تاريخ الفكر السياسي بالمغـرب كما يقدّمه الباحث د. محمد ظريف ­

يعتبر محمد ظريف من خيرة الباحثين المغاربة المتخصصين في قضايا الفكر عامة و قضايا الفكر السياسي و العلوم السياسية بصفة خاصة. و لعل أهم ما يميّز كتاباته هي منهجيته الأكاديمية الفريدة و الفذة ، التي يحرص، من خلالها، على الإنضباط بصرامة لمواصفات البحث الموضوعي وقواعد الكتابة العلمية.

      في هذه الورقة، سأحاول أن أقدّم قراءة مركزة، قدر الإمكان، في إحدى أهم كتبه الفكرية و هو كتاب  “تاريخ الفكر السياسي بالمغرب” الذي كان في الأصل أطروحة لنيل الدكتوراه في العلوم السياسية.   لقد قسّم الدكتور الباحث مؤلفه هذا إلى جزئين اثنين؛ تناول في الأول موضوع «تأسيس السلطة»  بينما تطرق في الجزء الثاني إلى «أزمة السلطة». و ينقسم كل جزء إلى ثلاثة أقسام، كل قسم يتضمن فصلان، و كل فصل يتكون من  عناصر فرعية عدة. هذا بالإضافة إلى “مدخل عام” و “فصل تمهيدي”  و “خاتمة عامة”.

      قبل الشروع في رصد الأفكار السياسية المغربية و تطورها على مرّ التاريخ، يؤكّد ظريف، و منذ البداية، على أن القراءة الموضوعية لتاريخ الفكر السياسي لا تقتضي اعتماد المنهج “الفيلولوجي” فقط، بقدر ما تستوجب استحضار المنهج المادي التاريخي بالأساس؛ أي؛ ضرورة إنجاز قراءة “مادية” للنصوص، خاصة وأن القراءة “البنيوية”  لا تفيد كثيرا ما دام أن “النص السياسي” تمارس عليه رقابة اجتماعية مكثفة على حد تعبير ميشل فوكو. و لقد سبق للأستاذ ظريف أن أكد، في ذات السياق، في كتابه ” مساهمة في رصد ثوابت الأيديولوجيا المغربية”، على أن عملية إنتاج النصوص تشكل بالتحديد “علاقة اجتماعية”..

       أولا : « تأسيس السلطة »

       في الجزء الأول من الكتاب، يستعرض ظريف، في إطار تعريفه ب «البنية المادية و القانونية للسلطة» بصفة عامة و تعريفه ب « مقومات السلطة» بصفة خاصة، “ابن رضوان” صاحب كتاب “الشهب اللامعة في السياسة النافعة”، كنموذج فكري ينظّر لحفظ و توطيد دعائم و ركائز السلطة السياسية. ففي هذا الكتاب يؤكد ابن رضوان، الذي كان أحد رجالات الدولة المرينية (718­783هـ) و الذي ألف كتابه هذا بطلب من السلطان أبي سالم المريني، على تلازم “الملك” و “الدين” و بالتالي الحث على وجوب الطاعة. و في هذا الإطار، يتحدث ابن رضوان على الوسائل التي تمكن من الحفاظ على السلطة فيحصرها، أولا، في “النصيحة” لما لها من “منزلة دينية” و لما تلعبه من أدوار في تقوية و استمرار السلطة، و ثانيا، في قواعد السلطة السياسية و هي ثلاثة أصناف؛ القواعد المادية التي تتشكل من عنصرين متلازمين و هما “المال” و “الجند”، حيث يؤكد في هذا الصدد على أن المال يجب أن يبذل للجند حتى لا يضعف الملك. كما يناهض فكرة الجيش القوي و المتماسك تجنبا لأي تضامن ضد السلطة. و إلى جانب القواعد المادية، هناك القواعد المؤسساتية التي تشمل كل من الوزارة التي يشترط فيها، أي في الوزير، أن يكون من بيت الوزارة “ممن كان أبوه وزيرا خادما”، هذا بالإضافة إلى القواعد السلوكية التي تنقسم إلى قسم متعلق بالقواعد العامة؛ أي اتصاف سلوك السلطات بالحزم الذي يدخل ضمنه الدهاء و التيقظ و التلطف و كتمان السر من جهة، و القواعد السلوكية المرتبطة بحالة الحرب من جهة أخرى. أما ثالث الدعائم التي تمكن من الحفاظ على السلطة، فتتمثل في “العدل” الذي هو أساس كل شئ؛ ذلك أن طاعة الرعية مرتبطة بعدل الملك. ويدخل ضمن مشمولات العدل فضائل الحلم و كظم الغيظ والتأني و القيام بالمعروف و الوفاء بالعهود والمروءة.

    و دائما في سياق تعريفه ب « البنية المادية و القانونية للسلطة»، يستعرض ظريف، من جهة أخرى، ابن خلدون، الذي جاءت أبحاثه في “العمران” لتسلط الضوء على «أصل السلطة». و تتمحور مقدماته الستة حول ثلاثة محاور كبرى؛ المقدمة الأولى في (ضرورة الإجتماع) تبحث في العوامل التي جعلت الإجتماع ضرورة تفرض نفسها على البشر، و تتحدد هاته العوامل في صنفين؛ عوامل تتعلق بالتعاون من أجل تحصيل الغذاء وأخرى ترتبط بالتعاون من أجل حفظ البقاء. أما المقدمة الثانية و الثالثة و الرابعة و الخامسة فتبحث في (طبيعة العوامل التي تؤثر في حياة الناس أفرادا و جماعات). بينما المقدمة السادسة فتبحث في (تأثير العوامل الروحية).

