث خطاب الملك بمناسبة عيد العرش هذه السنة على الساعة العاشرة صباحا من يوم السبت 30 يوليوز، فيما كانت أغلب خطابات العرش السابقة تبثّ عند منتصف النهار، الواحدة زوالا، او الثامنة مساء. وجاء الخطاب محملا بمكامن العتمة، اذ حمل عبارات قابلة للتأويل، وعبارات منطوية على الغموض والتعويم، مثل قوله “غير أن ما يبعث على الاستغراب، أن البعض يقوم بممارسات تتنافى مع مبادئ وأخلاقيات العمل السياسي، ويطلق تصريحات ومفاهيم تسيء لسمعة الوطن”، فمن هو المقصود ب”البعض” في خطاب الملك؟ ولماذا الاختباء وراء عبارات تعويمية، قد يُفهم منها كل شيء ولا شيء في نفس الان.

فيما يأتي تحليل أولي لما جاء في الخطاب ومحاولة لاستكناه مضمراته والبحث عما وراء الكلمات:

في توصيف الخطاب:
من ناحية الشكل جاء الخطاب في 3710 كلمة، تلاه الملك في زمن قدره حوالي 27 دقيقة، وهو ما يجعل منه خطابا أطول شيئا ما من خطاب العرش 2015 (2442 كلمة) وخطاب العرش لسنة 2014 الذي تضمن 2520. من حيث المضمون يبدو هذا الخطاب بعيدا شيئا ما عن الهاجس الذي تحكم في خطابي العرش السابقين، ففي الخطابين السابقين تحدث الملك بمنطق رئيس الدولة وهو يقف على منجزاته وعلى ما لم يستطع تحقيقه، في خطاب 2014 تحدث عن الثروة وتساءل عن مكان وجودها بعد أن استعرض مجمل ما تحقق في البلد منذ اعتلاء عرشه، وكذلك خطاب 2015 كان تكملة لخطاب 2014 اذا تحدث ايضا بمنطق رئيس الدولة الذي يحصي المنجزات، ويقف عند ما تعذر انجازه، يقول في خطابه ل 2015 عن مناسبة عيد العرش “جعلنا منها مناسبة سنوية لإجراء وقفة مع الذات حول ما حققه المغرب من منجزات، وما يواجهه من تحديات”.

غير أن الملاحظ في خطاب العرش 2016 كان أقرب الى مضامين خطابات افتتاح البرلمان منه إلى خطابات العرش، اذ لم ينشغل الخطاب بسرد الانجازات والوقوف على ما لم يتحقق منها، بل كان الخطاب موجها إلى النخب السياسية والاحزاب، بلغة فيها نوعا من التقريع والتحذير.

منهجيا يمكن تقسيم الخطاب الى أربعة محاور أساس: تحديات الاستحقاق الانتخابي والسياسة الداخلية، الحديث عن المشاريع التنموية والاستثمارات، تقدير جهود المصالح الامنية في تفكيك الخلايا الارهابية، ثم سياسة المغرب الخارجية والجالية.
في هذا التحليل سنحاول التركيز أكثر على المحور الأول بوصفه المحور الذي جاء مترعا بالرسائل المباشرة وغير المباشرة، وقد تحدث الملك في هذا المحور الذي هيمن على الجزء الاكبر من الخطاب عما يجب فعله و ما لا يجب فعله، من أجل عمل سياسي سليم، كما حاول في هذا المحور توجيه رسائل سياسية يلفها الغموض والتعويم، هي رسائل تحمل التقريع لرجال السياسة وللممارسات الحزبية، لكنها لا تحمل أية مؤشرات واضحة تدل على أنها موجهة لجهة بعينها منذ الوهلة الأولى، فالكل سيعتقد أنه ليس المقصود بهذا الكلام وإنما المقصود به هم خصومه، كما حدث في خطاب 10 اكتوبر 2014 في افتتاح البرلمان، اذ جاءت في الخطاب كلمات قاسية موجهة لتأنيب الفرقاء السياسين، وبمجرد ما تفوه الملك بعباراته، حتى علا التصفيق في البرلمان وارتجت اركانه بسبب التصفيق الحار الذي انخرطت فيه الاغلبية والمعارضة؟ يعني، كل واحد يريد أن يقول أنه ليس المعني بكلام الملك.

