تجربة التناوب التوافقي تطارد العدالة والتنمية

العدالة والتنمية

ونحن على بعد أسابيع قليلة من إكمال حكومة حزب العدالة والتنمية برئاسة عبد الإله بنكيران لعامها الثالث، والموافق ليوم 3 يناير من السنة الجديدة القادمة 2015، يحق لنا أن نتساءل عن واقع ومآل التجربة الحكومية، خاصة في ظل الصعوبات والتحديات التي تواجهها، وكذلك أمام الحصيلة المتدنية نسبياً لعملها في السنوات الثلاثة من عمرها، سواء على المستوى السياسي، أوالاقتصادي والاجتماعي أو حتى على المستوى الثقافي والقيمي، وهذا ما توضحه وتفسره جميع المؤشرات والإحصائيات الصادرة في الأشهر الماضية على المستوى الوطني وبشكل رسمي أو على مستوى الهيئات والمنظمات الدولية المهتمة بهذا الشأن، فيما يخص معدل النمو ونسبة البطالة ووضعية التعليم والصحة وحجم الرشوة والفساد، مما يطرح مجموعة من التساؤلات انعكاسا للواقع الملاحظ والمعاش، من قبيل هل مسار وتجربة حزب العدالة والتنمية الحكومية تسير وتتجه في نفس منوال ومآل تجربة حكومة حزب الاتحاد الاشتراكي لسنة 1998 برئاسة عبد الرحمان اليوسفي رغم اختلاف السياق العام لفرزهما؟ هل أن خيار ونهج الإصلاح من داخل بنية النظام السياسي أثبت فشله وعجزه ؟ وإذا كان كذلك، أين الخلل هل في أطروحة الإصلاح من الداخل؟ أم في عدم قدرة هاته الأحزاب على فرض توجهاتها وأطروحتها الإصلاحية في مواجهة وتوجهات وأطروحة النظام السياسي القائمة على الاحتواء السياسي والحكم المطلق؟ وفي النهاية من المستفيد والمتضرر من التجربة ومآلها؟

لنرجع قليلاً إلى الخلف

قبل سنوات قليلة من وصول محمد السادس للحكم وأثناء حكم الراحل الملك الحسن الثاني، شهد المغرب تجربة سياسية عرفت آو سميت بتجربة “التناوب التوافقي” أو كما يحلو للبعض تسميتها بتجربة “التناوب الديمقراطي”، وذلك بدخول المعارضة أو جزء منها في الحقيقة إلى السلطة عبر حكومة الاتحاد الاشتراكي بقيادة عبد الرحمان اليوسفي في العام 1997.

تجربته الاتحاد الاشتراكي الحكومية هذه جاءت في إطار توافق تم التمهيد له منذ بداية التسعينات، وقد عجلت مجموعة من المعطيات والظروف الداخلية منها والخارجية، بوضع عجلة التناوب على السكة لتبدأ الدوران دون انتظار، إذ أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي المتفاقم للمغرب في ذلك الوقت، لم يعد يسمح باستمرار أنماط التسيير السابقة والتي أجمع الكل على أنها أدخلت المغرب “غرفة الإنعاش”، آو”السكتة القلبية” كما وصفها الحسن الثاني، وان كان العديد من المهتمين والباحثين اعتبروا أن الهدف الحقيقي من تلك التجربة كان التحضير لعملية انتقال سلمي وسلس للعرش.

خلال هذه المرحلة والممتدة تقريباً حتى حدود العام2007، يمكننا التمييز بين طورين وهما غير منفصلين:

الطور الأول من هذه المرحلة والممتد من انتخابات 1997 حتى انتخابات 2002، المغرب سيشهد تغييراً ملموساً وان بشكل نسبي في جميع المستويات، سياسياً وحقوقياً، كما أن الفترة عرفت تحسناً اقتصادياً عززته مجموعة من المؤشرات والأرقام، مما جعل المغرب وان لحين يتجاوز سكتته القلبية، حيث استطاع النظام السياسي تحت قيادة محمد السادس تقديم نفسه بصورة جديدة للشعب، صورة الباحث والداعم للإصلاح بعيداً عن الصورة القاتمة المرسومة عنه أثناء سنوات الجمر والرصاص. الملك الشاب بدوره وعَبر عديد المبادرات والخطوات تمكن من نيل حب وثقة الكثير من المغاربة البسطاء، لدرجة وصفه ب “ملك الفقراء”.