      إن حديث ابن خلدون عن “العمران” هو حديث عن “المجتمع”، و لكن ليس عن المجتمع الوضعي، بل عن المجتمع القائم على مفهوم “الإستخلاف” القرآني. هذا الإستخلاف الذي يفيد شيئين: عمارة الأرض و ذلك باستغلالها، و تنظيم العمارة الذي يقتضي وضع حد للطبع العدواني الذي يبصم البشر، و ذلك لم يتم إلا بالوازع الذي يكون إما أخلاقيا دينيا و إما خارجيا يتجسد في السلطة.

        و يصنف  ابن خلدون أنواع السياسات على أساس “التحقق التاريخي”. فهناك سياسات  “تاريخية” التي تندرج ضمنها السياسة الشرعية (تجربة الخلافة) و السياسة العقلية (تجربة الفرس)، و من جهة ثانية، سياسات “خيالية” التي تندرج ضمنها السياسة المدنية أو مدينة الفلاسفة.

       إن الحديث عن أنواع السياسات يفضي إلى تحديد أنواع الحكم؛ هكذا يحدد ابن خلدون هذه الأنواع في : ­الملك “الطبيعي” و هو  (حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية و دفع المضار) ­الخلافة و هي ( حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية و الدنيوية الراجعة إليها)، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين و سياسة الدنيا.

       إن «المقدمة»، كما يرى محمد ظريف، هي مقدمة الوعي بأصل السلطة الذي هو “العصبية”. والعصبية، باختصار، هي رابطة اجتماعية سيكولوجية شعورية و لا شعورية معا تربط أفراد جماعة ما، قائمة على القرابة ربطا مستمرا يبرز و يشتد عندما يكون هناك خطرا يهدد أولئك الأفراد كأفراد أو جماعة. و يرى ابن خلدون أن كل “عصبية” ترغب في السلطة لابد لها من رفع مثل ديني أعلى، و لذلك، ف”الدعوة الدينية” تزيد الدولة قوة على قوة العصبية.

       إن غاية العصبية هي “الملك”. و ثمة عاملان يساهمان في تحول “العصبية” إلى “ملك”؛ العامل الأول يتجسد في التناقض الإقتصادي الإجتماعي بين الإقتصاد “الحضري” و الإقتصاد “البدوي”، و الثاني يتمثل في التناقض السياسي بين “المدينة” مركز السلطة و “البادية” المهددة في استقلالها من طرف هذه الأخيرة. غير أنه هناك عوامل أخرى تساعد على هذا الإنتقال؛ و هي عوامل من “الخارج” أي من “محيط العصبية”، و تتمثل أساسا في “هرم” الدولة القائمة و التي تريد أن تحل محلها “العصبية الجديدة”.

      و مادام أن النظرية الخلدونية مستقاة من المجتمعات ذات البنية القبلية، تغدو الدولة هي “الإمتداد المكاني والزماني لحكم عصبية ما”. هكذا؛ تصبح “الدولة” على مستوى الإمتداد المكاني إما دولة “خاصة” ( أي حكم عصبية خاصة وواحدة)، و إما دولة “عامة” (هيمنة عصبية على مجموعة من العصبيات). أما على مستوى الإمتداد الزماني، فالدولة تكون إما “شخصية” و يقصد بها ابن خلدون الفترة التي يقضيها شخص ما في الحكم، كأن نقول دولة “المنصور”، وإما “عامة” أي فترة حكم “عصبية”، كأن نقول الدولة “الأموية”.

         و تمر الدولة “الشخصية” بخمسة أطوار : طور الظفر ثم طور الإستبداد ثم طور الفراغ و الدعة ثم طور القنوع و المسالمة ثم طور الإسراف و التبذير. أما الدولة “الكلية” فتمر بثلاثة أطوار : طور التأسيس وطور العظمة و المجد ثم طور الهرم.

        و دائما في إطار الحديث عن «البنية المادية و القانونية للسلطة»، يستحضر ظريف، أبو بكر محمد بن الحسن المرادي صاحب كتاب “كتاب السياسة أو الإشارة في تدبير الإمارة”، الذي يعتبر أول كتابة في “السياسة” تم إنتاجها بالمغرب الأقصى. و تتضمن بنية التفكير السياسي عند المرادي إشكالية سياسية تطمح إلى تأصيل مشروع سياسي؛ فالمرادي يتحدث عن “وحدة الجماعة” كإجابة عن إشكالية  “الجاهلية السياسية” حيث تناحر الإمارات لا سواء في المغرب أو بلاد الأندلس . و يتحدث أيضا عن”إمارة المسلمين” كمشروع سياسي أو نسق سياسي فرعي يدور في فلك نسق سياسي مركزي الذي هو دولة الخلافة. و الإمارة عنده صنفين؛ إمارة عامة وهي إمارة الإستكفاء، و إمارة خاصة و هي إمارة الإستيلاء.

       و عموما، تبقى طبيعة إمارة المسلمين “إمارة الجهاد”، حيث يتم التأكيد على “تدبير الحرب” كأحد أهم أحكام هاته الإمارة. و هذا بالضبط ما تكشفه لنا عنه (الإشارة في تدبير الإمارة)، حيث يتضمن هذا الكتاب محورين أساسيين: محور الأمير و محور “الجند” الذي هو هو إمارة الجهاد.

       و لقد تحققت تاريخيا “إمارة المسلمين” عندما تلقب يوسف بن تاشفين بأمير المسلمين. و هذا التلقب سيؤكده العباسيون سنة 1087 م عبر فتوى أصدرها الفقهاء برئاسة الغزالي. ولقد استخلص ابن خلدون من هذه الفتوى خمسة شروط يجب أن يتصف بها الشخص الذي يطمح لحيازة لقب “أمير المسلمين”، و هي: أن يكون من قبيلة لمتونة، و أن تأخذ سياسته برأي رؤساء القبائل، و أن يتبع المذهب المالكي، و أن يأخذ برأي العلماء في مسائل الدين و السياسية.