لذلك سنعمد إلى تحليل بعض ما حمله خطاب هذه السنة حتى تنقشع شيئا ما غشاوة الغموض لنتمكن من وضع هذه الرسائل في سياقها الخاص.

الملك فوق الانتخابات والانتماءات الحزبية:
قبل شروع خطاب الملك في الحديث عن الانتخابات وما ينتظر المغرب من استحقاقات، اختار أن يذكّر الفرقاء الحزبيين بكونه “الساهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات وعلى صيانة الاختيار الديموقراطي”، بمعنى أن المؤسسة الملكية هي المرجع في احترام الدستور وصيانة الاختيار الديموقراطي، وهي بذلك فوق الاحزاب والخصوم السياسيين، هي الحَكَم وليست طرفاً، وفي هذا اشارة الى ربط حزب الاصالة والمعاصرة بالملك، لذلك اختار قبل الحديث عن الانتخابات التأكيد على كونه لا يناصر حزبا ولا يشارك في الانتخابات، هو فوق الاصطفافات السياسية والحزبية، وختم كلامه حول الموضوع بقوله “شخص الملك، يحظى بمكانة خاصة في نظامنا السياسي. وعلى جميع الفاعلين مرشحين وأحزابا تفادي استخدامه في أي صراعات انتخابية أو حزبية.”،وهو ما يفهم منه أن الكلام موجه الى المعارضة والى الأغلبية نفسها، انصار المعارضة قد يجدونه تقريعا لبنكيران الذي يلهج لسانه بحب الملك، بمناسبة او بغير مناسبة. وانصار بنكيران قد يجدونه تقريعا للمعارضة، خاصة حزب الاصالة والمعاصرة الذي حاول استثمار ما سُمي “الغضبة الملكية” على بنكيران، كما طالب امينه العام بتوضيحات من رئيس الحكومة (وليس من المؤسسة الملكية؟؟) لتوضيح طبيعة هذه الغضبة لأن الامر يتعلق بالبلد (حسب الياس العماري) وبطبيعة العلاقة القائمة بين مؤسستين تُعتبرا من ركائز الدولة وهما : المؤسسة الملكية ومؤسسة رئاسة الحكومة.

الانتخابات المقبلة: من آلية لممارسة السلطة الى مرحلة تكون فيها الكلمة للمواطن

في مدخل الحديث عن الواقع السياسي والحزبي في الخطاب على بعد اسابيع من الانتخابات، أكد الملك في خطابه أننا أمام انتخابات مفصلية، ُينتظر منها أن تحسم مع مرحلة كانت تجعلها مجرد آلية للوصول الى السلطة إلى مرحلة تكون فيها الكلمة للمواطن، اذ جاء في الخطاب:” إننا أما م مناسبة فاصلة لإعادة الأمور إلى نصابها : من مرحلة كانت فيها الأحزاب تجعل من الانتخاب آلية للوصول لممارسة السلطة ، إلى مرحلة تكون فيها الكلمة للمواطن، الذي عليه أن يتحمل مسؤو ليته، في اختيار ومحاسبة المنتخبين.”، ولعل أول سؤال يتبادر الى الذهن أمام هذه الفقرة: هل يعترف الملك بقوله هذا أن جميع الانتخابات السابقة كانت مجرد الية للوصول الى السلطة، وكان المواطن مغيّبا فيها؟ إن كان الملك يقرّ بذلك، فلماذا كان التعامل بمنطق التخوين مع كل الجمعيات والهيئات الحقوقية والسياسية التي ظلت تقول دائما أن الانتخابات المغربية فارغة المحتوى، وأنها مجرد ديكور يؤثث واجهة “الديموقراطية المغربية”؟ ثم هل في هذا الكلام تقريع لحكومة بنكيران التي يصرّ اتباعها على وسمها بصفة حكومة “ثورة الصناديق”، والحال أن الخطاب الملكي اعتبرها لا تختلف عن سابقاتها التي جاءت كنتيجة لهاجس الوصول الى السلطة وليس خدمة المواطن والتعبير عن انشغالاته؟

التحذير من التشكيك في نتائج الانتخابات المقبلة:

