بين ” السيسي ” المنتخب و” السيسي” الإنقلابي.

لا أحد يمكنه أن يقتنع بأن اللهجة الجديدة التي تحدثت بها القناتان التلفزيتان المغربيتان إزاء مصر ورئيسها “السيسي”، كانت مجرد اجتهاد صحفي أو هفوة إعلامية. إذ من الواضح أن منطق التعليمات (كما جرت العادة)هو الذي يحرك تفاصيل الخطاب الجديد. لذلك فإن السؤال الذي يطرحه كل المهتمين والمراقبين، وتتضارب بشأنه الإجابات والتكهنات، يتعلق بدواعي وسياق الموقف المغربي المفاجئ من المشهد المصري، خصوصا وأن دعم المغرب للسيسي كان واضحا منذ أن أطاح قبل سنة ونصف بدولة الإخوان، ونصب دولة العسكر التي ألبسها الزي المدني عقب انتخابات رئاسية كانت شكلية ومحسومة النتائج سلفا. فلماذا تغير الموقف المغربي بهذا الشكل المفاجئ؟ وما الذي حول “السيسي” من رئيس منتخب إلى انقلابي؟.
خرجة الإعلام العمومي المغربي فتحت الباب أمام التأويلات، وذلك في ظل الصمت الرسمي الذي أضفى مزيدا من الضبابية والغموض على هذا التحول المفاجئ. لكن أقرب التبريرات المفسرة لهذا الموقف الجديد تتعلق بالتقارب المصري الجزائري الأخير، والذي يبدو أنه يتأسس على مقايضة اقتصادية – سياسية تستفيد بموجبها مصر من الغاز الجزائري بأثمنة تفضيلية، وقد يكون المقابل هو التعبير عن موقف سياسي لا يصب في مصلحة المغرب في ما يتعلق بقصية الصحراء. وإذا صحت هذه القراءة، فإن السلوك المغربي الجديد يعد عملية استباقية تحمل إنذارا للسلطات المصرية التي تعتبر المغرب حليفا سياسيا مهما إلى جانب الإمارات العربية المتحدة والسعودية في تسويق صورة تضفي الشرعية على النظام المصري. ولابد أن المصريين سينظرون إلى تراجع المغرب عن مواقفه المعتادة المؤيدة للسيسي بقلق، خصوصا وأنهم بذلوا جهدا كبيرا واستنجدوا بالوساطة السعودية للتخلص من الصداع القطري الذي أزعج النظام المصري كثيرا بسبب دعمه الواضح للإخوان. وفي هذا الإطار ذهب بعض الإعلاميين والمسؤولين المصريين إلى ربط هذا التغير في الموقف المغربي بزيارة الملك محمد السادس إلى تركيا، وكأنهم يخشون من تحالف تركي مغربي كبديل للتحالف التركي القطري الذي انفض بعد عودة حكام الإمارة الخليجية إلى جادة صواب الموقف الخليجي المشترك من المشهد المصري.
بعض المراقبين يسوقون لسبب آخر قد يكون له تأثير في بروز هذه النبرة الجديدة التي تحدث بها الإعلام المغربي عن مصر، ويتعلق بالأداء الإعلامي المصري الذي كثرت تطاولاته على المغرب والمغاربة في الشهور الأخيرة، لكن الأرجح أن هذا السبب لم يكن دافعا للتعبير عن مثل هذا الموقف، فقد حرص النظام المصري باستمرار على التأكيدبأن تلك التجاوزات الإعلامية سلوكات فردية منعزلة تخص أصحابها، ولا تعبر عن وجهة النظر الرسمية للدولة.
وأيا كانت الدواعي المفسرة لهذا التحول في موقف المغرب الرسمي كما عبر عنه إعلامه العمومي،فإن من حق بلدنا أن يعبر عن وجهة نظره في القضايا الإقليمية باعتباره دولة ذات سيادة، ومن حقه أيضا أن يغير مواقفه تبعا لمصالحه، فأحكام اللعبة السياسية لا تعترف بأصدقاء دائمين ولا بأعداء دائمين. ما يهم في هذا الإطار هو أن تقطع الدولة المغربية مع سلوك المزاجية في اتخاذ المواقف والتعبير عنها. لذلك كان حريا بوزارتي الإعلام والخارجية أن توضحا حيثيات هذه اللهجة الجديدة، وذلك احتراما لحق المغاربة في الوصول إلى المعلومة. وبما أن المؤشر الوحيد الذي دل حتى الآن على تغير ما في موقف المغرب الرسمي من ” السيسي” جاءنا عبر نشرتين إخباريتين لقناتين تلفزيتين تستفيدان من المال العام، فإن الدولة مطالبة بتوضيح موقفها للمواطن المغربي قبل أي طرف آخر.أما تداعيات الموقف الجديد فليست على قدر كبير من الأهمية، لأن المغرب لا يمتلك ذراعا إعلاميا بحجم ” الجزيرة ” القطرية مثلا، ومن تم فإن تأثيره سيظل محدودا. ثم إن القنوات الديبلوماسية كفيلة بتوضيح وتقريب وجهات النظر بين صانعي القرار في البلدين. وقريبا ستعود المياه إلى مجاريها، عندما تحكم المصالح المشتركة مرة أخرى بتغيير المواقف من جديد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.