بين معارضة النظام والوفاء للوطن

محمد المساوي

خلال الأيام والأسابيع القليلة الماضية تصاعدت حدة التوتر والتوجس لدى النظام المغربي من جراء المواقف التي باتت تعبر عنها الادارة الامريكية تجاه المغرب، فبعد خطاب الملك في القمة الخليجية الذي حمل اشارات في هذا الاتجاه، جاء بيان وزارة الخارجية المغربية بعد صدور القرار 2285 عن مجلس الامن والقاضي بتمديد بعثة المينورسو لسنة أخرى، ليتهم ممثل الولايات المتحدة الامريكية بالاشراف على صياغة هذا القرار تحت الضغط والاكراه وبعيدا عن روح الشراكة التي كانت تطبع علاقة المغرب بالادارة الامريكية، وقبل يومين صدر بلاغ لوزارة الداخلية المغربية يردّ على تقرير وزارة الخارجية الامريكية حول وضعية حقوق الانسان بالمغرب، تلاه بعد ذلك استدعاء حكومة الظل للسفير الامريكي بالمغرب للاحتجاج على التقرير ولتقديم توضيحات بشأنه.

واضح إذن أن العلاقات الامريكية المغربية ليست على ما يُرام، وأن غيوما كثيرة تلبّد سماء هذه العلاقات، وأن القصر الملكي باتت تزعجه كثيرا المواقف الامريكية التي ما فتئت تكشف عنها التطورات الاخيرة.

في تاريخ العلاقات المغربية الامريكية، كان المغرب منذ الاستقلال الشكلي بمثابة الابن المدلل للامبريالية الامريكية في شمال افريقيا، خاصة وأن الحسن الثاني اختار منذ البداية الارتماء في الاحضان الامريكية مقابل ارتماء جاره الجزائري في الاحضان السوفياتية، منذ ذلك الوقت والمغرب يُعتبر دركي امريكا في المنطقة، كما أن التعاون الامني والمخابراتي بين البلدين وصل الى حدّ علاقة التابع والمتبوع، فكثيرا ما أشرفت المخابرات الامريكية على استنطاق معتقلين في سجون مغربية، كما اعتمدت الادارة الامريكية على الحسن الثاني خلال عقود القرن الماضي بوصفه رجل امريكا في القمم العربية والاسلامية… لكن الآن يبدو أن كل شيء قد انقلب، أصبح المغرب بلدا يخرق حقوق الانسان، في الوقت الذي كانت أمريكا تصفق لعمليات الاعتقال والتصفية والاختطاف التي كان يتعرض لها معارضو نظام الحسن الثاني.

في تحليل نُشر قبل أيام على أنوال بريس، قلنا فيه أن امريكا وهي تقود الامبريالية في زمن انحطاطها، أضحت لا تلهث إلا وراء مصالحها، وأن لا شيء سيمنعها من أن تحاكم حلفائها وتمارس عليهم الابتزاز، وتوقعنا ان يستمر ضغطها على المغرب ويتعاظم اكثر، في سياق الانتقال الى خطة التخلص من الملكيات في منطقة الشرق الاوسط وشمال افريقيا، لقد اضحت هذه الملكيات في حكم “الشيء الذي استنفذ دوره”؛ هكذا أصبحت تنظر الامبريالية الامريكية الى ملكيات المنطقة بعد أن ظلّت لسنوات هي الانظمة الامريكية في المنطقة وادواتها التي بها تُنفّذ اجندتها الاجرامية.

بعد صدور تقرير وزارة الخارجية الامريكية حول وضعية حقوق الانسان بالمغرب، قد نجد بعض السّذج سياسيا يهلّلون لهذا التقرير، ويعتبرونه تزكية لما ظل يقوله ويناضل ضدّه شرفاء الوطن، وهذا ما سيُعتبر ضربة قاتلة لمسيرة النضال من أجل التغير الحقيقي، ومن أجل احترام حقوق الانسان..