رغم التعويم الذي وسم خطاب الملك، إلاّ أننا لن نعدم بعض الاشارات الواضحة، او بالاحرى بعض الرسائل التي تبدو وجهتها اقرب الى الوضوح، يقول في فقرة من الخطاب :”ومن جانبها فإن الإدارة التي تشرف على الانتخابات تحت سلطة رئيس الحكومة، ومسؤولية وزير الداخلية ووزير العدل والحريات، مدعوة للقيام بواجبها، في ضمان نزاهة وشفافية المسار الانتخابي. وفي حالة وقوع بعض التجاوزات، كما هو الحال في أي انتخابات، فإن معالجتها يجب أن تتم طبقا للقانون، من طرف المؤسسات القضائية المختصة.” ما يُستشفّ من هذه الفقرة هو التأكيد على أن حكومة بنكيران هي المشرفة على الانتخابات ولا حق لها أن تطعن في نتائجها، وهو ما يعني أنه رد مباشر على بنكيران الذي دأب هو وحزبه على التشكيك القبلي في نتائج الانتخابات ما لم يتبوأ الحزب الرتبة الاولى، وقد تساءل بنكيران في ختام المؤتمر الاستثنائي لحزبه قبل شهرين بنوع من التحدي، قائلا:” هل تعرفون كيف سيصبح الشعب المغربي إذا سمع نتائج غير التي ينتظر والآمال التي يعلق عليها قلبه”، بنكيران هنا كان يحذّر من التفكير في تزوير الانتخابات، لكن جواب الملك كان هو: أنت رئيس الحكومة والمشرف الرئيس على الانتخابات فحذار من التشكيك في نتائجها، وحتى ان حدثت تجاوزات فإن معالجتها يجب ان تتم طبقا للقانون وليس بالنزول الى الشارع أو تحريض الناس والتهديد.

 وبعد هذا التحذير المستبطن الموجه لبنكيران وحزبه، اردف الملك في خطابه بالقول:”غير أن ما يبعث على الاستغراب، أن البعض يقوم بممارسات تتنافى مع مبادئ وأخلاقيات العمل السياسي، ويطلق تصريحات ومفاهيم تسيء لسمعة الوطن، وتمس بحرمة ومصداقية المؤسسات، في محاولة لكسب أصوات وتعاطف الناخبين.” وهو ما يعني أن الكلام موجه اساسا لبنكيران وحزبه، فالحديث عن “تصريحات ومفاهيم تسيء لسمعة الوطن” كل المؤشرات تدل على أن المقصود بها هو تهديد بنكيران بالنزول الى الشارع وحديثه  عن وجود دولتين؛ واحدة تحكم إلى جانب الملك واخرى لا يدري كنهها، هذا التصريح وما شابهه جعل الصحف ووسائل الاعلام تتحدث عن غضبة ملكية، وتتحدث بعض وسائل الاعلام المقربة من فؤاد عالي الهمة عن تذمر الملك من توظيف بنكيران لكل شيء من أجل فوزه بالانتخابات، ولو كان ثمن ذلك تشويه سمعة المغرب بما قد يجعل المستثمرين يتردّدون في الاقبال على الاستثمار في البلد، وهو الكلام الذي كرّره الياس العماري ايضا في ضيافة التيجيني.
بعد هذا التقريع الحاد الذي وجّهه الملك لبنكيران، حاول بعد ذلك تعويم الموضوع، وتوجيه التحذير الى الكل؛ أغلبية ومعارضة، يقول الملك في خطابه :”وهنا أقو ل للجميع، أغلبية ومعارضة: كفى من الركوب على الوطن، لتصفية حسابات شخصية، أو لتحقيق أغراض حزبية ضيقة.”، وهذه الفقرة قد تهدّئ من روع أنصار البيجيدي، بعد وجبة التقريع التي أكلها بنكيران، هنا عاد الملك للتعويم، ومخاطبة الكل بالكف عن تصفية حسابات حزبية ضيقة على ظهر مصالح الوطن.

عدم القيام بالواجب، هو نوع من أنواع الفساد:

