تحقيق: متحف الريف و عودة “فكتوريا” الى موطنها

جمال الكتابي ومانويل بالوما يتوسطان لوحة فكتوريا عند بوابة المتحف

جمال الكتابي

مقدمة:

القليل من الباحثين والمهتمين وأهل الريف/المغرب ربما يعلمون بوجود أحد المتاحف بمدريد التي تحتوي على جزئ هام من ذاكرة الريف وخاصة حقبة الاحتلال الأسباني للشمال ومرحلة عبد الكريم بشكل خاص. السبب يرجع بدون شك الى أن هذا المتحف لم يكن مفتوحا للعموم كما أنه لم يكن ممنوعا من زيارته. المتحف يحتوي على العديد من الصور الفوتوغرافية من بينها صور أصلية التي تقدر بالمئات وأشرطة كثيرة ولوائح القتلى الاسبان الذين سقطوا في معارك حرب التحرير في الريف، ولوائح المتعاونين والمجندين والعملاء وكذا الملف الشخصي لجنرال كاسترو خيرونا.

هذا المتحف يوجد في ملكية السيد ‘مانويل بالوما’ بمدريد. هذا الأخير قرر تسليم هذا المتحف كهدية إلى بلدية الحسيمة حتى لا يضيع وهو متقدم في السن. السيد مانويل تمنى لو كان هناك متحف بالحسيمة حتى يسلم له الأمانة مباشرة لكن البناية المخصصة للمتحف بالحسيمة أصبحت مكانا لرمي النفايات ومأوى للكلاب الضالة والمشردين.

على ذكر متحف الريف فشباب الحراك طالبوا ضمن ملفهم المطلبي أو الحقوقي إنشاء متحفا خاصا حتى يكون منارة ثقافية لحفظ الذاكرة بالريف والمغرب، لكن مطالبهم قوبلت بالعنف والاعتقال والاحكام القاسية كما شاهد الجميع. ربما سيتساءل أحدكم وهو سؤال مشروع جدا هل بإمكان بلدية الحسيمة الاحتفاظ بهذا المتحف أم ربما سيضيع في رفوف المكتبات الأخرى؟

ليس هناك ضمانات لذلك من طبيعة الحال، لكن هناك اتفاقية عدلية في هذا الصدد والنسخة من هذه الاتفاقية موجودة عندنا. بالنسبة للسيد مانويل لا حيلة له من تسليم ذلك الى جهة رسمية بالمغرب (بلدية الحسيمة) وكما لا بد له من إخبار الجهات الرسمية الإسبانية حتى يتم السماح له بنقل الارشيف إلى بلد أخر، ففي هذا الصدد تم زيارته من طرف مسؤول كبير بالجيش الاسباني ( جنرال ) لاسترجاع بعض المقتنيات ذات طابع عسكري من بينها الملف الشخصي لجنرال كاسترو خيرونا. كما أن السيد مانويل وثق كل شيئ باحترافية عالية حتى يحتفظ بنسخة إلكترونية لكل مواد هذا المتحف حتى لا يتم العبث بمحتوياته.

المتحف سيكون له قيمة اذا بقي مجموعا. حول القيمة العلمية لمواد المتحف يمكن أن اقول ” نحن بحاجة إلى كل شيئ يوثق ذاكرتنا من الضياع مهما بدت صغيرة أو تافهة في نظر البعض”. رغم ان السيد مانويل لا يريد أن يربط قراره هذا بحراك الريف لكن أقول ان الحراك الشعبي بالريف له أكثر من تأثير، بل يعد إنجازا مباشرا للحراك وخاصة ان القرار النهائي في مصير المتحف كان بيد زوجته التي تتعاطف كثيرا (مثله طبعا) مع أهل الريف.

قصة إنشاء هذا المتحف ستكون ضمن هذا التحقيق. فقط أشير أن ضمن مواد هذا المتحف لوحة جميلة جدا لا تقدر بثمن لشابة ريفية رسمتها سيدة اسبانية إسمها فكتوريا غارسيا (مشغلتها السابقة) التي أخذتها (الشابة) معها من الريف عندما غادرته سنة 57-58. والتي تحمل عنوان هذا التحقيق. لهذا فإني أهدي هذا التحقيق وهذا ‘الانجاز’ إلى أبطال الحراك القابعين في السجون ظلما وعدوانا.

