تاريخهم و تاريخنا..

منذ أن وطأت أقدامنا الصغيرة فصول المدرسة الباردة وكتبهم تحرّضنا على أن نعمل بجد ونزرع لكي نحصد، لكن اكتشفنا أنهم كانوا يقصدون: “عليكم أن تعملوا لنحصد نحن”… عملنا وزرعنا كما عمل وزرع آباؤنا وأجدادنا، وفي الأخير هم من حصدوا…كانوا ينتظرون بمعاولهم ومناجلهم الصدأة ليحصدوا ما زرعنا، وإن لزم الأمر أن يحصدونا نحن الذين زرعنا…

التاريخ عندهم: صورة تظهر في القمر، أسد أطلسي يُرسل إلى أمريكا بمناسبة استقلالها، حلفاء الحرب الثانية يجتمعون في الدار البيضاء، وثيقة قيل عنها تطالب بالاستقلال، ثورة يقودها “الملك والشعب” ومسجد حمل اسمهم بُني بمداخيل إتاوات فُرضت غصبا على البسطاء، فكان عرشه على عرق الكادحين…

بيد أن الوطن علّمنا “أن حروف التاريخ مزورة حين تكون بدون دماء”، عملنا بدرس الوطن وقدمنا دماءنا فداءً له وضدّ تزوير تاريخه/نا، فكان التراب شاهداً وكانت شوارع الوطن شاهدة على دمائنا التي سحّت بحثاً عن كرامته المهدورة..

هم يريدون وطناً على مقاس جشعهم، الوطن عندهم ضيعة كبيرة يحلبون خيراتها كما تشاء غرائزهم، “المغرب لنا لا لغيرنا”، هم الأنا ونحن الأغيار، هم أهل الحلّ والعقد ونحن أوباش.. هم يريدونه وطنا خفيفاً حفيفاً كغانية تراقص استيهامات المعجبين فسموه “أجمل بلد في العالم”…

نحن نريده وطناً يسع أحلامنا، نريده وطناً رزيناً حنوناً رؤوفاً بأبنائه، فسمّيناه “المغرب الأقسى” نكاية بقسوتهم، نريده وطناً يرفع رأسه عالياً، فوطن أنجب عظماء يفتخر بهم التاريخ لا يحقّ له أن ينكّس رأسه أبداً..

هم حاذقون في تجميل قسوتهم، وتقديم صورتها إلى الخارج لوحة جميلة تحمل تباشير عهد “الديموقراطية الواعد”، حاذقون في تزوير إرادتنا، يعيشون بالتزوير وللتزوير، وذاك شأن من أتى على صهوة تاريخ مزوّر، ليس له إلاّ التزوير وليّا…

نحن مفتونون بحبّ الوطن الى حدّ الوجع، حملنا أحلامنا وخرجنا نصرخ عاليا ضدّ التجميل الممنهج، ضدّ التزوير، فرمونا بالجنون وتعاطي المخدرات وتشويه صورة الوطن..

 إنه صراع الضدّين يا وطني، صراع بين من يصارع من أجلك ومن يصارع بك وباسمك من أجله وأجل مصلحته، هي الحرب إذن قد نخسر منها معركة، لكن الحرب باقية إلى أن تنتصر يا وطني…

تعليق 1
  1. هذا المغرب ونحن ناسه يقول

    بعدما تخرجت من مدرسة تكوين المعلمين ، تم تعييني بالدوار
    نزلت على الأهالي ضيفا و أقنعتهم بضرورة محو الأمية وتعليم الأطفال
    وكان أن نَصَبْت ُ في إحدى التلال ، خيمة متنقلة سَمَّتها الوزارة فصلا
    لضم الأولاد والبنات وكل المستويات
    وأذكر أول درس قدمته كان في مادة التربية الوطنية
    أوقفت الأطفال في صفين على جانب سارية العلم المغربي
    وبدأت أتلو النشيد الرنان
    منبت الأحرار… مشرق الأنوار .. إخوتي هيا … للعلا سعيا
    نُشهد الدنيا أن هنا هنا هنا نحيــــــــــــــا …بشعار : الله الوطن الملك
    قلت لهم : يا أطفالي الاعزاء … الوطن يناديكم ، رددوا معي جهرا من فضلكم ؟؟
    أعدت النشيد على مسامعهم عشر مرات
    ولم يكن يجاوبني غير صدى صوتي الذي كان يصدح في البراري
    ورغم التهديد والترغيب والوعد والوعيد لم ينبس منهم واحدا ببنت شفة
    أوووف …. كم كنتُ قاسيا معهم
    راودتني بعض الوساوس التي عادة ما ينفثها ” الوطنيون ” في بلدي
    ضننت أنهم أعداؤك يا وطني
    وعلقت صمتهم على مِشْجَبِ الجزائر و البوليساريو .
    من كثرة الصراخ لوحدي بلعت كل ريقي فجفت حنجرتي
    أخذت جرعة ماء ملوثة حصلت عليها من جُب ٍّ بعيد مُهمل
    وبدأت برفق أُحَدِّقُ في سحناتهم وأتأمل عيونهم البريئة ..
    صدقوني…. تلك اللحظة الى الان تؤلمني
    سقطت دمعة من عين طفل مثل جمرة على قلبي
    هي لا زالت توجعني
    تداركت الامر وعرفت أن الدرس الأول كان… خطأ .
    فالوطن حينما يُسرق يصبح قاسيا وظالما
    يعيش المفترس فيه النعيم
    ويتآكل مُهَمَّشُوه في الجحيم
    منافق وخائن للوطن كل من يجبر مهمشا أنهكه الجوع و الفقر والذل والعزلة …على تلاوة النشيد ورفع الشعار و العلم . فالوطن المسبي يجب استرجاعه ليعود حضنا دافئا لكل أبنائه .
    وهذا المغرب ونحن ناسه ـ عبدالمالك ــ
    ملحوظة : حكاية من نسج الخيال لا علاقة للصورة بها وأحيي هذا الاستاذ المكافح وكل أطفال المغرب المنسي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.