أي مناضل حقوقي أو سياسي يعتبر تقارير وزارة الخارجية الامريكية مرجعاً له، أحرى به ان يراجع حسّه الوطني، ونباهته السياسية التي يفترض فيها أن لا تبني موقفها على معطيات “ذكرة السمكة”.

النظام الامريكي هو نظام مُجرم بكل المقاييس، لا يمكن للمناضل الحقيقي أن يستند على المجرمين ويتكئ على تقاريرهم ليؤكد أن ما يناضل من أجله يستحق ذلك، فهذا النظام المجرم يتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية في تمدد الاستبداد و تعويم الفقر والبؤس في المنطقة. وإن كان اليوم أراد أن يتنصل من ادواته (انظمة الاستبداد في المنطقة) فليس من شرف المناضل الحقيقي ان يسقط في هذا الشرك، والوطني الحقيقي يفترض فيه أن لا يستقوي بأمريكا ضدّا في نظام بلده الذي طالما عذّب وقمع وشرّد وسجن بدعم من أمريكا نفسها، وإلا كفّ عن ان يكون مناضلا وتحول الى مجرّد مرتزق، يشبه النظام الذي يدعي أنه يعارضه.

في الأسبوع الثاني من شتنبر 2011 اتصلت السفارة الامريكية بالرباط بأحد نشطاء حركة 20 فبراير بطنجة (منعم المساوي)، وطلب منه المتصل عقد لقاء مع السفارة من أجل الاطلاع على مطالب الشباب وطبيعة الحراك السياسي الذي يخوضونه، إلا أن هذا الناشط رفض اللقاء، وتساءل عن جدواه، وما دخل السفارة الامريكية في الحراك الشعبي الذي نخوضه؟ وكيف تسمح الدولة المغربية بهذه الاستباحة المقيتة للسيادة الوطنية؟ انذاك استشاط ممثل السفارة الامريكية غضبا، وخاطب الناشط الفبرايري قائلا:” من أنتم حتى ترفضون لقاء سفارة دولة عظمى يتهافت الكل للقائها؟” مضيفا “أنتم مجرد سذج صغار لا تقدرون الامور حق قدرها”، وأردف متسائلا: “كيف تكون طنجة هي المدينة الوحيدة التي رفض شبابها لقاء السفير الامريكي؟ -مضيفا بنوع من الضغط والاستدراج -أن العديد من شباب الحركة من مختلف المدن زاروا السفارة الامريكية وتباحثنا معهم كما أن بعض القيادات الاسلامية (يقصد الفيزازي حيث تلقى هو أيضا الدعوة في نفس الفترة التي تم الاتصال بناشط حركة 20 فبراير) والسياسية زارت السفارة وتباحثوا معنا”.
بعذ ذلك انعقد جمع عام لحركة 20 فبراير بطنجة يوم الاربعاء 14 شتنبر 2011 لمناقشة هذا الاتصال الامريكي والتداول بشأنه (يمكن النقر هنا للاطلاع على خبر في الموضوع صدر حينها على صفحات الموقع الالكتروني هسبريس)، وطُرح الموضوع بشكل ديموقراطي على انظار الجمع العام، وخلص النقاش الى ضرورة اصدار بلاغ ردا على هذا الاتصال وردا على هذا الاستفزاز، ولشرح أسباب رفض شباب حركة 20 فبراير بالمدينة هذا اللقاء. وعبّر البلاغ عن ادانته لما أسماه “الأساليب الوقحة في التعامل مع نضالات الشعب المغربي من طرف دولة تدعي الديموقراطية وحقوق الانسان”، ثم أكد البلاغ رفض شباب الحركة “لأي تدخل أجنبي كيفما كان وتحت أي يافطة كانت في تقرير مصير الشعب المغربي”، وأضاف أن قناعة شباب الحركة هي أن “السياسة الأمريكية مبنية أساسا على تحقيق مصالحها من خلال الهيمنة على الشعوب وفرض ذلك عبر التدخل السافر في شؤونها دونما احترام للسيادة الوطنية” وأن النضال من أجل “تحقيق الديموقراطية الحقيقية هو نضال ضد التبعية السياسية والاقتصادية”.

