بول باسكون (8): بين النظام “القايدي” و النظام الفيودالي

محمد المساوي

في هذا المقال يسلط الباحث بول باسكون الضوء عما أسماه “النظام القايدي”، يحاول دراسة هذا النظام وتبيان خصوصيته، وينبه بذكاء أن ثمة تمايز بين النظام الاقطاعي او الفيودالي الذي كان سائدا في أوربا، وبين النظام القايدي الذي ساد في المغرب خصوصا مناطق الوسط والجنوب، ثمة كتابات اعتبرت القايدية هي هي الاقطاعية، بيد أن بول باسكون يرفض هذا التماهي، ويصوب على التمايزات التي توجد بين هذا النظام وذاك.

في هذا المقال المطول يدرس بول باسكون حالتي كل من القايد الكلاوي والقايد الكوندافي وهما حالتين مشهورتين في منطقة الحوز التي كانت موضوع بحث باسكون. سننشر في حلقة اليوم الجزء الأول من المقال الذي هو بمثابة توطئة وتقديم لهذا الموضوع.

نُشر المقال في المجلة المغربية للاقتصاد والاجتماع تصدرها جمعية الدراسات الاقتصادية والاجتماعية والإحصائية، تحت إشراف المعهد الجامعي للبحث العلمي، العدد الخامس والسادس/1981. وأعاد نشره الموقع الالكتروني المناضل-ة.

الجزء الأول

لقد تعمدنا وضع اصطلاحي القايدية Caïdalité والنظام القايدي Caïdalisme على وزن إقطاعية والنظام الإقطاعي أو على الأصح فيودالية والنظام الفيودالي. والتفسيرات حول هذين الصطلحين كانت موضوعا بالغ الأهمية لدى مؤرخي القرن التاسع عشر ومؤرخي الحماية. غير أنه لم تكتب بعد أطروحات بهذا الشأن، وسرعان ما يطفو الخلاف من جديد غالبا عند تناول هذا الموضع في الأحاديث والمحاضرات والخطب، أو في مقالات قصيرة جدالية. ويبدو أن روبير مونتاني Robert Montagne هو الوحيد الذي حاول أن يواجه المشكل بعد دوتي Doutte -وينبهنا كلود كاهان Claude Cahen إلى ضرورة عدم الخلط على الخصوص بين الفيودالية الأوربية وبين النظام الغالب طيلة العصور الوسطى العربية . ولكن المقصود هو منطقة الشرق.

لقد حذرنا هؤلاء المفكرون الثلاثة الكبار. وجل الذين ما زالوا يتناولون الموضع يتوخون كل الحذر ملمحين تلميحات مجدية تؤكد من جديد أنه يجب عدم الخلط بين الأشياء المختلفة أصلا! .

وفي موازاة هذا الحذر الشديد نجد أن المصطلحات المعتادة والقاموس السياسي لا يعرفان للدلالة على علاقات الإنتاج والعلاقات المجتمعية الناجمة عنها تحت ظل نظام القياد، سوى المشتقات عن فيودالي بالفرنسية وإقطاع بالعربية.

يجب أن نلاحظ بادئ ذي بدء فشل المعاجلة العلمية التي آثرت في اللغة العادية تفرد النموذج المغربي، ثم نتساءل لماذا ألح دائما على التشابهات مع الفيودالية الأوربية، لنسلم أخيرا بأن المؤسسة جديرة بأن تدرس لذاتها، وبالتالي أن يدلل عليها بكلمة معبرة نستطيع بها أن نتعرف على وضعيتنا، وأن نقارنها، إذا بدا لنا ذلك ضروريا، مع ما يمكن مقارنته بها دون أي تحفظ خاطئ أو معقد.