      وإلى جانب المرادي الذي نظر لفكرة “إمارة المسلمين”، يورد محمد ظريف، أبو العباس أحمد بن القاضي صاحب كتاب “المنتقى المقصور على مآثر الخليفة المنصور” و الذي جاء لينظر، هذه المرة، لفكرة ” أمير المؤمنين” التي تشكل الإطار القانوني لدولة الخلافة. و بالطبع، حين نتحدث عن دولة الخلافة فإننا نتحدث في الواقع عن وحدة السلطة ووحدة الحكم طبقا للنظرية الإسلامية.

       إن مؤسسة “إمارة المؤمنين” انبرزت في فكر ابن القاضي مع معركة وادي المخازن. فهاته “المعركة” تمنح شروط و مشروعية إعادة إنتاج دولة الخلافة. و هذه المشروعية تتمثل على مستويين : المستوى الأول يكمن في كونها تعيد إنتاج اللحظات الكبرى في التاريخ “النبوي”، إذ يقيم نوع من المماثلة بينها و بين غزوة بدر، أما المستوى الثاني فيتجسد في كونها تعيد اللحمة للتاريخ؛ تاريخ الخلافة التي هي الإطار العام لمؤسسة “أمير المؤمنين”.

      و عندما يتحدث عن الخلافة، فإنه يرى أن طاعة الإمام واجبة بالكتاب و السنة. و في هذا الصدد، يطرح ابن القاضي شروط حيازة لقب خليفة أمير المؤمنين في إطار التصور السني. إذ يحصرها في سبعة : الذكورة والبلوغ و الحرية و الورع و العدالة و الإجتهاد في الأحكام الشرعية و شرط القرشية.

       هكذا، استخدم ابن القاضي، شرط القرشية، أي، الشرف، لمواجهة الخارج (الدولة العثمانية) على مستوى زعامة العالم الإسلامي من خلال الرغبة في الإستحواذ على لقب أمير المؤمنين، كما استخدم “القرشية” كذلك لمواجهة “الداخل” على مستوى “تبرير” السلطة.

      و بعد أن أنهى الدكتور محمد ظريف دراسته ل « البنية المادية و القانونية للسلطة»، ينتقل إلى مستوى آخر من البحث و هو مستوى «تبرير السلطة»، أو صراع المشروعيات المخزنية و المشروعيات البديلة. ففي إطار تناوله للأفكار السياسية التي تحاول أن تبرر السلطة، يبسط نموذجين فكريين؛ الأول هو نموذج المشروعية بالشوكة، أي، الجهاد، و يمثله “سيدي علي بن أحمد الزرويلي” الذي عايش الصراع المرير الذي دار بين أبناء المولى إسماعيل حول السلطة، حيث سيتم استفتاؤه في من هو أحق بالسلطة هل هو “المولى عبد الله” أم “المولى المستضئ”؛ فيستحضر الزرويلي “المخزون الفقهي” و في نفس الوقت “الممارسة التاريخية”، وسيغلب، في الأخير، منطق “التاريخ”، أي، معيار الشوكة على المتطلبات الفقهية.

        أما الثاني، أي النموذج الفكري الثاني الذي يسعى ل”تبرير” السلطة، فهو “المشروعية بالشرف” و يمثله “محمد أكنسوس” الذي عايش فترة السلطان “المولى سليمان”، وهي الفترة التي حددت رؤاه السياسية و تحكمت في نظرته إلى مسألة مشروعية الحكم؛ حيث عاين في ظل هذه الفترة فعالية فكرة “الشرف” في المجال السياسي، كما لاحظ تسابق الناس إلى انتحاله. و لهذه الأسباب كلها سيعكس فكر أكنسوس هذا الواقع، و سيؤكد أن لا مشروعية إلا مشروعية “الشرف”. لكن هاته المشروعية ، في نظره، تستلزم إطارا سياسيا الذي هو “الإمامة العظمى”.  ويتحدث عن هذه الأخيرة في كتابه ” الجيش العرمرم الخماسي في دولة مولانا الشريف السجلماسي”عبر ثلاثة جوانب هي: “الحقيقة” و “الفضل” و “الحكم الشرعي”. فالإمامة العظمى، في حقيقتها، هي رياسة عامة في أمور الدين و الدنيا خلافة عن النبوة، و يرى فضلها في ضرورة الخضوع المطلق للحاكم و إن كان جائرا تحت ذريعة اجتناب الفتنة. و يرى أن حكم الإمامة العظمى هو الوجوب و بذلك رد على تصورات الخوارج و المعتزلة.

       و في مقابل هذه المشروعيات المخزنية التي قامت من أجل تبرير السلطة، يورد ظريف، نماذج لما يسميه   بالمشروعيات البديلة. و في هذا الإطار يبسط تصورات “ابن أبي محلي” صاحب كتاب “القسطاس المستقيم في معرفة الصحيح من السقيم” والذي يجسد المشروعية ب “الإستمرارية التاريخية”. فابن محلي يقر المهدوية كمعطى ديني تجد لها أصلا في أحكام الشرع. و لإعادة إنتاج “المهدوية” يقتضي الأمر استحضار شروطها الموضوعية و الشكلية. و تتجلى الشروط الموضوعية في الجور و غياب العدل و الفتنة و تعطيل أحكام الشريعة، و بالتالي يتولد عند الناس شعور بضرورة ظهور “المنقذ”. أما الشروط الشكلية ل “المهدوية” فتتجلى في إعادة إنتاج الرمزية، ذلك، أن سيرته، أي سيرة ابن محلي، كما يراها هو، مطابقة لسيرة الرسول”ص” في بعض جوانبها: فمن جهة، هناك مرحلة الهجرة؛ فكما هاجر الرسول من “مكة” إلى “يثرب” و أطلق عليها إسم “المدينة المنروة”، فإن ابن أبي محلي سيهاجر من “سجلماسة” إلى “فاس” و يطلق عليها كذلك إسم “المدينة المنورة”، و من جهة ثانية، هناك مرحلة العزلة؛ فكما اعتزل الرسول في غار حراء، فإن ابن أبي محلي اعتزل في زاوية الشيخ مبارك الزعري، و كما دعا الرسول”ص” في البداية إلى دعوته بالطرق السلمية عن طريق المراسلات و التنقلات، كذلك فعل ابن محلي. و كما لجأ الرسول “ص” أخيرا إلى “السيف” لنشر الدعوة، نجد ابن أبي محلي هو الآخر يضع “القلم” و يراهن على “السيف”..

