تحليل إخباري: الحركة المدنية “ضمير”؛ أو الحية تغيّر جلدها

محمد المساوي/ جابر الخطيب

بعد كل الاتصالات المكثفة التي قام بها  صلاح الوديع  مؤخرا مع شخصيات ونخب من مختلف المشارب والاهتمامات، المحسوبة على الاتجاه الحداثي على حد تعبيره، تم الاعلان صباح السبت 14 دجنبر2013 عن جمع عام تأسيسي بالدار البيضاء لجمعية سياسية مدنية ستحمل من الاسم” الحركة المدنية ضمير” وشعارها المركزي هو “من أجل حرية الفكر، وانتصار المعرفة وكرامة الإنسان”. وقد حضر هذا الجمع العام التأسيسي مجموعة من الوجوه المثيرة للجدل من داخل المشهد الاعلامي والفني والثقافي، من بينهم الممثلة لطيفة أحرار، وأحمد عصيد وموليم العروسي…فما هي الاضافة التي يراهن عليها أصحاب المبادرة؟ وما السياق الذي أتت فيه؟

العنوان الأبرز؛ مواجهة المدّ الاصولي لحزب العدالة والتنمية:

مبادرة تأسيس الإطار المدني حسب الوديع تهدف إلى “جمع كل “الحداثيين” والمناهضين  للحزب الاسلامي؛ العدالة والتنمية الذي يطمح لأسلمة الدولة والمجتمع”. وكان صلاح الوديع قد جمد عضويته من داخل أجهزة حزب الأصالة والمعاصرة  حسب ما صرح به، وكانت قد تداولت الأخبار نيته تأسيس حزب جديد الى جانب سعيد السعدي الوزير السابق الغاضب على انخراط حزبه التقدم والاشتراكية في الائتلاف الحكومي الى جانب حزب بنكيران، ومجموعة من المتذمرين والساخطين على إطاراتهم، بيد أن صلاح الوديع ومن خلال إحدى حواراته الأخيرة نفى أي نية له من أجل تأسيس حزب جديد، وتأسف على انتهاء دور “حركة لكل الديموقراطيين”  بعد تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة والذي كان يُفترض الحفاظ عليها  لإكمال مشروعها. وكان الوديع وبإيعاز من علي الهمة الى جانب آخرين قام بتأسيس “حركة لكل الديموقراطيين ” والذي لعب فيها دورا مركزيا فاستطاع استقطاب العديد من الوجوه السياسية والتي في أغلبها كانت محسوبة على اليسار الجديد، وقد ساهم في تنشيط وتأطير أغلب أنشطتها، قبل أن تنتهي مهام هذه الأخيرة عند تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة.

عودة صلاح الوديع والدور الجديد:

صعود نجم صلاح الوديع من داخل “حركة لكل الديموقراطيين” لم يلاق نفس النجاح والاهتمام من داخل حزب “البام”، حيث فشل في تحصيل مقعد نيابي بمدينة أسفي، كما لم يستطع الحفاظ على موقع قيادي ريادي من داخل أجهزته.  كل هذه الأسباب وغيرها، بالإضافة لواقع المشهد السياسي المرتبك والمفلس، والذي أصبح يتم التعبير عنه حتى من طرف أعلى سلطة بالبلد، قد تكون وراء هذه المبادرة الجديدة، كما أن حزب البام  يعمل على محاولة هندسة مشهد حزبي ومدني جديد قد يستغني فيه على بعض الأحزاب، كما أن هذا الأخير وبعدما لم ينجح في تأسيس أذرعه النقابية والمدنية، دخل في استراتيجية الاستثمار من الخارج في إطارات نقابية ومدنية ليس بالضرورة  لها تبعية تنظيمية له، وقد يكون هذا الإطار لبنة من سلسلة جمعيات أخرى تتكامل في الأدوار المنوطة بها، بعدما لم يستطع الى جانب أحزاب معارضة خلق استقطاب مقنع يجعل النخب الغير منتمية حزبيا تتفاعل معه بإثارة قضايا تحرج الحكومة على شاكلة الدور الذي كان قام به حزب الاتحاد الاشتراكي في مراحل سابقة على مختلف الواجهات النقابية والثقافية وغيرها. والمتتبع للنسق السياسي المغربي يجد أن الحراك الشعبي أرغم حزب الاصالة والمعاصرة على تنويع أذرعه ومصادر قوته عبر خلق مبادرات تبدو ظاهريا بعيدة عن الحزب لكن في العمق هي تعمل بتوجيهات مصدرها جهة واحدة، منها يستقي هؤلاء والحزب قوتهما. إلى درجة أصبح حزب الاصالة والمعاصرة يتجاوز كونه اطاراً تنظيمياً ذو مشروع سياسي إلى كونه استراتيجية للتحكم يتم التعبير عنها بصيغ مختلفة ويعتبر حزب البام أحد هذه الصيغ كما يعتمد روحها(الاستراتجية) على صياغة معادلة مفادها: تقوية الاتجاه الحداثي من داخل دار المخزن من أجل قطع الطريق على الاتجاهات الماضوية التي يغذيها حزب العدالة والتنمية. وعودة صلاح الوديع بمبادرته هذه لا يصح النظر إليها خارج إطار هذه الاستراتيجية، والأيام القادمة كفيلة بتسليط المزيد من الضوء على رجاحة هذا الافتراض.