ولم يتردد سوسيولوجيا أو مؤرخو المغرب بشأن دراسة القبيلة والزاوية والمخزن مستعملين الكلمات الموجودة، دون خشية الوقوع في التصنيف ارتكازا على تلك التسميات. وبديهي أن تلك المؤسسات كانت جد فريدة وخاصة في نوعها مما لا يدع أي مجال للتقريب بينها وبين الأشكال الأوربية. ألم يكن من اللازم أن تكون تلك الأشكال المجتمعية التي أنشئت حول القايدية جد مألوفة حتى نحترس من التماثل وأن لا نعاجلها سوى بالسلب؟ أو أن الإداريين الذين لم يكونوا ليخلطوا الزاوية بالدير كانوا مقتنعين كل الاقتناع بتطابق القايد مع السيد وأن الشيء الملح هو إقناعهم بعكس ذلك؟ .

إن الموقف الغامض للحماية تجاه «سياسة القياد الكبار» قد يفسر لنا جزئيا ميل الإدارة بكل مستوياتها وكذلك قسم السوسيولوجيا في إدارة الشؤون السياسية إلى افتراض التماثل بلا تبصر وروية بين قايدي وفيودالي. والمسألة المعقدة التي أقلقت بعض المهتمين هي الدعم الذي قدمه بعض رجال الإدارة الفرنسية لكبار القياد في الأطلس . وكان من اللازم محو العمل بالنسبة للتشابهات البديهية التي لم تفتر عن فرض ذاتها: أكيد أن الدعم كان تكتيكيا ولكن على أية حال كان دعما من طرف «الجمهورية لصالح الفيودالية» . إذن كان لا بد من الإلحاح على أوجه الاختلاف. وقد كان أحدها مُسلّم به ضمنا وحتى نقتصد في تقديم البراهين: درجة «همجية» المجتمع المغربي . ومع ذلك فالنزاهة العلمية لروبير مونتاني R.Montagne جعلته لا يجزم في حكمه ويشجعنا على البحث عن المقارنات في ربوع فرنسا (طبعا) وايرلندا، وأيكوسيا وألمانيا وكورسيكا وسردينيا وألبانيا .

لنتفق هنا مؤقتا على أن في الجنس توجد أنواع كثيرة أدت تاريخيا وجغرافيا إلى تثبيت أشكال متمايزة دون أن يستحق أي شكل منها أن يكون مرجعا. إن أسبقية الوصف الذي احتفظ لبعض الأنماط بتحديد خاص، ليجعلنا هنا لا نتكلم عن الفيودالية في معناها الحرفي: بل سندرس النظام القايدي Caïdalisme في الحوز كشكل خصوصي لعلاقات الإنتاج والمؤسسات التي سادت بشكل أوضح في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

إن مشكل نشأة النظام القايدي يتجاوز الاختلافات في التصنيف. وثلاث اتجاهات لم تنجرف كلها نحو نزاعات المدارس السوسيو تاريخية نظرا لعدم توفرها على مدافعين عنها، ولكنها تغذي مجالات حامية أكثر منها بحثية، وتنافس تلك المدارس في تفسير مصير النظام القايدي في الفترة المعاصرة. أو وجهة نظر في هذا الموضوع هي التي حللها روبير مونتاني بإفاضة «الأمغاريون يكبرون بعيدا عن المخزن ثم يطمح الأمغار في أن يصبح رئيسا مخزنيا بشرط الاعتراف بوضعيته» .

ففي المناطق الخالية التي تتخلى عنها السلطة المركزية تتشكل السلطة الشخصية التي ينتهي بها الأمر إلى الانضواء تحت وصاية «تاقبليت» أي القبيلة وتحت التولية المخزنية. وإنه لمن طبيعة القبائل المستقلة أن تقيم فترة الرؤساء ثم تحطمهم: وهذا تأرجح خلدوني صرف بين الاستبداد والفوضى، من ازدهار «البيوتات» إلى انهيارها.