        و لقد منح المأمون السعدي بتسليمه العرائش للإسبان سنة 1610 لأبي محلي فرصة فريدة استغلها بذكاء ليسقط المشروعية عن السلالة الحاكمة، و ليطرح نفسه كبديل.

       و حسب ابن أبي محلي، فإن من يمثل المشروعية هم العباسيون، أما العثمانيون فهم مجرد منفذين لأوامر الخليفة العباسي. هكذا تتركز المشروعية على “الإستمرارية التاريخية”، فلا مكان للقطيعة في مجال المشروعية. كما أن كل مشروعية خارجة عن المشروعية العباسية تبقى “مرفوضة”. و يسعى ابن أبي محلي من خلال بلورته للمشروعية بالإستمرارية التاريخية إلى إنجاز هدفين: الأول يتمثل في الطعن في المشروعية السعدية، والثاني يتجسد في تقديم نفسه كوارث للمشروعية العباسية، فهو يلحق نفسه بآل عباس.

      غير أن “المشروعية بالشرف” لم تكن مستهدفة فقط من قبل المشروعية بالإستمرارية التاريخية، بل كانت مستهدفة من قبل مشروعية بديلة ثانية؛ إنها المشروعية بالعلم كما بلورها أبو علي بن مسعود اليوسي. ففي إطار تنظيره و تفصيله لمقومات “دولة العلماء”، يرى اليوسي أن الحياة العامة تتمحور حول “فئتان” : الأمراء والعلماء. و لابد للأمير أن يكون تابعا للعالم، و ذلك لكون العلماء هم ورثة الأنبياء.

       و في إطار تطرق محمد ظريف إلى البحث في «ماهية السلطة» أو «طبيعة السلطة» في الفكر السياسي بالمغرب، يورد نموذج “المهدي بن تومرت”، الذي يمكن اختزال فكره في ثلاثة ثوابت : أولا، التوحيد أو السعي لتجاوز المجتمع القبلي  (فكرة الأمة الموحدية)، حيث تهدف فكرة التوحيد عند ابن تومرت إلى نزع المشروعية عن المرابطين، و أيضا توحيد الخالق الذي يشكل مدخلا لتوحيد السلطة من خلال خلق “أمة موحدية” قائمة على العقيدة. و ثانيا؛ القيام بأمر الله بما يعنيه ذلك من أمر بالمعروف و النهي عن المنكر و”الجهاد”. و ثالثا؛ نظرية الإمامة التي تفيد إما “النبوة” أو “المهدوية”.

       و يميز ابن تومرت، في هذا الصدد بين دورتين؛ دورة الإمامة و دورة الخلافة. حيث تشمل دورة الإمامة زمنين: زمن “النبوة” و زمن “المهدية”. و تحتوي دورة الخلافة بدورها زمنين : زمن خلافة النبوة والذي ينتهي بعلي، و زمن خلافة المهدية و الذي يفتتح بخلافة “عبد المؤمن بن علي” و لن ينتهي إلا بقيام الساعة.

       و يؤكد ابن تومرت أن “الإمامة” معناها “الإتباع و الإقتداء و السمع و الطاعة و التسليم و امتثال الأمر واجتناب النهي و الأخذ بسنة الإمام”، و تصبح الإمامة/المهدية “ركنا من أركان الدين و عمدة من أعمدة الشريعة. و يطرح ابن تومرت فكرة “العصمة” في إطار “المهدية”، فالمهدي معصوم فيما دعا إليه. إلا أن ابن تومرت لا يتكلم عن “العصمة” إلا خلال حديثه عن الإمام (النبي⁺ المهدي)، أما حين يتحدث عن خلفاء النبوة كأبي بكر و عمر، فإنه لم ينسب إليهما “العصمة”.

        و في الواقع، فإن ابن تومرت يطرح فكرة “العصمة” من أجل غايتين : أولا؛ تبرير الطاعة المطلقة للإمام المهدي، و ثانيا؛ إعادة إنتاج زمن النبوة الذي سيتخذ شكل “زمن المهدية”. إذ تندرج إعادة إنتاج الرمزية النبوية في إطار إضفاء نوع من المصداقية على “المهدية”، كما تأتي في سياق بلورة تصور جديد لماهية السلطة، تتجاوز النظام القبلي و ترسخ “زعامة” تتمتع بسلطات مطلقة و مستمرة، و ذلك من أجل حفظ “وحدة الأمة”.

        و إلى جانب ابن تومرت، و دائما في إطار الحديث عن “طبيعة السلطة”، يورد ظريف تصور “المولى زيدان” الذي يؤكد على عصمة هذه الأخيرة. فالمولى زيدان يبعد “الفقيه” عن المجال السياسي، إذ ما يهم “الفقيه”، في نظره، هو تطبيق الشرع الذي يحفظ أحكام “الملة”، أما ما يهم “الأمير” هو تطبيق الشرع الذي يحفظ أركان السلطة.  و هذه الأخيرة لا تستمد ضابطها من الفقيه بل تستقيه من ذاتها، إنه “عصمة السلطة”.

