بول باسكون (15): سمات المجتمع المركب وسيكولوجية انسان المجتمع المركب

محمد المساوي

في هذا الجزء الاخير حول طبيعة المجتمع المغربي، يوضح بول باسكون وجهة نظره، ويدافع عن مفهوم المجتمع المركب الذي اسبغه على تحديد طبيعة المجتمع المغربي، ويحاجج بول باسكون بكون “المجتمع المغربي الحالي هو، من الناحية السوسيولوجية، مجتمع قايدي مخزني، يمارس هيمنته على القبيلة الآخذة في الاندثار، وعلى الأبوية التي وجدت ملجأ لها في العائلة ووضعية المرأة. إلا أن هذه القايدية نفسها تعاني من سيطرة الرأسمالية العالمية في مجالي الإنتاج والمبادلة”.

تلك هي سمات المجتمع المركب، حيث تتداخل انماط الانتاج المختلفة في تشكيل هذه الطبيعة، ويتأرجح كل نمط في السيطرة على هذا المجال او ذاك، دون ان يتمكن من احراز سيطرة تامة على مجال مخصوص، ويورد هنا مثال امريكا الشمالية التي يمكن ان نلاحظ فيها بقايا انماط انتاج سابقة، خاصة لدى مجموعات الهنود الحمر، لكن ما يميز امريكا هو كون نمط الانتاج الرأسمالي له سيطرة مطلقة على المجتمع، وان باقي الاشكال التابعة لانماط انتاج سابقة تحولت الى ظواهر سالبة وثانوية، ولذلك فهي لا تنطبق عليها اوصاف المجتمع المركب.

ثم ينتقل بول باسكون للحديث عن انسان المجتمع المركب، وكيف تتعايش داخل شخصيته ما يمكن اعتبارها تناقضات، وهي من سمات سيكولوجية إنسان المجتمع المركب التي هي نتيجة تعالق انماط انتاج مختلفة داخل المجتمع الواحد. ويورد بول باسكون مثالين دالين للتدليل على طبيعة هذه السيكولوجية، يورد مثالا اولا يتعلق بشخص ينتمي الى البادية (الفلاح هنا)، ثم يردفه بمثال اخر عن شخص ينتمي الى المدينة، وفي سلوك كلا الشخصين تظهر علامات “سيكولوجية انسان المجتمع المركب”.

هذا المقال المهم تعود افكاره إلى محاضرة ألقاها بول باسكون بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط تحت إشراف “جمعية الأبحاث الثقافية” وأعاد صياغتها للنشر لتعميم الفائدة وتوسيع افاق النقاش حول موضوع تكوّن المجتمع المغربي.

المقال ترجمه أحمد حمايمو  ونُشر في مجلة المشروع العدد 4 حزيران/يونيو 1981

6-مجتمع مركب أم مجتمع انتقال؟

لكن لنعد إلى وصف المجتمع المغربي. نستطيع أن نقول منذ الآن على أنه مجتمع مركب، بمعنى أنه لا ينتمي لا إلى هذا الصنف ولا ذاك، بصفة أصيلة، وإنما تساهم مجموعة من النماذج الإنتاجية في تكوينه الاجتماعي. فما هي هذه النماذج الإنتاجية المتنافسة حاليا، في المغرب؟ لقد سبق أن عرضنا لها في الصفحات السابقة. الأبوي، القبلي الفيودالي، الرأسمالي. هناك الاشتراكي أيضا. إلا أن هذا الصنف من التشكيلات الاجتماعية غير موجود سوى على مستوى الأدلوجة والتنظيم السياسي. بمعنى أنه لا يتوفر لا على قواعد مادية ولا على منشآت منتجة بالمغرب. فكيف تنتظم هذه النماذج الإنتاجية الأربعة وما هي آفاق تطورها؟

ليس بوسعنا الإجابة على هذا السؤال بكيفية مبسطة جدا. لأن الأمر يتعلق بنوعية العوامل الاجتماعية المرعية والعلاقات القائمة بين المجتمع المغربي وغيره من المجتمعات في العالم. فإذا اعتبرنا المستوى التكنولوجي، مثلا، فسنجد على أن أفق المجتمع المصنع هو صاحب الهيمنة بدون منازع. فمما لا شك فيه أن المكننة والكهربة والآلية، كلها أشياء في تقدم لا يقبل المقاومة. ثم أن هذه المقدرة على المنافسة وهذا التقدم على المستويين العلمي والتكنولوجي قد أعطيا ويعطيان نتائجهما تدريجيا، طبعا، على صعيدي المكان والتنظيم المجتمعي: القانون الحديث، المدرسة، الديمقراطية، العلم، الخ… كما أنهما سيرجعان القهقرى بالخماسة والعرف والأمية والاستبداد والخرافات الخ.

غير أن هذا لا يمر دون ظهور مقاومات على بقية الأصعدة. فهناك عوامل اجتماعية أخرى لها نفس القدر من الاستقلال الذي يزودها بنوع من القدرة على المزاحمة ورفض النمط العصري. فالمؤسسات مثلا تقدس حكما إقطاعيا، وبالتالي فهي توزع السلطة لا على أساس التقانة وإنما انطلاقا من الوفاء وشبكة الزبناء وملكية الأرض. وعلى مستوى العائلة تلاحظ على أن النموذج الأبوي هو المسيطر مما يؤدي إلى خلق مقاومات نتيجة للعلاقات الاجتماعية السائدة ووضعية المرأة الخ…

وتأسيسا على هذا، فإذا شئنا وضع تعريف للمجتمع المغربي فسنكون مضطرين إلى صياغة كل ما تقدم. ومن جهتي سأقول على أن المجتمع المغربي الحالي هو، من الناحية السوسيولوجية، مجتمع قايدي مخزني، يمارس هيمنته على القبيلة الآخذة في الاندثار، وعلى الأبوية التي وجدت ملجأ لها في العائلة ووضعية المرأة. إلا أن هذه القايدية نفسها تعاني من سيطرة الرأسمالية العالمية في مجالي الإنتاج والمبادلة.