وجهة نظر ثانية بعكس ذلك تعتبر أنه حين يقترب المخزن ويشرع في وضع ثقله على القبيلة، إذ ذاك يبرز نظام الرؤساء حيث يكون هناك ممثلين اوليغارشين بالتأكيد ولكن ديموقراطيين. فالتخوف من مصادرة الأموال والخوف من قمع السلطة المركزية للقبيلة تجعلهم يعلنون حالة الاستنفار ويوقفون مداولات المجالس ويعينون رئيسا حربيا لصد جيوش المخزن. وحين يكسب «الأمغار» الحرب وينتصر غالبا يستطيع إذ ذاك أن يدعم سلطته بسهولة وأن يستجيب لطموحاته كمؤسس لسلالة حاكمة. والمجتمعات اللاتينية والملحمة النابوليانية تمدنا بأمثلة عظيمة عن أزمنة وأمكنة أخرى. وحين ينهزم الأمغار يصبح قايدا، وسيطا بين السلطة والقبيلة، إذ من الأفضل أن «يلتهم» الفرد من طرف أهله من أن «يلتهمه» غريب. وهذا الموقف القوى أي الذي يجعل المخزن العربي مسؤولا عن إقامة الفيودالية في القبيلة البربرية الجمهورية هو موقف أوجين كيرني Guernier الذي يتغنى بالنظام البربري والذي يعبر عن إجماع واسع لدى الإداريين الاستعماريين بهذا الخصوص.

هناك اتجاه ثالث نشأ داخل الحركة الوطنية ينزع إلى اعتناق فكرة أن ظهور القياد الكبار في قبائل الجنوب، كان بدرجة أولى صنيعة السياسة الاستعمارية وأنه قبل الاحتلال لم يكن لهذه الظاهرة المجتمعية أي ثبات أو شمولية مثلما عرفته في في بداية الحماية. وبتعبير آخر أن النظام القايدي هو تلقيح لقح به الاستعمار المجتمع المغربي، وإقحام لنموذج أوربي، مأقلم مع المغرب كما هو الشأن بالنسبة للشعارات العصرية الراهنة للنظام الملكي: تاج، شعار، لقب، والرسوم الملكية على قطع النقود وفي البنايات العمومية، علم، بروتوكول الخ، والتي هي جد مخالفة لتقاليد المخزن القديم.

إن الاتجاهات الثلاثة هذه والتي تبدو متعارضة كل التعارض، نعتقد نحن أنها معالجات متقاربة ويمكن الجمع بينها في نفس الظاهرة كما سيتبين لنا ذلك انطلاقا من الملاحظات والوقائع التفصيلية التي سنقدمها في هذا الفصل. ويبدو لنا أنه مما لا جدال فيه أن النظام القائدي يجب أن يميز عن النظام المخزني في معناه الدقيق، حيث تضع السلطة المركزية على رأس الجماعات المسيطر عليها والتي لم يتبق لديها من القبيلة سوى الاسم، خداما ينتمون كلية للسلطة المركزية (وصيف، قايد، خديم، عامل…).

فالنظام القايدي لا يمكن أن يوجد إلا في حضن قبيلة مستقلة نسبيا تعين بنفسها رؤساءها وتختار ممثلا عنها من أسرة قوية ليستلم قيادتها. فنحن هنا نتفق مع الذين (مثل روبير مونتنى)، يجعلون من استقلال القبيلة شرطا ضروريا لظهور الأمغار، الذي سيصبح قايدا. لكن مع تحفظنا في أننا لا نعرف في المغرب حالات كانت فيها القبيلة مسيطرة ومنتصرة أي تكون النموذج الطلائعي للمجتمع، وبتعبير آخر، بما أننا لا نستطيع أن نثير هنا إمكانية وضعية قديمة مخالفة، فإن القبيلة بالنسبة لنا هي دائما شكل هامشي ومسيطر عليه، على الأقل ماديا، بصفته نموذجا وذلك منذ بزوغ الدولة الإسلامية. كما أن ظهور الأمغار لا يمكن تقييمه خارج المجال الإيديولوجي الذي يقدم النموذج المخزني.

ذلك أن الاستقلال القبلي المزعوم إنما هو جد نسبي، هو وضعية جزئية عابرة، إنه شكل من الانتظار حيث تهيؤ القوى المتنافسة الغد: إنه تمفصل كلي –خضوع-؟ للسلطة المركزية. ونتفق أيضا مع الاختصاصين في النظام البربري على أن الاقتراب المادي للمخزن يزعزع تلك القوى ويسرع إيقاع عملية صعود الرئاسة chefferie. إنه في المناطق التي كان فيها المخزن على اتصال مع القبائل الشبه المستقلة، تم تعميم ظاهرة تقوية الرئاسة على شكل قايدية.