والأرجح أن مبادرة الوديع هاته سوف لن تنتهي على شاكلة “حركة لكل الديموقراطيين” بتأسيس حزب جديد، وإنما ستبقى فقط طيفا مرنا لاستقطاب نخب جديد منسحبة من إطاراتها وأحزابها أو مستقلة ما زال لديها من الإحراج الذي يجعلها لا تجرؤ على الالتحاق بحزب الأصالة والمعاصرة علانية.

“الحركة المدنية ضمير”؛ أو الحية تغيّر جلدها:

إن المتأمل للسياق الذي أتت فيه هذه المبادرة ستبدو له أنها ليست مبادرة جديدة، بل هي مبادرة قديمة لكنها بلباس قشيب وجلد جديد، فالحقل السياسي المغربي يتميز بسمة فريدة، هذه السمة تتغذى على استعادة تجارب –تقريبا- بنفس الحجم والطبيعة والرهانات، وكأن الحقل السياسي منذور لإعادة التاريخ دون الانتباه إلى أن التاريخ لا يعيد نفسه إلاّ بشكل ملهاة؛ فتجربة حكومة عبد الله ابراهيم تمت استعادة رهاناتها بشكل دراماتيكي مع حكومة التناوب وأخيرا  بشكل أكثر مأساوية مع حكومة “ثورة الصناديق”.. وهلم جراً من التجارة المكررة والمعادة، وعليه ف “الحركة المدنية ضمير” تبدو من خلال ملامحها الأولية والارهاصات التي رافقت الاعلان عن ميلادها هي استعادة ثانية لتجربة “حركة لكل الديموقراطيين”، طبعا مع بعض الرتوش وتصعيد بعض الوجوه الجديدة إلى واجهتها، لكن الأكيد أن استراتيجية عملها والرهان المعلق عليها لا يختلفان في جوهرهما عن الرهان الذي لازم “حركة لكل الديموقراطيين”.
عود على بدء:
إن الصراع الذي يتم الترويج له على أنه صراع يخاض على أشده بين الحداثيين والمحافظين حول موضوعات الهوية والحقوق الكونية المشتركة والدين..هو صراع تمويهي يقف على حدود العتبات فقط دون أن تكون له الجرأة للكشف عن حقيقته، فالحقيقة أن كل واحد من هؤلاء  يسعى إلى  تقديم نفسه للملكية أنه الرهان الحقيقي لمنحها الاستقرار والامتداد في الزمن ضدّا عن كل الاصوات التي تنادي بتحجيم دورها في الحقل السياسي، لإعطائه امكانات المنافسة الحقيقية، والتعبير عن المشاريع السياسية الذاتية لا الاكتفاء بالتعبير عن القدرة في تطبيق برنامج الملك، ف”الحداثيون” الذين يرهنوا أنفسهم لمواجهة المدّ الأصولي داخل المجتمع وداخل مؤسسات المخزن لا يختلفون عن نظرائهم أصوليي المخزن، فكلاهما يقدم أغلى ما يمكن من أجل استمرار تحكم الملكية في الاقتصاد والسياسة والدين ..انهم فقط يتنافسون من يقدم أنجع وصفة للنظام الملكي لاستمرار بسط سيطرته، ولعل الكثير من الأحداث والمواقف المعلنة وغير المعلنة أفصحت عن حقيقة هذا الصراع، فماذا قال المعسكران عن قضية العفو الملكي عن البيدوفيل الاسباني دانيال كلفان، وماذا يقولان عن الجمع بين السلطة والمال، و ماذا يقولان أيضا عن مكامن المشكل الحقيقي للميوعة  التي تضرب المشهد السياسي المغربي؟
حاشية:

نقلت وسائل الاعلام ما عبر عنه عبد الله باها حول المشروع الذي يروم التنصيص القانوني على فصل الثروة عن السلطة في مشروع القانون التنظيمي لعمل الحكومة، فقد نقل عن الرجل قوله “ليس مجال هذا القانون الفصل بين الثروة والسلطة، ثم إننا في المغرب لنا خصوصية لا توجد في الغرب حيث الديمقراطية مبنية على الصراع وليس على المنافسة، ثم إن إعمال الفصل بين الثروة والسلطة من شأنه أن يبعث الحقد على الأغنياء في المجتمع المغربي”، لقد رفض التنصيص على عدم الجمع بين السلطة والمال لأننا لنا خصوصية مغربية (كذا ) أي استثناء مغربي، وأيضا حتى لا يبعث هذا الفصل الحقد على الأغنياء؟؟؟ ترى هل ستواجه حركة “ضمير” هذا الموقف الفاشي وتفضحه، أقصد الموقف الذي عبّر عنه أحد رؤوس الأصولية المخزنية، الاستاذ عبد الله بها؛ الموقف الذي يخاف على مصاصي الدماء من حقد الفقراء وأخذه مبرّرا لرفض قانون هو من ألف باء الممارسة الديموقراطية، أم أن أصحاب “ضمير” سيكتفون فقط بانتقاد حديث هؤلاء عن الجنس والفن وتبادل القبل في الساحات العمومية؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.