ليأتي الطور الثاني والمبتدأ بعد انتخابات 2002، والمستمر حتى نهاية هذه المرحلة في انتخابات 2007، هنا بدأت تلوح في الأفق مؤشرات ودلائل للرجوع نحو الخلف، و برز هذا المؤشر خاصة على المستوى السياسي، وتمثل بتعيين الملك لحكومة إدريس جطو، في تجاهل واضح لفوز الاتحاد الاشتراكي بالانتخابات وأحقيته بتشكيل الحكومة، وهذا ما جعل قادة الحزب ومعهم النخبة السياسية والحزبية تعتبره خروجاً على المنهجية الديمقراطية، هذا الخروج المنهجي إن صح التعبير لتوافقات النظام السياسية مع منافسيه الحزبيين الرسميين خاصة الاتحاد الاشتراكي، سيدفع البعض للقول أن النظام السياسي، شعر بتجاوز الخطر وأحس بأنه كسب تحدي تجديد الثقة وتثبيت سلطة الملك الشاب، وبالتالي لم يعد بحاجة لشركاء له في السلطة بالرغم من هامشية الدور المنوط بمؤسسة الحكومة والبرلمان مقارنة بدور ومحورية المؤسسة الملكية دستورياً وفعلياً في الحياة السياسية، مستندين إلى تجارب هذا النظام على طول تاريخه السياسي الممتد لقرون، حيث دائماً ما كانت تحكمه عقلية الهيمنة والسيطرة، ومحاربة وتكسير آية قوة سياسية منافسة ومنازعة لشرعيته وسلطته، وإن كان يُقدمُ على بعض التنازلات عندما يشعر بحالة من الضعف والعزلة، هذا الأمر كان يقع خاصة أثناء تفجر الانتفاضات الشعبية والهزات الاجتماعية والسياسية، من انتفاضات وتمردات الشعب المغربي الكثيرة.

استشعار الخطر الداهم

بعد الانتخابات لعام 2007، وأمام النسبة المهولة للرافضين والمقاطعين للعملية الانتخابية، حيث لم تتجاوز نسبة المشاركة حسب الأرقام الرسمية 34 بالمئة، وهو الرقم الذي حددته الجهات المحايدة بأنه لم يتجاوز قط 20 بالمئة، شعر النظام بحجم هدا الخطر الكامن في هاذه الكتلة الحرجة من الجماهير الرافضة لسياساته، رغم شعارته الإصلاحية المرفوعة، والتي بدأت تتقشع وتتكسر على ارض الواقع، فتم تنصيب حكومة عباس الفاسي المفتقدة لأي سند شعبي، ليزداد المشهد الحزبي والسياسي سوداوية مع تهافت الأحزاب خاصة أحزاب الكتلة ( الاستقلال- الاتحاد الاشتراكي- التقدم والاشتراكية)، للمشاركة في الحكومة مع الأحزاب المصنفة بأنها إدارية، هذه المشاركة وأمام ما عرفته من مهازل سياسية وحزبية، والمتمثلة باستعداد هذه الأحزاب على قبول أية مهمة ودور شريطة حصولها على المناصب الوزارية، جعلت الجماهير تدرك أن زمن ومصداقية العمل الحزبي قد ولى وما عليها إلى أن تعتمد على نفسها من اجل مواجهة المخططات التفقيرية المستهدفة لحياتها المعيشية، هذا الأمر تجلى بصورة جلية بانتفاضة مدينة صفرو عام 2007 ومدينة سيدي افني في العام 2008.

نظام الحكم بدوره أدرك وهو الذي نهج سياسة إضعاف الأحزاب، آن ضعف الأحزاب وعدم قدرتها على تأطير الجماهير ولعبها دور الواقي له من المصادمة والمواجهة المباشرة مع الجماهير، بدوره خطر عليه، فهو لا يريد أحزاب قوية ومستقلة وذات برامج ولكنه أيضا لا يريد أحزاب ضعيفة وحبيسة مقراتها، من هنا سيسرع الخطى في إطلاق مشاريع والدعاية لمصالحة المواطن والشباب مع السياسة، وحثه للأحزاب على الانخراط في العمل الجماهيري وتشبيب هياكلها ودمقرطتها، وهي دعوة حق يراد بها باطل.