أما فيما يتعلق بالتأثير الاستعماري فيظهر أنه يحدث على مستويين: على مستوى الأحداث وفي العمق، وذلك بزيادة سرعة عملية السيطرة القبيلة بسبب ضعف المخزن حاليا، والسيطرة الاستعمارية، التي كانت في بداية تجارية ثم مصرفية وأخيرا عسكرية أجبرت السلطة المركزية على أن ألا تبدو للقبائل إلا في صورة ضريبية قاسية اضطهادية وليس كسلطة تنظيمية. وحتى القبائل التي لم تكن تعترض أبدا على الشرعية الدينية والاجتماعية ومكانة المخزن العالية قد فرض عليها بقوة أن تعطي مجموع الفائض الذي لديها من النقود والمؤونة والرجال في سبيل تصريف المياه وأداء الضريبة الاستعمارية، ومقاومة التدخلات المسلحة الأجنبية ومساعدة المخزن الذي أنهكته تلك التدخلات، على مجابهة الفوضى الناتجة عن هذا الضعف ذاته. نستطيع القول إذن أنه على مستوى العمق يعتبر الاستعمار مسؤولا عن تعميق وعنف عملية تأسيس النظام القايدي .

وعلى مستوى الشكل أيضا لا ريب أن الإدارة الاستعمارية قد زودت النظام القايدي بقانون أساسي وإطار قانوني لم يكن ليدركه بدونها سواء من الناحية التقنينية أو من ناحية دلالته ذاتها. إن العبقرية (أو الهوس) القانونية الفرنسية الفرنسية قد بلورت وأرست الناظم القايدي في مسطرات وأشكال قابلة للاندماج في الدواليب الإدارية للحماية، وبذلك أدت إلى تجميد ظاهرة كانت بركانية إذ ذاك وحركتها تلك كانت ثمرة الأحداث الأخيرة والصدفية، وساعدت الاتنوكرافيا الاستعمارية على تصنيفها في قوالب جاهزة لا يمك تغييرها.

غير أن تلك الكيانات التي أوجدت جزافا، وغالبا ما كانت بعيدة عن الواقع في مكان معين وزمان معين لم يحل دونها ذلك عن خلق كائنات اجتماعية وأشكال مجتمعية وتصلبات ما زالت إلى يومنا هذا تؤثر في التشكيل الاجتماعي في الحوز أو في غيره.

وتعقد التاريخ القايدي في حوز مراكش لا يتيح لنا أن نصل إلى أبعد من وصف أولي وذلك بأخذ بعض الأمثلة انطلاقا من وثائق أولية. وقد اخترنا أن نتتبع حالتين مشهورتين هما الكلاوي والكوندافي وذلك لأنه أولا يتعلق الأمر هنا «ببيتين» اختفيا الآن على الأقل في مراكش وثانيا لأنه لا يمكن الكلام عن الحوز دون التعرض للصعود الباهر لعشيرة الكلاوي وثالثا لأننا استطعنا الحصول على مجموع الوثائق العائلية عن الكوندافي مما يتيح لنا أن نضيف إلى المؤلفات المعروفة بعض الإيضاحات الجديدة فيما اعتقد. وقد كنا نود أن ندرس أيضا تطور عائلة العيادي التي استطعنا أن نجمع عنها عدة وثائق، غير أن هذه الأسرة ما زالت تتمتع بنفوذ قوي، ولا تسمح لنا الاعتبارات بالتعمق في دراستها، بالإضافة إلى أن هذه الأسرة هي موضوع لأطروحة دكتوراه في الولايات المتحدة مما جعلنا نتخلى عن هذه الدراسات حتى لا نكرر نفس العمل . وأخيرا استرعت أسرة متوكى اهتمامنا غير أنه بالاضافة إلى بعد مركز جاذبيتها بالنسبة للحوز، لم نتوصل بشأنها سوى إلى مجموعة من الأرشيفات المتفرقة بحيث ارتأينا أنها غير كافية في الوقت الراهن لتدعيم نقد موضوعي للوقائع التي سجلها موظفو الإدارة الاستعمارية .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.