       و في ذات الإطار، أي إطار إطلاقية السلطة، يورد ظريف “أبو مهدي عيسى السكتاني” الذي يحاول إنتاج التصور “الزيداني” في إقصاء الفقيه من المجال السياسي، و يقول بتزكية السلطة من خلال آلية البيعة، باعتبارها الوسيلة الوحيدة لاجتناب الفتنة.

ثانيا : « أزمة السلطة »

      أما في الجزء الثاني من كتاب “تاريخ الفكر السياسي بالمغرب” و الذي يحمل عنوان «أزمة السلطة»، فيتطرق فيه محمد ظريف لإشكاليات النهضة و الحداثة و ركائز السلطة، بالإضافة إلى ما يسميه بالحداثوية والتقليدوية.

        ففي إطار حديثه عن إشكاليات النهضة، يتطرق ظريف ل “إشكالية الأنا و الآخر” من خلال استحضاره لفكر “أحمد خالد الناصري”.  فالقاعدة في تصور الناصري هي إطلاقة “الإنغلاق”‘ إزاء الآخر الذي هو الغرب المسيحي؛ و ذلك لأن الإنغلاق يحفظ “للأمة” اقتصادها و ماليتها. إذ يرجع الناصري الإضطراب الإقتصادي والمالي الذي يعرفه المغرب إلى الإنفتاح. كما أنه سيرفض بعض مظاهر التقنية الغربية. و لكن هذا الرفض ليس للتقنية ذاتها بل لآثارها الإجتماعية. كما أن الناصري يرفض مخالطة الإفرنج. و يتمثل هذا الضرر الذي مس “الأمة” على المستوى السياسي في كون كثير من أفراد رعايا السلطان أصبحوا تحت حماية “الآخر”. فالحماية تعني في أحد وجوهها خروج المسلمين عن طاعة الإمام و السلطان و اتخاذهم الأجانب أولياء.

        أما الإستثناء عنده، فهو “نسبية الإنفتاح”. وتتجلى محددات الإنفتاح أو “الخصال الأربع” كما يسميها الناصري في أن بلاد الإفرنج تكون مترقية في التمدن و حسن الترتيب (الجيش) و اتساع الأمن و العدل الذي يفيد “الشورى”. و يؤسس الناصري لنسبية الإنفتاح من خلال فتوى أصدرها سنة 1883م و ذلك عندما طلب السلطان “المولى الحسن الأول” من العلماء إبداء رأيهم في اتباع سياسية تجارية “منفتحة”. و يؤكد(الناصري) أن الإنفتاح النسبي على الآخر يجب أن تتحكم فيه ثلاثة وجوه : الأول؛ هو مقتضيات الشرع، حيث لا يجوز بيع آلة الحرب حتى لا يتقوى بها الكفار على المسلمين؛ و ثانيا؛ مقتضيات الرأي و السياسة، حيث يقتضي على المسلمين اتباع أسلوب الإنفتاح النسبي. و يرد الناصري على العلماء المنادين و الداعين إلى الجهاد أمثال “التسولي”، و ذلك لأن”الضعيف العاجز” لا يمكنه أن يحارب عدوا قويا. و لا يغدو “الجهاد” فرض عين عند الناصري إلا إذا توافرت شروطه المتمثلة في القدرة و الإستعداد و اجتماع الكلمة. لأنه عندما ينعدم هذان الشرطان، فإن مقاومة العدو لن تكون آنذاك جهادا بل تدخل في نطاق الفتنة؛ و ثالثا؛ مقتضيات حكمة الوجود، حيث نجد الناصري و هو يعالج إشكالية الإنغلاق و الإنفتاح، لا يعمل إلا على نفي المجتمع و لا يعترف إلا بالسلطة كمعطى واحد ووحيد. فما تختاره هذه الأخيرة هو المرجع، و هو بذلك يؤيد توجه السلطة التي ترغب نسبيا في مناهضة “الآخر” و عدم التعامل معه.

       و في هذا المخاض الفكري، سيبرز “علال الفاسي” في الساحة الفكرية المغربية، و الذي تتجلى إشكاليته في مسألة “تأصيل الحداثة”. إن وحدة الفكر لديه تطرح من خلال إقامته نوعا من التعادل بين مفهوم “الوطنية” ومفهوم “السلفية”. و يقتضي مفهوم “الوطنية” نظريا مفهوما آخر هو “الدولة/الأمة”. و في هذا السياق، يتحدث علال عن “الإنسية المغربية” و”الأمة المغربية”.

        فأساس “الأمة المغربية” هما الكتلتان القبليتان : صنهاجة و زناتة؛ هاتان الكتلتان هما اللتان كونتا التاريخ المغربي و تبادلتا الحكم في البلاد. و هذه القبيلة بأصلها و تطوراتها تجعل الفكرة القومية في المغرب قائمة على أساس الجنس كما هو موجود عند كثير من الشعوب. لكن “القومية المغربية” لا تتماهى مع القومية الغربية، لأن فكرة العلمانية لديه تبقى فكرة مرفوضة، و لأن “الشريعة” هي التي توحد “الدولة”.

         إن التمييز الذي يقيمه علال الفاسي بين ” العصرية” و “المعاصرة” له هدف محدد يصب في رفض الأنظمة الغربية القائمة سواء كانت رأسمالية أو شيوعية، لأنها أنظمة غير عصرية ما دام أنها ترفض القيم والمثل العليا. و معيار المعاصرة هو معيار “زمني”، أما العصرية فلا توجد إلا في “الموروث” في الماضي. فالماضي والرجوع إليه هو أساس كل تقدم (من كتاب الحركات الإستقلالية). فكل نهضة يجب أن تنطلق من الماضي، وحتى فكرة التقدم هي مرتبطة بالماضي. فعلال يخشى “القطيعة” لأنها تحول الشعب إلى فناء “محض” (من كتاب النقد الذاتي).