في خضم هذا السياق تأتي مبادرة صديق الملك “فؤاد علي الهمة” في تأسيس حزب الأصالة والمعاصرة في العام 2008، بهدف كسب عدة رهانات، أولها تجاوز هذه الأحزاب المتهالكة والتي لم تعد لها قيمة، وثانيها جذب واستقطاب عدة نخب سياسية واقتصادية وإدارية قادرة على خدمة النظام وتنفيذ سياساته، وثالثها جعل هذا الحزب ضابط للحياة الحزبية والسياسية ( نتائجه الكبيرة والمفاجئة في الانتخابات الجماعية للعام 2009)، خاصة أمام تزايد قوة الأحزاب والجماعات الإسلامية، (حزب العدالة والتنمية – جماعة العدل والإحسان)، فهي المنافس الحقيقي للنظام في هذا الوقت نظرياً على الأقل، نظراً لشعبيتها وعذريتها السياسية، فالخطر اليساري الذي كان في عقود الستينات والسبعينات والثمانينات، والذي حورب من طرف النظام بمساهمة الإسلاميين والذين أصبحوا الخطر الحالي لم يعد قائماً على أية حال في الوقت الراهن، رغم وجود أحزاب يسارية رافضة للعملية السياسية لازالت في وضعية المعارض للنظام، إلا أن شعبيتها محدودة ( النهج الديمقراطي – اليسار الاشتراكي الموحد- الطليعة الاشتراكي الديمقراطي).

مآل تجربة الاتحاد الاشتراكية الحكومية ومصير الحزب حاليا

بعد انتخابات 2002 التشريعية، والتي فاز فيها الاتحاد الاشتراكي بالرتبة الأولى، فاجأ تعيين الملك لإدريس جطو رئيسا للحكومة، وهو الرجل التقنوقراطي، حزب الاتحاد وزعيمه عبد الرحمان اليوسفي، ومعهما مجمع النخبة السياسية والحزبية بالبلاد. مما جعل الجميع يدرك أن النظام السياسي وعبر ركنه الأساسي المؤسسة الملكية، هي الفيصل والمحدد للسياسة في البلاد، وبأن نتائج الانتخابات على علتها، ومفردات الديمقراطية من تعددية حزبية وسياسية وانتخابات وتداول سلمي للسلطة، أو أن الديمقراطية بما “هي دولة الأحزاب ضرورة وحتما”، لا علاقة لها بالواقع السياسي المغربي. وقد كانت الاعترافات الصريحة لزعيم الحزب السابق عبد الرحمان اليوسفي في ندوة بروكسيل ببلجيكا، أواخر شهر فبراير2003، خير معبر على تجربة الاتحاد الاشتراكي الحكومية ومختزلة للمشهد السياسي المغربي برمته، حيث قال فيها بوضوح “إن تجربة التناوب التوافقي لم تفض إلى النتائج المرجوة “، ليعلن يوم الثلاثاء 28 أكتوبر2003، اعتزاله العمل السياسي وقدم استقالته من الاتحاد الاشتراكي.

اليوم يكاد الكل يجمع وهو يرى ما يحدث داخل الحزب وبين كوادره وقادته، أن الحزب فقد قيمته ووزنه السياسي كحزب كبير، وكمشروع سياسي احتضن وحمل أمال وتطلعات فئات وطبقات واسعة من الشعب المغربي، وهو الحزب الذي خرَّجَ أجيالا من المناضلين والقادة السياسيين وكوَّنَ مجموعة كبيرة من الكوادر العلمية والفكرية، فحالة الاتحاد الاشتراكي حاليا تعكسها قيادته، وأهدافه السياسية الباحثة عن الوصول إلى المشاركة في الحكومة والسلطة بأي ثمن، كما أن شرعيته وعلى غرار الأحزاب والتي كان يصفها بالإدارية والمخزنية، لم تعد تبنى على القواعد الشعبية المكونة لاسمه والمكتوبة في جدران مقره، بل على الاقتراب وخدمة مشروع المؤسسة الملكية، ففي عهد الحزب الاشتراكي طبقت أشد المخططات والسياسات ليبرالية (مشروع سياسة الخوصصة)، وقد شكلت طريقة مشاركته في حكومة عباس الفاسي 2007، أقوى لحظات الانبطاح والهزل السياسي، من خلال قبوله بالمناصب الوزارية الموزعة بطريقة أقل ما يقال عنها أنها ريعية.