عودة فكتوريا إلى الريف

فكتوريا اسم لوحة رسمتها سيدة إسبانية إسمها فكتوريا غارسيا قبل عقدين أو ثلاثة. فكتوريا إسم على مسمى تعني الانتصار في لغة الشعوب الحرة. حسب صديقنا مانويل فالسيدة المعنية في هذه اللوحة هي شابة ريفية أخذتها معها مشغلتها من الريف عندما غادرته سنة 1957 في إطار انسحاب اسبانيا من شمال المغرب. الشابة الريفية عاشت مع مشغلتها في إسبانيا حتى اضطرت في وقت ما الانتقال الى إحدى دور العجزة الموجودة في إحدى المدن الاسبانية. حسب السيد مانويل فالشابة الريفية لم تتمكن يوما من الرجوع إلى موطنها الاصلي؛ الريف/المغرب.

حول الأسباب التي حالت دون رجوعها إلى الريف لا نعرف عنها الشيء الكثير. كما أننا لا ندري هل هي ماتزال على قيد الحياة أم لا، لكن رغم ذلك لدينا بصيص من الأمل على أن نعثر عليها على قيد الحياة. السيد مانويل حاول البحث عن السيدة غارسيا حتى نحصل من خلالها عن المعلومات التي ستقودنا إلى هذه السيدة الريفية لكن بدون جدوى إلى حدود الآن. كما أننا لا نعرف إسمها الحقيقي. نتمنى أن نعثر عليها على قيد الحياة وفي كامل قواها العقلية حتى نعيد معها كتابة جزء من ذاكرة الريف بل ذاكرة أول ‘مهاجرة’ مغربية إلى إسبانيا ما بعد الحرب الأهلية في إسبانيا التي تم تجنيد لها الآلاف من أهل الريف. وخاصة أنها غادرت البلد في ظروف خاصة جدا. رغم أننا لا يمكن مقارنتها مع لوحة ‘دافينشي’ لكن ما يجمع اللوحتين هو أنهما سجلتا باسماء مجهولة، الأولى امتلكتها سيدة اسبانية ‘خارج إرادتها’ والثانية ‘امتلكها’ تاجر فلورانسي كزوجة ثالثة رغما عن أنفها. يقال فمولانيزا نفسها لم يتم العثور عليها بعد تصويرها. اللوحة عثر عليها السيد مانويل من خلال علاقاته الخاصة ليعزز بها متحفه (متحف الحسيمة بمدريد). رغم محاولات العديد من المولوعين بفن الريشة شراءها منه لكنه رفض.

عندما زرت المتحف قبل اربع سنوات كانت هذه اللوحة أول من أثار انتباهي، أو مايسمى في لغة التواصل الحب من خلال النظرة الأولى، وخاصة لباسها الريفي ووجهها الطفولي الريفي الجميل، و’تنتونة’ في يديها كدلالة على أن الشابات الريفيات كن يتقن الضرب على أجون (البندير) وترديد إزران (الاغاني الريفية) كلما سنحت لهن الفرصة لذلك. فكتوريا سترجع إلى موطنها الأصلي (ولو على شكل لوحة على الأقل) بعد مرور 60 سنة بالتمام والكمال على تهجيرها من الريف. فكتوريا لن ترجع لوحدها بل سيرافقها في رحلة العودة هاته لوحات أخرى ومجسمات و العديد من الصور والمعطيات التاريخية التي تؤرخ أساسا لمرحلة الثورة ضد الاحتلال الاسباني. التي نتمنى لها مكانا خاصا في متحف الريف المنشود والذي كان من بين مطالب شباب الحراك.

مانويل …ذاكرة ومتحف

بعد تفكير دام ما يقارب أربع سنوات قرر صديقنا مانويل أخيرا إهداء هذا المتحف (متحف الحسيمة بمدريد) إلى أهل الريف. أخذ هذا القرار في فبراير/مارس الماضي ووضعه على الورق على شكل اتفاقية مع نهاية يوليوز من هذه السنة التي نودعها. كلا القرارين تزامنا مع تطورات مهمة في الريف وحراكه، لكن السيد مانويل يربط قراره هذا بشكل اساسي بنصيحة زوجته التي طالبته التبرع بهذا المتحف لاهل الريف/المغرب بدون مقابل، على اعتبار أنه في نظرها ريفي المولد والمنشأ وأن جزئ من جذوره توجد هناك، بعدما كان يطلب بمقابل عيني، وهذا من حقه على اعتبار انه جمع واشترى مقتنيات هذا المتحف بأمواله الخاصة، هذا بدون احتساب وقته الثمين الذي وفره من أجل خدمات هذا المتحف.