         و يرى علال أن حاضر التجربة السياسية الغربية يوجد في “ماضي” التجربة السياسية الإسلامية. ويلاحظ أن المنظومة الغربية قائمة على المذهب العقلي، و لكن المذهب العقلي ليس نتاجا غربيا، بل هو متأصل في الإسلام. فالإسلام هو دين العقل. و من هنا تغدو “السلفية” مرادفة للمذهب العقلي.

         و في سياق ما واجهته النخبة المغربية من إشكالية تنظيم العلاقة بين “الحاكم” و ” المحكوم”، ستطرح المسألة القانونية، و عبرها سيتبلور موقفان : الأول يدعو إلى الأخذ بالنظام القانوني الغربي و الثاني ينادي بالإقتصار على النظام القانوني الإسلامي؛ غير أن علال لا يرى أن هناك تناقضا بين النظامين القانونيين؛ فالعرب المسلمين قد حكموا أجزاءا مهمة من “الغرب” إلى حدود القرن 15، كما امتد التأثير العثماني بعد ذلك إلى شرق أوروبا ووصل بطريقة غير مباشرة إلى غربها، فلا يعقل أن يحكم المسلمون طرفا من أوروبا زمنا طويلا و لا يطبقون في محاكمهم و شرائعهم أحكام الشريعة الإسلامية..

         و بكلمة، فإن علال الفاسي يؤكد على أن أصل الفقه الفرنسي هو الفقه الإسلامي، فالفقه الفرنسي يستمد تسعة أعشاره من الفقه المالكي، لأن مذهب مالك هو الذي كان معمولا به وقت الإحتلال العربي في اسبانيا وفرنسا، و لأنه المذهب الذي كان مدونا و معروفا في وقت لم يكن في فرنسا غير أعراف مختلفة لا تستمد من القانون الروماني إلا القليل، ففقهاء المالكية قد سبقوا إلى اكتشاف النظريات القانونية التي تعتبر اكتشافا جديدا في أوروبا اليوم، وبذلك، فالفقه الإسلامي ليس شيئا غريبا عن المدارس الفقهية الأوروبية.

        و يقيم علال توازنا بين الإسلام و الديموقراطية؛ فإذا كانت الديموقراطية هي سيطرة العقل، فإن الإسلام هو دين العقل. هكذا يغدو من الصعب الفصل بين الإسلام و الديموقراطية. و بكلمة، يقول علال، “إن الديموقراطية حسنة في كل شئ”.

       و حسب علال، هناك ثلاثة مصادر للسلطة التشريعية: القرآن و السنة و الإجماع.  و يقسم الحكومات إلى نوعين : ملكية و جمهورية. و الجمهورية إما رئاسية أو برلمانية، بينما تتخذ الملكية شكلين: إما مطلقة أو مقيدة. ويبقى الحكم الإسلامي حكما ديموقراطيا، فيه الرئيس المبايع و فيه حرية المعارضة في الرأي و الشورى.

          و في معرض حديثه عن « إشكالية ركائز السلطة»، في الفكر السياسي المغرب، يتطرق ظريف إلى “مشروع دستور 1906” الذي طرح المسألة العسكرية بالمغرب انطلاقا من ثلاثة أحداث كبرى : احتلال الجزائر 1830، و هزيمة إيسلي 1844، و هزيمة تطوان 1860. هكذا، يتضمن مشروع الدستور المذكور الذي قدمه شخص مجهول للسلطان العلوي “المولى عبد العزيز” تصورا محددا للمسألة العسكرية يتمثل في تشكيل جيشا نظاميا. أما المسألة المالية، فقد تطرق إليها مشروع دستور 1908 الذي سعى إلى تفادي بعض مظاهر النظام الجبائي الفاسد الذي كان يعرفه المغرب مع اقتراح إجراءات يراها فعالة لمراقبة مالية المخزن.

         أما المسألة السياسية التي تتمثل في مناهضة الإستبداد، فقد انبرزت في الفكر السياسي المغربي بعد مؤتمر الجزيرة الخضراء و ما أفضى إليه من مس بالسيادة السياسية للبلاد، حيث سيولد الأمر لدى النخبة المغربية وعيا بالتأخر و بالتالي ستدفعهم إلى التفكير في آفاق “التجاوز”. إن هاته الإشكالية العامة ستنعكس على فكر “عبد الرحمان بن زيدان” ، الذي كان معجبا بتعاليم “محمد بن عبد الكبير الكتاني”، حيث يبدو أن تصورات الكتاني للمسألة السياسية هي التي ستطبع تفكيره.. فالكتاني هذا لم يكن من الذين يؤمنون بإطلاقية سلطة  السلطان، بل كان يرى ضرورة مطابقة الممارسة السياسية لتعاليم الشريعة و مصالح الأمة. و هذا ما تعبر عنه بشكل جلي الشروط التي سيضيفها الكتاني إلى “البيعة الحفيظية”.

          و ليست “البيعة” في  نظر الكتاني عملا شكليا/طقوسيا، بل هي عقد يلتزم بموجبه السلطان أن يدافع عن مصالح الجماعة و أهدافها. و بالتالي، فالبيعة مشروطة بإقرار العدل و تحسين وضعية التعليم، و إلغاء الشروط الضارة بمصلحة الأمة التي تضمنتها اتفاقية الجزيرة الخضراء، و العمل على استرجاع ما ضاع من التراب الوطني، و عدم استشارة الأجانب فيما يتعلق بمصلحة الأمة، و الرجوع إلى ممثلي الأمة في إبرام المعاهدات،  وإلغاء الضرائب غير الشرعية، و الإعتناء بالأوضاع الدينية..