سلوك وخطاب العدالة والتنمية يناقض أطروحة الإصلاح ويبقي على الاستمرارية

منذ فوز حزب العدالة والتنمية بالانتخابات التشريعية لعام 2011، وبعد تشكيل الحكومة بقيادة عبد الإله بنكيران، قام البعض بتوقع مصير تجربة عبد الرحمان اليوسفي الحكومية ومصير حزب الاتحاد الاشتراكي، باعتبارهما استعملا كورقة للتنفيس على أزمات نظام الحكم، في مواجهة التحديات والصعوبات التي تواجهه، لأن هذا الأخير بارع في سياسة الانحناء للعاصفة وخبير في سياسة الترويض والمراوغة السياسية للأحزاب والحركات المنافسة والقوية، وهذا ما وضحته طريقة التعامل مع مطالب واحتجاجات حركة 20 فبراير. لكن قادة الحزب والمتعاطفين معه كانوا يجيبون بما لا يدع مجالاً للشك بأن مرجعيتهم ومنظومتهم القيمية ستحميهم، باعتبار أن أعضاء الاتحاد الاشتراكي انخرطوا في الفساد المالي، وإن كانت هذه النقطة مردودة عليهم لان هناك أعضاء في الاتحاد الاشتراكي، وعلى رأسهم عبد الرحمان اليوسفي، خرجوا نظيفي اليد، كما أن هناك أعضاء لحزب العدالة والتنمية اتهموا في قضايا للفساد( عمدة مكناس السابق، مسؤول حزبي بسيدي قاسم…). فالقضية هنا مرتبطة إذن بالتقييم السياسي وليس بشيء أخر.

وقد ذهب آخرون إلى أن حزب العدالة والتنمية وزعيمه بنكيران، يمتلك من الجرأة السياسية ما يمكنه من تقديم استقالته في الحالة التي يشعر بها أنه محارب، أو أن منهجه السياسي ” الإصلاح في ظل الاستمرارية” ظل الطريق، لكن المتتبع للمشهد وتصريحات وسلوكات بنكيران ووزراء وكوادر حزبه، يرى أن هذا الكلام مجرد تنطعات وعنتريات في السياسة لا غير، فكم من إهانة تلقتها الحكومة والحزب ولم نرى سوى سياسة النعامة عبر غرس الرأس في الرمال.

فهل هناك أكثر من مهانة وعرقلة والتي لا حصر لها، في أن يتحالف الحزب مع “اللي ما فيدوش والفاسد واللي مارجلش” حسب وصف بنكيران لصلاح الدين مزوار وحزبه لخدمة المشروع الإصلاحي، أثناء انسحاب حزب الاستقلال وتشكيل النسخة الثانية من حكومته يوم 10 أكتوبر من العام 2013.

وأين نحن من قيم ومرتكزات الإصلاح وكل المؤشرات تدل على تنامي حالة الفساد وتزايد حالات الإفلات من المحاسبة، فهل سمعتم يوماً بمحاكمة أحد من ناهبي المال العام الحقيقيين بما تحمل الكلمة من معنى؟! وهل وصلكم خبر يوماً ما بإرجاع درهم واحد لميزانية الدولة ؟! وما معنى حمل راية المشاركة في الحكم وكل المبادرات والمخططات الإستراتيجية لتدبير السياسة العمومية تتولاها المؤسسة الملكية عبر مبادرات تتكفل بها لجان استشارية، فيما الحكومة تتولى عملية التدبير والتنفيذ في أقصى الحالات، رغم الحديث الغليظ عن مستجدات دستور 2011 فيما يخص توزيع السلط والمهام.

البقاء في الحكومة هو الهدف والباقي لاشيء

زعيم الحزب ورئيس الحكومة عبد الإله بنكيران ما فتيء في كل اجتماع لحزبه أو حكومته يعبرعلى أهمية إكمال التجربة الحكومية لولايتها، مستحضرا السياق العربي ومآل تجربة الإخوان المسلمين بمصر وتراجع حركة النهضة بتونس. مما يوضح أن هدف الحزب هو البقاء في الحكومة، بغض النظر عن التناقض الذي يشكله وجود أحزاب مناهضة في الأصل لمشروع العدالة والتنمية المسمى بالإصلاحي، والذي على أساسه فاز بالانتخابات أو لجملة الوعود البعيدة عن التحقق والتي من شأنها أن تضرب في مقتل مصداقية الحزب على غرار ما أصاب حزب الاتحاد الاشتراكي.

في الأخير نقول إن اكبر منتصر أمام هاته الأشباح الحكومية والحزبية، هو نهج الحكم الاستبدادي، المرتكز على دعامة الإصلاح المروض أو الديمقراطية الانتقائية، فاغلب هذه النظم تضع وتعتمد على واجهة لآليات ديمقراطية، فهناك تعددية موجهة وانتخابات مسيطر عليها وقمع انتقائي ومؤسسات مزيفة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.