بين قفص الطيار الأردني وقفص جماهير الكرة المصرية

لا شيء يفوق بشاعة الموت غدرا، خصوصا حين يكون القاتل من بني وطنك، ممن أوكلت له مهمة الحفاظ على حياتك، فإذا به يطعنك دون رحمة في ظهرك، دون أن يرف له جفن أو يتصبب منه عرق. هذا ما قلته مع نفسي للوهلة الأولى، ووكالات الأنباء الدولية والفضائيات العالمية تتناقل طيلة مساء يوم الأحد 08 فبراير 2015، خبر مقتل 22 مشجعا زملكاويا من ألتراس وايت نايتس، إثر تدخل عنيف للشرطة لمنعهم من ولوج ملعب الدفاع الجوي الذي كان سيحتضن مباراة الزمالك ضد إنبي، لعلمي المسبق من خلال تقارير المنظمات الحقوقية المشهود لها بالاستقلالية والحياد والكفاءة، أن قوات الأمن المصرية أدمنت قتل المصريين، بعد أن صار الإفلات من العقاب هو العملة الرائجة في مصر على عهد السيسي، كلما تعلق الأمر بجريمة ارتكبها أحد رجال الداخلية أو أحد عناصر الجيش.
لكن صدمتي كانت كبيرة جدا، حين رأيت الطريقة التي تم بها قتل مشجعي نادي الزمالك من رابطة ألتراس وايت نايتس، على أبواب ملعب الدفاع الجوي. فالغدر هذه المرة فاق كل ما تخيلته، والخيانة بدت واضحة جلية في أكثر صورها خسة وانحطاطا. فقد أوضحت الصور والفيديوهات التي تم التقاطها من مسرح الجريمة أثناء وقوعها، صور المشجعين وهم مكدسون في ممر حديدي ضيق، تحيط به الأسلاك الشائكة من كل جانب، وكأنه فخ مميت تم نصبه بإحكام لسرب من الفئران، لدرجة اعتقدت معها أن الأمر يتعلق بأسرى حرب، قادهم حظهم العاثر للسقوط في قبضة تنظيم “داعش” الإرهابي الذي لا تعرف الرحمة طريقها إلى قلوب مقاتليه.
فلقد بدا واضحا وضوح الشمس، أن الأمر يتعلق بجريمة مدبرة بليل، خصوصا حين بدأت الشرطة تطلق قنابل الغاز، على ارتفاع منخفض، في اتجاه المشجعين المحاصرين في ممر الموت، دون أي تفكير في العواقب، مما يوضح أن النية كانت مبيتة لقتل المشجعين إما اختناقا أو دهسا تحت الأقدام، للتغطية كما قالت حركة 06 أبريل المصرية في بيان لها، على تسريبات مكتب السيسي الفضائحية، والتي كانت حديث العالم في الليلة التي سبقت الجريمة، والتي أظهرت للعالم كم الاحتقار والازدراء الذي يكنه السيسي ومعاونيه لدول الخليج، كاشفة عن خطته لتحويل جيش مصر العظيم، إلى فرق من المرتزقة تسدي خدماتها مقابل أجر يدفع مسبقا.
لقد تذكرت وأنا أرى ما حدث لألتراس وايت نايتس، تلك الطريقة البشعة واللاإنسانية التي تم بها إعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبة على أيدي تنظيم “داعش” الإرهابي، حين تم إحراقه بعد حبسه في قفص. فلقد بدا لي الممر الحديدي الذي حوصر فيه المشجعون المساكين مثل قفص معاذ الكساسبة. وبدت لي عناصر الشرطة المصرية وهم يطلقون قنابل الغاز مباشرة في اتجاه شباب الألتراس الزملكاوي، مثل مقاتلي داعش وهم يضرمون النار عن بعد لتأخذ طريقها نحو جسد الطيار الأردني الأسير.
نعم إن إجبار المشجعين على المرور عبر صندوق حديدي طوله خمسة أمتار وعرضه متران فقط، إن هم أٍرادوا الدخول للملعب رغم توفره على ما يقارب عشرين بابا واسعا، ثم إطلاق قنابل الغاز مباشرة عليهم دون رحمة، جريمة لا تقل بشاعة وخسة عما فعلته “داعش” في حق الكساسبة، بل إنها أكثر جبنا وغدرا لأنها جاءت على يد الأخ وليس العدو، ورافقها إصرار من المسؤولين على لعب المباراة وكأنهم يريدون الرقص على جثت الضحايا، وتبعها خروج جوقة الإعلاميين لإلصاق التهمة بطرف خفي رغم أن المجرم واضح وآثار الدم لازالت تقطر من أصابعه.
ولا أدري كيف تجرأ النائب العام المصري، سويعات بعد المجزرة، على إصدار قرار بالقبض على العشرات من ألتراس وايت نايتس، ليصير الضحية هو الجلاد والقتيل هو المقتول، وكأنه استكثر عليهم مجرد المشاركة في جنازات أصحابهم وتشييعهم إلى مثواهم الأخير؟ وليس لي أدنى تفسير لذلك سوى أن القضاء المصري فقد استقلاليته، وصار جزءا لا يتجزأ من منظومة الحكم الانقلابية، يأتمر بأوامرها ويسير في ركابها، لدرجة صار الدم المصري بلا ثمن، وصار الظلم هو الحاكم المستحكم في رقاب الناس، دون أن يجدوا قضاء عادلا يقتص لدمائهم.
إن مصر لا تستحق كل ما يحدث لها على أيدي سلطة ظالمة مستبدة، وصلت إلى سدة الحكم على ظهر دبابة، فراحت تقتات كل يوم من دماء أبنائها المخلصين، وصارت تنتقل من مجزرة إلى أخرى وسط صمت مخجل من أحرار العالم. إن “داعش” ومثيلاتها من الجماعات الإرهابية التي أصبحت تنتشر مثل السرطان في كل ربوع العالم، ما هي في نهاية المطاف إلى عرض لمرض، مرض اسمه الطغيان والاستبداد والديكتاتورية والإقصاء والظلم، وكم هم أغبياء هؤلاء الذين يريدون محاربة “داعش” وفي نفس الوقت حماية “السيسي”، فداعش والسيسي وجهان لعملة واحدة، ولن يستقيم مصير العالم ويستتب الأمن والسلام في ربوعه طالما أن الديكتاتورية تحكم بلدا مهما مثل مصر، وطالما أن العدالة الانتقالية لم تجد طريقها بعد إلى الأجندة السياسية المصرية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.