         إن ابن زيدان المتأثر بالكتاني، يناهض هو الآخر الإستبداد، و يستعمل كلمة “الدستور”، و سيمنحها مضمونا تقليديا مغايرا للمضمون الذي كانت تدل عليه في الأقطار الغربية. و يشكل عنده الحكم “الدستوري” أي “المقيد” نقيضا للحكم “الإستبدادي”. و يبقى مظهر الحكم الدستوري، عنده طبعا، هو وجود مجلس للعلماء يقوم بوظيفة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

        و في معرض حديثه عن إشكاليات الحداثة، يورد ظريف “محمد لحبابي” لإستجلاء الأفكار السياسية التي تقول ب”حدود السلطة” من خلال المناداة بإعادة التكييف الحقوقي للبيعة. فالحبابي يرى أن الحياة السياسية بالمغرب لا تتحدد فقط بالإسلام كمنظومة “عقائدية” تحمل في طياتها مجموعة من التصورات السياسية، بل  تتحدد كذلك بالتقاليد المغربية. و هذه الأخيرة هي التي دفعت المغاربة إلى اعتناق “الإسلام الخارجي” دون الإسلامين “الشيعي” و “السني”. و لقد تأسست منذ القرن الثاني الهجري دول/ إمارات “خارجية” بالمغرب؛ كالدولة المدرارية ب “سجلماسة” و الدولة الرستمية ب”تاهرت”. و هناك من يرى أن الدولة “البورغواطية” كانت هي الأخرى مؤسسة على المذهب الخارجي الصفري. و لقد بلور الخوارج تصورا مخالفا للتصورين “الشيعي” و “السني”، بحيث لم يشترطوا “القرشية” في الحاكم. كما أكدوا على كون الأمة تظل محتفظة بحق الخروج عن الإمام من خلال “خلعه” أو “قتله” إن اقتضى الحال. و ذلك في حالة جوره و انعدام عدالته. و لذلك، فقد ارتضى المغاربة بحكام غير قريشيين؛ أمثال المرابطين و الموحدين و المرينيين و الوطاسيين..

       و يتخذ محمد لحبابي من روسو مرجعية أساسية تتحكم في قراءاته للتاريخ السياسي المغربي. فكما ناهض روسو نظرية الحكم الإلهي في الحكم، ناهض لحبابي النظرية السياسية الشيعية. كما سيؤكد روسو على المشاركة المباشرة للشعب، و هو أمر يستحضره لحبابي في رصده لتاريخ العلاقات بين الحاكم و المحكوم بالمغرب.

        و تعد نظرية العقد الإجتماعي لدى روسو قريبة في مضمونها من نظرية”البيعة” عند الحبابي، فرغم أن الأمة تبايع الحاكم، فإنها لا تفقد سلطتها في مراقبته، إذ  السلطان ليس أكثر من مجرد الرئيس الأعلى للإدارة. ولا يملك السلطان السلطة التشريعية بمفهومها الحديث، فهو في كثير من الحالات يضطر إلى اللجوء لاستشارة العلماء. و لا يمتلك كذلك سلطة تأويل الشريعة، بل ذلك من اختصاص القاضي. و السلطة ليست وراثية بل الإستخلاف يتم بموافقة العلماء.

       و فيما يتعلق بالمسألة الدستورية أو الفكر الدستوري كجانب من جوانب الفكر السياسي (بالمغرب)، يورد ظريف، مشاريع الدساتير التي عرفها المغرب في بداية القرن العشرين؛ كمشروع دستور عبد الله بنسعيد الذي وضع حدودا و قيودا لسلطة العمال و الولاة، لكنه استبعد السلطان من دائرة المراقبة، و بالتالي لم يكن طرحه يتحرك إلا في أفق الرؤية التقليدية لتقييد السلطة.

        أما مشروع دستور 1906، فيقارب مسألة تقييد السلطة من خلال التركيز على “فوائد الحياة النيابية”، حيث تتجلى هذه الفوائد في نشر العدل و تحول المأمورين من خدمة مصالحهم الخاصة إلى خدمة الدولة، و ضبط مداخيل الدولة، و رجوع قبائل “السيبة” إلى طاعة المخزن، و تعاون المماليك المسلمة و تقوي المملكة. بينما مشروع دستور 1908، فيعتبر قريب في روحه من الدساتير الأوروبية، عكس ما قبله من المشاريع التي كانت تهيمن فيها التصورات الدينية. فمثلا؛ مشروع بنسعيد و مشروع 1906 يتحدثان عن “الرعية” أما مشروع 1908 فيتحدث عن “المواطنين”.

        و في نفس المعنى، يرى “محمد حسن الوزاني” أن الدستور ليس عملا شكليا بل هو التزام، وحين تنعدم هذه المواصفات في الدستور يفقد ماهيته، و لعل ذلك هو ما دفع الوزاني فعلا إلى اتخاذ موقف رافض من دستور 1962. و في هذا السياق، يرى بأنه حين سيعرف المغرب “الدستور” فإن هذا الدستور لم يؤسس “سلطة” بل أصبح هو نفسه في خدمة السلطة القائمة. و هذا ما سيعمل الوزاني على تبيانه من خلال شرحه مشروع دستور 1962، المشروع الذي لا يهتم بتأسيس نظام ملكية دستورية بقدر ما يهتم بإيجاد دستور ملكي، و بالتالي فإن هذا الدستور لا يمكن أن يوطد دعائم الملكية الدستورية. و الدستور في  نظره لابد أن يكون من وضع الشعب شكلا ومضمونا.

