بين “صفين” و”عاصفة الحزم” ومقتل الطيّار المغربي

قبل أربعة عشر قرنا، عاشت شبه الجزيرة العربية صراعاً دموياً ابتدأ بمقتل ثالث الخلفاء الراشدين عثمان بن عفان، حينها طالب بنو أمية عليًّا بن أبي طالب الخليفة الرابع بالقصاص من القتلة بسرعة والثأر لدم عثمان، بعد ذلك تسارع الانقسام واحتدّ بشكل رهيب إلى أن اصطف المسلمون الى صفين؛ صف مع علي بن أبي طالب واخر مع معاوية بن أبي سفيان، فحدثت حروباً ومعارك بين الطرفين، أُزهقت فيها أرواح الالاف من المسلمين في اقتتال داخلي.

اثناء ذلك حدث أن قُتل الصحابي عمّار بن ياسر، الذي كان يوالي عليّاً ضدّ معاوية، وخرج معه في جيشه لمحاربة جيش معاوية في موقعة صفين، وهو شيخ طاعن في السن، يبلغ من العمر 94 سنة وهناك من قال 92 سنة، وظلّ يقاتل إلى أن قُتل، وهو ما خلق ارتباكاً كبيراًَ في صفوف جيش معاوية، بالنظر الى ورود حديث نبوي يُرْوى فيه عن الرسول أنه قال: “ويح عمّار تقتله الفئة الباغية“، ومادام أن عمّاراً قُتل على يد جيش معاوية فهي الفئة الباغية حسب منطوق الحديث، لكن عمرو بن العاص، الداهية، مستشار معاوية اهتدى إلى “تخريجة” تريح ضمير معاوية وجيشه، بأن قال : نعم عمّار قتلته الفئة الباغية، الفئة التي استقدمته إلى ساحة المعركة وهو شيخ طاعن في السن، فهي المسؤولة عن قتله وليس من أجهز عليه أثناء المعركة. وبذلك اطمأن قلب معاوية وصحبه وجيشه بأنهم ليسوا الفئة الباغية، بينما كان صف علي بن أبي طالب واثقاً أن الفئة الباغية باتت معروفة وواضحة، وما مقتل عمّار بن ياسر ابن أول شهدين في الاسلام؛ سمية وياسر، وأحد المسلمين السبعة الأوائل، إلاّ اية تؤكد ظلم وطغيان هؤلاء، فقام عليّ بن أبي طالب بحمل جثة عمار على صدره ودفنه بثيابه، لأن الشهيد لا يكفن ولا يصلى عليه… واستمرت الحرب، واستمرت في حصد ارواح الناس، بينما استمر تبريرها بدهاء منقطع النظير…

اليوم بعد كل هذه القرون الغابرة، استفقنا على خبر اسقاط (أو سقوط) طائرة مغربية مشاركة في الحرب على اليمن ضمن التحالف الخليجي الذي تقوده السعودية من “أجل الدفاع عن الشرعية في اليمن”، وهو في الحقيقة رغم كل هذه القرون الفاصلة بين معركة صفين وما سمّي بعاصفة الحزم، فإن الاخيرة ما هي إلا امتداد للأولى وإن بشكل مختلف قليلاً، السعودية وحلفاؤها دخلوا الحرب حتى لا تسقط اليمن في أيدي الشيعة، وفي يد ايران العدو الأبدي لحكام السعودية والوهابية، ومن المصادفات الغريبة أيضاً أن عمّار من اسرة يمنية هاجر والده إلى مكة، ولم يعد الى بلاده، وتزوج بسمية التي كانت أَمَة عند أبا حذيفة بن المغيرة المحزومي وظل يوالي المخزومين ليكونوا له سندا وسط قريش.

في البدء كانت أخبار الطيار لم تتضح بعد، الى أن تناقلت وسائل الاعلام خبر ترجيح مقتله، حينها انطلقت تعليقات تصف الطيار المغربي الذي قُتل في حادث اسقاط طائرته الحربية الإف 16 بالبطل، والشهيد في سبيل الله، والشهيد الذي قضى دفاعا عن الحرمين الشريفين…فيما استعاد فقيه النوازل الشيخ عبد الباري الزمزامي أجواء معركة صفين تعليقا له على حدث مقتل الطيار المغربي قائلاً “إن الطيار المغربي في حالة لو ثبت خبر مقتله في حادثة إسقاط الطائرة، يعتبر شهيدا في سبيل الله بدون نقاش أو جدال، باعتبار أنه كان يقاتل الخوارج، المقتول في الحرب العسكرية ضد الخوارج، وهي فئة باغية طاغية، يعتبر من الشهداء في سبيل الله، كأنه كان يقاتل اليهود والصهاينة”..إنها نفس العقلية التبريرية تتكرر، من صفيين إلى عاصفة الحزم..

بينما في اليمن، ومن يعارض التدخل السعودي في البلد، اعتبر مقتل الطيار جزاءً من الله للمعتدين، الذين يرمون الشعب اليمني الأعزل بالقنابل والدمار، وكذلك اعتبره بعض الشيعة المغاربة تعليقا على الحادث… وهو ما يؤشر على أن هذه الحرب، حرب مذهبية يتم تسويغها بمبررات دينية وتخفي في طياتها مصالح سياسية مرتبطة بالسيطرة على المنطقة.