بمناسبة زيارتي الاخيرة له في مدريد اجريت معه حوارا مطولا حول الاسباب التي دفعته الى إنشاء هذا المتحف والمراحل التي قطعها ومحتوايته وبالتالي إهدائه الى الريف. السيد مانويل بدأ الحكاية منذ البداية حتى يوصل لنا الفكرة في مجموعها. السيد مانويل ولد في الحسيمة سنة 1942 من أب وأم إسبانيين. والده وجده كانا ضمن المواطنين الاسبان الأوائل الذين وطأت قدميهما تراب الريف(الحسيمة) بعد سيطرة القوات الاسبانية بداية غشت 1925 على كيمادو. جده من ابيه السيد ‘مانويل دييكو Diego’ كان الشخص الذي فتح أول حانة في الحسيمة وبالضبط في كيمادو على شكل خيمة صغيرة (الصورة نشرتها لأول مرة سابقا)، والتي كان أغلب زبناءها من العسكر وعمال البناء. ولأنها أول حانة بالمنطقة، فاعتبرها البعض بداية تسلل التمدن إلى الريف. أما والده ‘خوسي’ فكان يمتلك مخبزة بالحسيمة تسمى مخبزة إيسترية Estrella أو النجمة (نفس مكان مقهى إيستريا حاليا) بشارع محمد الخامس الذي كان يسمى أنذاك بشارع ‘خوسي بريمو دي ريبيرا’.

غادر صديقنا مانويل مسقط رأسه الحسيمة نحو إسبانيا في سن المراهقة (16 سنة) مع والديه وإخوته الاربعة سنة 1957 بعدما اعتقد وهو طفل صغير ان الريف سيكون موطنهم الأول ومكان مثواهم الأخير. لماذا سيعتقد غير ذلك وهو وباقي إخوته ولدوا كلهم هناك وأن جده وجدته من أبيه دفنا بالحسيمة في مقبرة صباديا. لم يستسغ قرار المغادرة من ‘وطنه’ الريف الى وطن آخر يسمع عنه فقط إسمه إسبانيا. لم يستسغ مغادرة مقر سكناهم المطل على بحر كيمادو الساحر. لقد اقتلعوا جثتي الجدة والجد من مقبرة صاباديا ليحملها معهم ذات يوم في الباخرة المتجهة نحو مالغا. في المنطقة المجاورة لمالغا ،بلدالوليد، أعادوا دفن جثتي الجد والجدة ومن ثم تابعوا طريقهم الى مدينة مدريد من أجل البحث عن سكن وعمل. لقد باعوا المنزل الذي كانوا يمتلكونه بالحسيمة فوق مخبزتهم الموجودة في شارع خوسي بريمو دي ريبيرا (شارع محمد الخامس حاليا) ب 28 ألف بسيطة. هذا القدر من المال لم يكن كافيا لسد مصاريف شهر واحد من الكراء والاكل والشراب في مدريد وهم سبعة انفس/أفراد، حسب مانويل.

فرص الشغل كانت قليلة جدا حينها في مدريد وإسبانيا عموما، على حد قوله. فقط الجنود والموظفين الذين عادوا من الريف احتفظوا بأجرتهم الشهرية اما من كان يشتغل في مهن حرة كعائلته مثلا أصبحوا بدون عمل وبدون دخل مما اضطروا معه الإشتغال في كل المهن. لقد خرج أكثر من مرة للبحث عن فرصة عمل في مدريد ولم يجد، لكن السيد مانويل لم يفقد الأمل حتى عثر على عمل قار يرضيه. مع بداية 1962 حصل السيد بالوما على منصب شغل في شركة صناعة وبيع قطع الغيار للآلات الموجهة للفلاحة. السيد بالوما أصبح في وقت وجيز يمثل الشركة ويحضر باسمها في عدة جهات من إسبانية مما مكنه بربط علاقات داخلية قوية مع كافة المناطق وخاصة كتالونيا.

هذا الاقليم كانت له حصة الاسد في التواجد العسكري بالريف. هذه العلاقات مكنته من جمع أرشيف هذا المتحف. مع التذكير على أن الحسيمة كان فيها تواجد قوي للشيوعيين الكتالانيين والباسكيين الهاربين من الفاشية بل إن الشيوعيين هم الذين كانوا يشرفون على تسيير المدينة والمنطقة من بينهم المهندس/الضابط الشاب Emilio Blanco Izaga.