بعد صدور هذا البلاغ تلقينا العديد من عبارات الشماتة والاتهام والتندر، هناك من قال عنّا اننا قاصرون لا نفهم حبة خردل في السياسة، وهناك من اصدقائنا ورفاقنا واخواننا من اعتبر بلاغ حركة 20 فبراير بطنجة مجردة مزايدة فارغة؟؟ رغم ذلك لم نعر اهتماما لذلك، واعتبرنا موقفنا هو الصحيح، والتاريخ كفيل باثبات ذلك.

ان صدور ذاك البلاغ عن حركة 20 فبراير بطنجة، كان تأكيداً قويا على أصالة هذه الحركة واستيعابها لتاريخ النضال السياسي والاجتماعي الذي تخوضه شعوب المنطق، كما أنه كان رداً صادقاً وقويا على الاتهامات المجانية والحقيرة التي طالت شباب الحركة واتهمتهم بخدمة اجندة اجنبية من طرف العياشة واعلام المخزن، في حين كان هؤلاء الشباب اكثر وطنية من سراق الامل ومهربي الاموال الى البنوك الاجنبية، كان الشباب اكثر وطنية من النظام الذي شرع ابواب الوطن لغربان المخابرات الامريكية وسفارتها لتفعل ما تشاء في البلد..

ذاك هو الفرق بين الوطنية المزيفة؛ وطنية بنوك سويسرا وبانما وعاش الملك، وبين الوطنية الحقة، الوطنية التي تميز بين معارضتها للنظام وحبها ووفائها للوطن…

ملحق:

بلاغ حركة 20 فبراير بطنجة الرافض لتلبية دعوة ممثل السفارة الامريكية بالمغرب

حركة 20 فبراير-طنجة

توصل أحد نشطاء حركة 20 فبراير بطنجة بدعوة من ممثل السفارة الأمريكية بالمغرب، يطلب فيها لقاءً معه للتداول في طبيعة الحراك السياسي والاجتماعي الذي يشهده بلادنا، وبعد رفض الناشط المتصل به لهذا اللقاء بالصيغة والشكل الذي طرحه ممثل السفارة، كان رد هذا الأخير بطريقة فيها الغطرسة والعنجهية المعهودتين في السياسة الأمريكية تجاه الشعوب المستضعفة، فراح يستهتر ويتحدى أن دولته دولة عظمى لا يستعصي عليها شيء.

   ولإقتناعنا المبدئي بماهية السياسة الامبريالية الأمريكية تجاه الشعوب الكادحة القائمة على نهب ثرواتها موظفة في ذلك شتى وسائل التقتيل والإبادة (فلسطين، العراق، أفغانستان،الصومال…). رفض مجلس الحركة المنعقد يوم 14 شتنبر 2011 هذه الدعوة شكلا ومضمونا، وأكد على الآتي:

1-    إدانتنا لهذه الأساليب الوقحة في التعامل مع نضالات الشعب المغربي من طرف دولة تدعي الديموقراطية وحقوق الانسان.

2-    رفضنا لأي تدخل أجنبي كيفما كان وتحت أي يافطة كانت في تقرير مصير الشعب المغربي. 

3-    قناعتنا الثابتة على أن السياسة الأمريكية مبنية أساسا على تحقيق مصالحها من خلال الهيمنة على الشعوب وفرض ذلك عبر التدخل السافر في شؤونها دونما احترام للسيادة الوطنية.

4-    تأكيدنا على ان نضالنا من أجل تحقيق الديموقراطية الحقيقية هو نضال ضد التبعية السياسية والاقتصادية.

5-    تشبثنا العميق بخطنا النضالي و الكفاحي حتى تحقيق كافة مطالبنا العادلة والمشروعة.

6-    دعوتنا لكل الشرفاء والأحرار والاطارات المناضلة من أجل تكثيف الجهود النضالية حتى اسقاط الاستبداد والفساد وتحقيق الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية.

 

عاش الشعب المغربي حرا أبيا

المجد لشهدائنا والحرية لمعتقلينا

طنجة 17 سبتمبر 2011

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.