تحليل إخباري: زراعة الكيف بالريف بين مزايدة الأحزاب السياسية واسترزاق المجتمع المدني.

لأول مرة سيعقد نقاش عمومي ومن داخل قبة البرلمان حول تقنين زراعة الكيف، حيث سينظم يومه الأربعاء 4 دجنبر2013 يوم دراسي من طرف حزب الأصالة والمعاصرة تحت عنوان:” دور الاستعمالات الايجابية لنبتة الكيف في خلق اقتصاد بديل”، وحسب تصريح شكيب الخياري الذي قدم نفسه كمنسق “للائتلاف المغربي من أجل الاستعمال الطبي والصناعي للكيف”، فسيحضر هذا اليوم الدراسي خبراء دوليون ،على رأسهم  كل من  السويسري”كلود فاني” الذي يشغل رئيس قسم الأعصاب والأمراض العصبية في مستشفى زيوريخ،  ويعتبر بمثابة المؤسس لقانون الاستعمال الطبي لنبتة الكيف في سويسرا، والى جانبه سيشارك  الخبير السويسري “أندري فورت” الذي يمتلك حقلا لإنتاج الكيف ويتم استعماله من أجل صناعة الأدوية، بحيث تقوم شركات إنتاج الأدوية باقتناء منتوجه من الكيف المزروع.

 وقد كان التقرير السنوي الأخير الصادر عن الأمم المتحدة حول المخدرات في العالم صنّف المغرب المتصدر الأول من حيث زراعة وإنتاج الحشيش إلى جانب أفغانستان بينما لبنان وباكستان والهند يأتون في مرتبة أدنى من حيث إنتاج وزراعة القنب الهندي.

بعد التقرير المصنف للدول المنتجة للمخدرات بأنواعها المختلفة والذي قدم بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة المخدرات بفينا والذي يصادف 26 يونيو من كل سنة، شدد  “يوري فيدوتوف” المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة على أهمية احترام الاتفاقيات الدولية، وعلى المجتمع الدولي استخدامها بشكل فعال وصحيح كما يجب على الدول الأعضاء الالتزام بتعهداتهم وتطبيق الاتفاقيات الدولية.

وحسب إحصائيات وزارة الداخلية المغربية والتي تبقى نسبية وبعيدة عن الواقع، فقد أوردت أن 90 ألف عائلة تعيش من عائدات نبتة الكيف، بينما يبلغ إنتاج الحشيش حسب التقرير السنوي للمكتب الأمريكي الخاص بتتبع ومكافحة المخدرات في العالم 200ألف طن سنويا، حوالي 1500 طن توجه لدول الاتحاد الأوربي.

بعيدا عن لغة الأرقام و التقارير الدولية ، وبالعودة لمنطقة الريف المغربي  الموطن الذي تتمركز به زراعة الكيف، وبعدما كانت سابقا تتركز فقط بالمناطق الجبلية، اكتسح هذا النشاط الزراعي  مساحات واسعة، وبدأ استعمال طرق عصرية في الزارعة، بحيث لم يعد الاعتماد وفقط على الأمطار، حيث يتم استغلال المياه الجوفية  مع استعمال تقنيات عصرية في الري”الكوت أكوت”، كما تم استقدام أنواع جديدة من هذه النبتة من دول أسيا وأمريكا اللاتينية(لافوكا، باكيستانا…) ذات الانتاجية الأوفر.

مؤخرا ومن خلال أحداث متكررة حاولت  السلطة التدخل من أجل الحد من انتشار الزراعة يتم الرد عليها بقوة من طرف الفلاحين، بحيث لم تعد الساكنة تطيق الابتزاز التي تتعرض له من قبل السلطة، فقد تم طرد “براح” السنة الفارطة من سوق ومعه كل رموز السلطة  بعدما حاول إخبارا لمتسوقين بمنع زراعة الكيف، كما تعددت أشكال الرد على أي محاولة لابتزاز ومضايقة الفلاحين مؤخرا من قبل السلطة، لتتطور الى شكل احتجاجية، حيث رددت شعارات” سوا اليوم سوا غدا ..الكيف ولابدا”

خروج الساكنة للاحتجاج والدفاع عن حقها في زراعة الكيف يؤشر على مرحلة جديدة في وعي المزارعين للكيف بالريف، بعدما كان يعيش هذا الأخير تحت هاجس التهديد والخوف الدائم من المقدم إلى أعلى سلطة،  وكان عرضة لكل أنواع الابتزاز والخضوع. فالسلطة عرفت كيف تستثمر هذا الخوف، وتحسيس وإشعار الفلاحين على أنهم مطلوبين دائما مع وقف التنفيذ.