        و من أجل «تجاوز السلطة»، في إطار الفكر السياسي بالمغرب طبعا، يورد ظريف أطروحة “الخيار التعادلي” التي نظر لها حزب الإستقلال والتي تعني باختصار البديل للنظام الإستعماري الإستغلالي الريعي. وترى هذه الإيديولوجية “الإستقلالية” أولا على الإسلام السلفي، باعتبار السلفية تيارا ثوريا، مهد الأرضية  للثورة على  الإستعمار. و يجسد الخيار التعادلي محاولة لجعل السلطة وسيلة و المجتمع هدفا، لذلك يتضمن هذا الخيار عنصرين: الأول يتجلى في المسألة السياسية و الثاني يرتبط بالمسألة الإجتماعية.

        فعلى مستوى المسألة السياسية، يطرح الخيار التعادلي تصورا خاصا لإشكالية الديموقراطية؛ حيث يقطع مع التصور التقليدي الذي يجعل مسألة الحكم اختيارا للحكام و يجعلها اختيارا للشعوب. كما أن الخيار التعادلي يحاول أن يستقي أفضل ما يتضمنه المفهوم اللبرالي و الإشتراكي للديموقراطية.  و يمكن اختزال التصور الديموقراطي للخيار التعادلي في ما يلي : ­ القاعدة الأساسية للديموقراطية هي ضمان الحريات الأساسية التي يتضمنها الإسلام و الميثاق العالمي لحقوق الإنسان ­ اختيار الشعب للإختيارات الأساسية السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية في نطاق العدالة الإجتماعية ­ تنظيم الحكم على أساس الديموقراطية النيابية التي تنبع من القاعدة­حرية تنظيم المواطنين في الهيئات السياسية و الإجتماعية و الإقتصادية.

          أما على مستوى المسألة الإجتماعية،  ينبني الخيار التعادلي على فكرة إلغاء الصراع  و الحروب الطبقية و على التعادلية الإقتصادية  و الإجتماعية. و هذا لن يتأتى إلا بصهر الشعب في وحدة اجتماعية كاملة. و هذه الوحدة تستلزم من الدولة رفع مستويات المعيشة للمواطنين و إحداث تقارب بينها، بتوزيع عادل للدخل القومي من جهة، و بتحقيق المغرب لإستقلاله من جهة أخرى.

       و للوصول إلى مجتمع بلا طبقات، لا بد من ثلاث مقومات؛ أولها يتمثل في إفراغ الدولة من محتواها الطبقي  و جعلها فوق الطبقات، و ثانيا، يتجلى في اعتبار المال وسيلة، و ثالثا، يتجسد في جعل الملكية ذات وظيفة اجتماعية، و لهذا؛ يرفع الخيار التعادلي شعار: المعامل للعمال و الأرض لمن يحرثها، و الصراع الطبقي ليس حتما لبناء مجتمع متعادل.

       أما الخيار الإشتراكي الذي تبناه “الإتحاد الإشتراكي للقوات الشعبية” فتتجلى محدداته في ضرورة التخلص من التخلف و الإستعمار و التبعية. و يبقى محتوى هذا الخيار كامنا في التحرير الذي يشمل الإصلاح الزراعي وبناء القاعدة الصناعية للتنمية، و التحكم في علاقات المغرب الإقتصادية الدولية، و تلبية الحاجات الجماعية على حساب الحاجات الفردية. و بكلمة، فإن هذا الخيار يتضمن الديموقراطية و الإشتراكية.

        و في ذات السياق، ينظّر “مهدي بن بركة” لديموقراطية السلطة الشعبية في إطار إشكاليات تحديد الهوية، و بالضبط في إطار ما يسميه ظريف بنقلة الفكر السياسي بالمغرب نحو “الحداثوية”، في مقابل، “التقليدوية” والتي هي فلسفة سياسية تجعل “الحداثة” أداة لخدمة التقليد، عبر سعيها لبناء السلطة على حساب الدولة و إقامة ترادف بين مدلولات حقل “التحديث” و مدلولات حقل “التقليد”. و هاته الفلسفة السياسية، أي التقليداوية، يجسدها كل من الملكين الراحلين: محمد الخامس و الحسن الثاني من خلال تجربتهما السياسية.

       لقد استطاع الأستاذ محمد ظريف، من خلال توظيفه لمقاربات منهجية متعددة، و بالخصوص “المقاربة التحقيبية” و “المقاربة الإشكالية”، أن يلامس و يعالج، بدقة علمية عالية، مختلف الموضوعات و القضايا التي انشغل بها الفكر السياسي بالمغرب. و إذا كان من الطبيعي أن تتباين الأفكار السياسية  بحكم  تباين المشارب الفكرية و المصالح الإجتماعية حتى، فإن الملاحظة المركزية التي يمكن للقارئ أن يسجلها في هذا المضمار، هي أن جميع  الخطابات  و النصوص والأفكار السياسية التي تفتقت عن قريحة المفكرين المغاربة، قديما و حديثا، إنما تؤطرها أطر مرجعية ثقافية واضحة و محددة؛ تتراوح بين المنظومة الفكرية الإسلامية و المنظومة السياسية الغربية. بحيث أن كل من ساهم في إنتاج الفكر السياسي المغربي إنما يجد مصادره، بالأساس، في هاتين المنظومتين، و بالتالي، فهو، إما أنه يستلهم أفكاره من الموروث العربي الإسلامي، و إما أنه يعمل على “تبيئة” و”توطين” و “تكييف” تلك الأفكار و المفاهيم التي يمتحها من الغرب، وذلك، طبعا، حسب ما تمليه و تقتضيه شروط  و ظروف كل مرحلة على حدة..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.