مقتل الطيار المغربي هو حادث مأساوي لا يمكن للواحد أن يصنع منه موضوعاً للتشفي، لكن هذا لا يعني الركون الى رفع أكف الضراعة إلى الله والبكاء على القتيل. إنها الحرب؛ المشارك فيها لا ينتظر أن يرموه بالورود، ولا هو يشارك فيها برمي الحلوى والورود على الناس، إنها الحرب ترمي الناس بحمم النار وتنتظر دورك، فلحظة الاعلان عن المشاركة في الحرب هي اللحظة التي تحكم بها على نفسك انك مشروع قاتل وقتيل، ولوقف النزيف لا بد من مساءلة هذه الحرب، أليست هي حرباً مذهبية مقيتة، أشعلتها الوهابية التي تدير معاركها في مواجهة ما تسمّيه بالمدّ الصفوي؟ أليست هذه الحرب إعادة كاريكاتورية لحروب صفين و موقعة الجمل؟ ألم تحمل قصاصات وسائل الاعلام أن السعودية لم تكن تهمّها الشرعية المتباكى عليها ولا غيرها، بقدر ما كان يهمها التدخل السافر في اليمن وانتهاك سيادته لبسط السيطرة عليه؟ ألم يكشف الديبلوماسي الأممي المغربي جمال بنعمر أنه كان قاب قوسين أو أدنى من أن يتم التوصل الى اتفاق بين الحوثيين وعبد ربه، حتى تفاجأ بعد ساعات ببداية القصف السعودية لليمن وبداية ما سُمّي بعاصفة الحزم، وتم الاجهاز على كل شيء؟ ثم أي مصلحة للشعب المغربي في أن يدخل جيش بلده، طرفاً باسمه، حرباً مذهبية في شبه الجزيرة العربية؟

صحيح لا يمكن لنا إلاّ أن نأسف ونعبر عن غضبنا لمقتل هذا الطيار المغربي الشاب، ولا يمكن لنا إلا أن نتمنى لذويه الصبر، لكن في المقابل لا يمكن أن نكون منافقين، وننسى أو نتناسى دماء المئات من اليمنيين الذين أزهقت الطائرات المغربية المقاتلة الى جانب طائرات تحالف الحزم أرواحهم، الأساس يجب ايقاف هذه الحرب اليوم قبل الغد، هي حرب لا نجني من ورائها إلا الريح، هي حرب تغذّي شره بدو الخليج الذين ما زالوا يدينون بالولاء لقيم الثأر والمطالبة بدم عثمان…

لنا أن نصرخ بأصواتنا: كفى، هذه الحرب ليست لنا، كفى ، لا تقتلوا ولا تقاتلوا باسمنا…

ويبقى الغريب والعجيب هو أن ينبري بعض “قزيبات الحداثة” في الاعلام والتحليل والسياسة…للدفاع عن هذه الحرب القذرة التي تنتمي الى ثقافة القرون الوسطى، ثقافة الاقتتال المذهبي والطائفي، في حين يُفترض أن يكون مطلب أي انسان، يكفي أن يكون انساناً، عليه أن يطالب بوقف الحرب فوراً، لا تبريرها بتبريرات فجّة تجعل الحداثي جنبا الى جنب مع الفيزازي والزمزامي واخرون ينعون الطيار المغربي ويحتسبونه شهيدا عند الله، ويعتبرون مشاركة المغرب في عاصفة الحزم دفاعاً عن المصالح العليا للبلد؟ مصالح عليا للمغرب في اليمن؟؟؟

الحق، إن كل هذا البؤس مردّه إلى أن قرار المشاركة في عاصفة الحزم لم تتخذه حكومة بنكيران ولا أحد الحيطان القصيرة التي يسهل القفز عليها، بل هو قرار اتخذته المؤسسة الملكية، ومادامت الوطنية لا تكتمل لدى “قزيبات الحداثة” الاّ بالتشبث ب”لي دارها الملك هي لي كاينة”، فإن هذه الحرب هي حرب مقدسة عندها لأن الملك هو من أشّر عليها كما قال بنكيران في منتدى الدوحة بقطر؟؟؟

ولو استرجعنا شيئاً من دهاء عمرو بن العاص تماشياً مع تبريراتكم الفجّة، لقلنا أن هؤلاء الذين يتباكون على مقتل الطيّار المغربي في اليمن، هم أنفسهم ساهموا في مقتله حينما راحوا يبررون هذه الحرب المذهبية باسم المصالح العليا للمغرب…

 

تعليق 1
  1. كلام فيه تخريج كبير لا يحتمله العقل المؤمن الواعي ، فما جرى هو معركة بين فريقين متنازعين على شئون ومسائل ومكاسب وإهداف جنيوية وسياسية بحنة و يقول

    كلام فيه تخريج كبير لا يحتمله العقل المؤمن الواعي ، فما جرى هو معركة بين فريقين متنازعين على شئون ومسائل ومكاسب وإهداف جنيوية وسياسية بحنة وليس لها أدنى علاقة بالدين والتديم ومن المعيب على مستوى الفكر والدين والسياسة نبش قبور أسلافنا المسلمين رضوان الله عليهم أجمعين وتحميلهم مسئولية ‘خطائنا وأوزارها ، ويكغيهم تحمل ما جرى على أيديهم في زمانهم .وعلينا تحمل نتائج أفعالنا التي تتم عن طريقنا وبأيديما ، وكلامنا غن الرسول أنه تنبأ بقتل علي على يد صحابي أخر ، وأن هذا الحابي القاتل كافر وخارح من الملة ، هو كلام يناقض صريح وصحيح الإيمان الذي لا يعلمخ الا الله ، وهو أيضاً افتراء على الدين والصحابة والرسول ، صلوات الله عليه ،. أفيقوا أيها الناس وبلا تحاولوا تحميل الله غي علاه مسئولية أخطائكم وخطاياكم وبعدكم الظاهر عن دين الله والرشول نفسه يفول (إنتم أعلم بأمور دنياكم !

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.