فمثلا، سابقا، كان أحد أعيان المنطقة -الذي رحل مؤخرا- يرد على مطالب الساكنة الضرورية من قبيل المدارس والمستشفيات والطرق…،بأن يختاروا بين زراعة الكيف ومطالبهم المرفوعة،  موهما إياهم بحمايتهم والتستر عليهم بفعل هذه الزراعة المحظورة.

تحرر مزارعو الكيف نسبيا من الخوف المزمن الذي لازمهم لعقود بفعل رياح التغيير وشيوع ثقافة الاحتجاج ليؤشر لمرحلة جديدة لم يعد فيها مقبولا منطق التعاطي القديم للسلطة ورموزها.

طبعا كل الأحداث الأخيرة  التي أشرنا اليها لا تخلو من توظيف سياسي وحزبي ضيق بين اللاعبين السياسيين لكسب قواعد انتخابية جديدة، أو لأغراض بعيدة.

 مؤخرا سلط الضوء بشكل لافت على نشاط زراعة الكيف من خلال تقارير صحفية وتصريحات من قبل فاعلين قدموا أنفسهم خبراء في هذا المجال، بعدما كان الحديث عن هذا النشاط القديم بشمال المغرب من الطابوهات ويحظر على أي كان الخوض فيه،  والاقتراب من إشكالاته بصيغة أو بأخرى.

   مؤخرا بدأ الترويج إعلاميا “للائتلاف المغربي من أجل الاستعمال الطبي والصناعي للكيف”، منسق هذا الائتلاف أو عرابه “شكيب الخياري” البعيد كل البعد عن المناطق التي يزرع فيها الكيف(ابن مدينة الناظور)، سبق له وان تقدم بمشروع قانون من 109 مواد موزع على اربعين صفحة لتقنين زراعة الكيف، مستلهما ذلك حسب ما صرح من تجارب عدة دول سباقة في هذا المجال.

الحديث عن ائتلاف  يمثل مجتمع مدني يشتغل على  موضوع زراعة الكيف ومرتبط  بهموم وتطلعات مزارعين الكيف هو ادعاء لا أساس له من الصحة، فلا أثر لأي جمعية تشتغل ميدانيا على هذا الموضوع وفي احتكاك يومي بالمزارعين.

لعل موضوع زراعة الكيف لا يخلو من تسابق واسترزاق سياسي وتنموي، على غرار قضايا أخرى  تم التعاطي معها بنفس المنطق من قبيل “الغازات السامة”، و”جبر الضرر الجماعي”، يتم الاستفادة منها لحظيا من قبل السباقين لإثارة الموضوع أو الذين بالأحرى تم الإيحاء لهم بإثارة الموضوع.

بينما كان من الأجدر فتح نقاش عمومي حول ظاهرة زراعة الكيف بالمغرب، يعتمد أولا على قاعدة معطيات ميدانية، تبدأ بتحرير الموضوع  للتداول فيه بشكل علني وصريح من قبل الفلاحين وتشجيعهم على إبداء آرائهم واقتراحاتهم بكل حرية، مع إشراك كل الفاعلين والمهتمين لإنضاج مقاربات التدخل من أجل إعادة هيكلة هذه الزراعة وضبطها بعيدا عن المنطق الجزري، أو  التعاطي الفوقي الذي قد لا يجدي في الحد من انتشارها، والذي غالبا  ما يكون المراد منه فقط تدبيج تقارير موجهة للخارج  تبرز فيها العمل على الحد من زراعة الكيف وتقنينها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.