ولادة المتحف

مع استقرار وضعه المادي فكر السيد مانويل في جمع وشراء المقتنيات والصور التي حملها الجنود والمدنيين الاسبان معهم من الريف إلى اسبانيا عندما غادروه سنة 1957. مما دفعه الى تخصيص لهذه المقتنيات مكان خاصا في بيته في البداية ولا حقا في مكتبه. عندما حول الشركة على اسمه سنة 1972 بسبب إفلاس الجهة المالكة الاولى، خصص مكانا خاصا بفرع الشركة في مدريد منذ سنة 1975. بمعنى أن هذا المتحف رأى النور سنة 1975 بهذا المكان الموجود في الصورة.

في سنة 1999 نظم حفل افتتاح رسمي لهذا المتحف مما جعل الخبر ينتشر وينشر في العديد من الجرائد الوطنية والجهوية الاسبانية. السيد مانويل يقول ان من بين الصحفيين الذين اتصلوا به على ضوء هذا الاعلان هو صحفي اسباني، الذي قرأ خبر افتتاح المتحف في إحدى الجرائد الجهوية بمليلية الذي كان مراسلا لها قديما، اتصل به الصحفي وقال له لدي هدية للمتحف وكانت الهدية عبارة عن قرص يحتوي على أسماء ولوائح آلاف الجنود الاسبان الذين سقطوا في حرب الريف وخاصة في أنوال. هذا الصحفي حصل بدوره على هذه المعلومات من افراد الجيش عندما كان يشتغل صحفيا في مليلية. سألت مانويل إن كان هذا الصحفي مايزال على قيد الحياة فكان جوابه ربما لكن انقطع معه الاتصال منذ مدة نظرا لتقدمه في السن والذي كان يسكن في ناحية مالغا.

يحتوي المتحف على عدة وثائق وصور ولوحات ومعطيات تاريخية ومجسم يرسم المعارك الأخيرة للسيطرة على موروبييخو وكالابونيتا ولوائح المتعاونين والعملاء أثناء الثورة. السيد مانويل يتحفظ كثيرا على تسليم هذه اللائحة (المتعاونين) نظرا للحساسيات التي يمكن خلقها بين السكان. ويقول أنها وصية الجنرال كاسترو خيرونا قبل وفاته. لوائح القتلى تسلمها هو بدوره من جهات عسكرية ودينية اسبانية من بينها الكنيسة الموجودة بالحسيمة والناظور ومليلة على اعتبار أن الكنائس هي التي كانت تقوم بالمسح وجمع الجثث عند انتهاء المعارك.

استطاع السيد مانويل من خلال هذا المتحف أن يربط علاقات واسعة مع الباحثين والسياسيين ورجال الدولة من كل الأجناس الذين قاموا بزيارة المتحف في العقدين الأخيرين من بينهم أفراد من العائلة الملكية الاسبانية ووزراء و برلمانيين مغاربة. لقد وثق هذه الزيارات كلها في دفتر خاص لكتابة ارتسامات الزوار.

يحتفظ السيد مانويل بالعشرات من الصور الفوتوغرافية العائلية الخاصة بالأبيض والأسود، التي تعطي فكرة عن الريف فيما يتعلق بالإنسان والمجال. لقد طالبت منه وضع نسخة من هذه الصور أو بعضها لترسل مع بقية الارشيف إلى الحسيمة. السيد مانويل رجل ذكي ونشط جدا، يعد من مؤسسي جمعية قدماء الاسبان الذين ولدوا بالحسيمة، كما أنه عضو مسؤول بعدة مؤسسات ومنظمات اسبانية من بينها منظمة اليونسكو باسبانيا.

في الأخير أحيي الصديق مانويل على هذا الانجاز والقرار الشجاع وهذه الهدية التي لا تقدر بثمن انصافا للذاكرة والتاريخ المشترك، كما أحيي زوجته الفاضلة التي حسمت القرار بعد تردد دام سنوات. كما أحيي مجموعة من الأصدقاء في اسبانيا الذين لولاهم لما تعرفت أصلا على هذا المتحف من بينهم الصديق محمد العلواني الذي كان دائما ومايزال بجانبي وكذا الرفيق حماد بدوي. دون أن أنسى البادسي الاستاذ والصديق عبد الكريم الصديقي الذي ساهم بطريقته الخاصة على إنضاج شروط أخذ هذا القرار، و كل من ساهم من بعيد أو قريب في هذا العمل.

فقط بقي لي أن أنوه أنه بعد انتهائي من صياغة هذا التحقيق وصلني خبر مفاده أن عنوان السيدة غارسيا أصبح معروفا وسنخبركم لاحقا بكل التطورات.


اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.