بعد أن فرغ خطاب الملك من الحديث عن الانتخابات وما يجب الالتزام به لانجاح هذا الاستحقاق، عرج للحديث عن الفساد، فاعترف أنه لا أحد معصوم من الفساد إلاّ الانبياء والملائكة والرسل، واذا ما قمنا بتمطيط هذا “الاعتراف” فإننا سنصل إلى نتيجة مفادها أن الملك نفسه قد يُقدم على الفساد، ما دام انه ليس نبيا ولا ملاكا ولا رسولا، اذن هو أيضا معرض لارتكاب الفساد، لكن يُستبعد جدا أن يكون المقصود من كلامه هنا هو الاعتراف بهذا، بل جاءت هذه الفقرة أساسا لمحاولة الدفاع عما سُمي اعلاميا بفضيحة “تجزئة خدام الدولة”، وللتخفيف من هول الفضيحة، حاول أن يؤكد أن لا احد معصوم من الفساد، وفي نفس الوقت حاول توجيه اللوم لمن لا يقوم بجهوده لمحاربة الفساد، يقول الملك في خطابه :”كما أن مفهومنا للسلطة يقوم على محاربة الفساد بكل أشكاله: في الانتخابات والإدارة والقضاء، وغيرها. وعدم القيام بالواجب، هو نوع من أنواع الفساد.”
إن عبارة “عدم القيام بالواجب هو نوع من انواع الفساد” هي تقريع مباشر لحكومة بنكيران، خاصة في ظل الحديث الذي رافق فضيحة خدام الدولة حول وجود مرسوم اصدره الوزير الاول سنة 1995 يجيز استفادة المسؤولين من “تجزئة خدام الدولة”، وهو نفس الكلام الذي حمله بلاغ وزارتي الداخلية والمالية، وكرّره إلياس العماري في ضيافة التيجيني، حيث حمل المسؤولية في ذات البرنامج للحكومة التي لم تقم بمراجعة هذا المرسوم، اي بلغة خطاب الملك الحكومة ” لم تقم بالواجب، وهذا نوع من انواع الفساد”. ثمة خيط ناظم لا تخطئه العين الفاحصة، يجمع بين بلاغ الوزارتين وما قاله الياس العماري في بلاطو “ضيف الاولى” وما جاء في خطاب الملك، ثمة محاولة لجعل الامر وكأنه تحصيل حاصل، وليس بالامور المهولة كما صوّره نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، وكما حاول حزب البيجيدي اللعب على الموضوع لصالحه ضد وزارة الداخلية.
رغم تأكيد الملك في بداية خطابه أنه فوق الاحزاب إلا أنه هنا اصطف الى جانب وزارة الداخلية والمالية وحزب الاصالة والمعاصرة، بلغة واضحة أنه اصطف الى جانب فؤاد عالي الهمة ضد بنكيران، وإلا كان عليه بوصفه “الساهر على احترام الدستور وحسن سير المؤسسات” أن يأمر الحكومة والمؤسسات المعنية للقيام بالواجب وأن تكفّ عن ممارسة نوع من الفساد من خلال عدم قيامها بالواجب؟ فإذا كان بنكيران لم يقم بالواجب في مراجعة مرسوم الوزير الاول لسنة 1995 فإن الملك ايضا بوصفه الساهر على احترام الدستور لم يقم بالواجب في توجيه حكومته لمحاصرة جيوب الفساد؟

خاتمة
بالرغم من أن الخطاب في ظاهره يبدو وكأنه كان “عادلا” في توزيع التقريع والتأنيب على الاحزاب السياسية وخدام سياسة صاحب الجلالة سواء بسواء، إلاّ أن مضمراته حملت تقريعا أقوى وأقسى لبنكيران وحزبه أكثر من المعارضة وزعمائها، مما يؤشر بشكل واضح على أن القصر الملكي لم يعد يراهن كثيرا على بنكيران بعد أن استنفذ مهمته، هناك رغبة أكيدة لدى القصر من أجل رفع حزب الاصالة المعاصرة الى رئاسة الحكومة، بعد أن كان مقررا له أن يصل اليها سنة 2012 لولا الحراك الشعبي الذي فرض على النظام اعادة حساباته وكبح جماح اداته، لكن الان يبدو أن الرغبة استبدت بالقصر الملكي للعودة الى ورقة الاصالة والمعاصرة ورَمْي ورقة اسلاميي صاحب الجلالة، هذا ما كشف عنه هذا الخطاب، وما كشفته ايضا جملة من الاحداث مؤخرا (زيارة الياس الى جانب الملك للصين، تلاوة الرسالة والملكية وحضور مولاي رشيد وسط غياب بنكيران عن ميد كوب22، تسريب خبر الغضبة الملكية من محيط القصر، وسط صمت هذا الاخير…)
فهل سينجح القصر في مسعاه، أم أن حزب بنكيران “سيصمد” في وجه ذلك دفاعا عن حبه غير المحدود للملك والمؤسسة الملكية؟ ذلكم ما ستكشف عنه مرحلة ما بعد انتخابات 7 أكتوبر…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.