والسبب في ذلك أن الرأسمالية هنا مستوردة. إذ أن المغرب واقع في محيط الرأسمالية الدولية الكبرى التي توغلت، لمجموعة من الأسباب، لن أحللها هنا، في المجتمع المغربي، على كافة مستويات الواقع الاجتماعي، وعلى الخصوص على صعيد التكنولوجيا (بيع المعدات والتقانة) والعلاقات الاجتماعية السائدة داخل منغلقات قانونية ومؤسساتية معدودة (المدن الكبرى الساحلية).

ومع التسليم بأن كافة المجتمعات الفعلية والتاريخية مجتمعات مركبة، فهذا لا يمنع من كونها تنتمي إلى أنواع مختلفة، حسب توافقها النسبي مع النموذج-المثال.

ويمكننا في هذا المجال أن نميز المجتمعات ذات النموذج المسيطر، بحيث نستطيع القول مثلا، بأن المجتمع الشمال-أمريكي مجتمع رأسمالي، على اعتبار السيطرة المطلقة التي يمارسها النموذج الرأسمالي للإنتاج وباعتبار تحويله لحقائق مثل بقايا المجتمعات القبلية التي تعيش على الصيد في المناطق المخصصة للهنود الحمر ووقائع تابعة مثل الجماعات المتعاونة وتكافل الطوائف المرمونية وكذا مخلفات الميز الموروثة عن النظام الرقي القديم، إلى ظواهر سالبة وثانوية.

كما يمكننا أن نميز مجتمعات الانتقال مثل المجتمع الكوبي والصيني أو المجتمع الفرنسي في بداية القرن التاسع عشر، تلك المجتمعات الباحثة طواعية، عن تصفية الماضي والعلاقات الاجتماعية القديمة ونماذج الإنتاج السابقة، بغية تحقيق النموذج المثالي (اشتراكية الدولة، الاشتراكية الجماعية، الرأسمالية الليبرالية…) سواء توصلت إلى أهدافها أم لم تفعل.

وأخيرا نستطيع إطلاق اسم «المجتمعات المركبة» على بعض المجتمعات التابعة للعالم الثالث، كمجتمعنا، حيث يتميز نموذج الإنتاج السائد والمتوفر على قدر كبير من الديناميكية والقدرة على المزاحمة (الرأسمالية الدولية) بالافتقار لسلطة الدولة والاضطرار بالتالي إلى المكرور عبر مؤسسات نموذج للإنتاج وأجهزة مجتمع تابع هو المجتمع القايدي المخزني.

إن اصطلاح المجتمع المركب –المتعارض مع اصطلاحي المجتمع التابع والمنتقل- ذلك الذي وصفناه بكون سلطة الدولة والمؤسسات فيه غير موجودة في أيدي نموذج الإنتاج المسيطر فعلا، يجب أن يطلق على ما يبدو على حالة مؤقتة، وربما ثابتة، من التوازن المتأرجح، حيث التناقض بين نمو قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج من جهة وبين مستوى التنظيمات المؤسساتية والعلاقات الاجتماعية والقانونية من جهة ثانية، في نمو مطرد. وقد لا يشكل هذا الصنف من المجتمعات نسقا اقتصاديا ذا قوانين متميزة نظرا لعجزه عن القطيعة مع الماضي، من الناحية النظرية واضطراره الدائم إلى التعامل بل وتقوية هذا التعامل. والسبب في ذلك راجع إلى أن المجتمع المركب «يعمل» لفائدة نسق آخر يسلبه فائض القيمة وإلى إضاعة سلطة الدولة للوسائل الكفيلة بتحقيق الانسجام داخل المجتمع، أي للوسائل القمينة بتصفية المخلفات وتجاوزها.

لقد سبق لشارل بتهايم (CHARLES BETTLHEIM) أن سجل في كتابه «الانتقال نحو الاقتصاد الاشتراكي» ما يلي :

إن ما نسميه بـ«المخلفات» (كتعبير عن بقايا ماض لم يتوفر التاريخ على الوقت الكافي لمحوها) ليس «أجساما غريبة» عن البنيات التي تحتضنها، كما يدعى، بل نتاجا لتلك البنيات، في واقع الأمر، إذ أنها ليست أجنبية عن هذه الأخيرة. إنها بعبارة أخرى نتيجة لمجموع العلاقات المكونة للبنيات الدالة على مستوى النمو الذي بلغته قوى الإنتاج وللتفاوت في النمو الذي يطبع هذه القوى وكذلك لعلاقات الإنتاج المرتبطة بهذا التفاوت. وإذا كنا ننظر هذه «الأجسام الغريبة» وكأنها «مخلفات» فمرد ذلك إلى الخطأ في إدراك الارتباطات الداخلية للبنيات التي تنتجها، إدراكا عميقا».

ومن وجهة نظري فإن بتلهايم مخطئ عندما لم يفرق بين مجتمعات الانتقال والمجتمعات المركبة، إذ لم يقدم لنا سوى صنفين: المجتمع المعقد ذي النموذج المهيمن ومجتمع الانتقال. وأعتقد فيما يخصني على أنني قد برهنت على الطابع المميز والإجرائي لمفهوم المجتمع المركب.

وعلى ما يبدو فبإمكان مفهوم المجتمع المركب العمل على التقدم بالتصنيف الاجتماعي إلى الأمام، على النحو الذي تسمح به خطاطة أو نمط من التدرج في معرفة شيء ما، دونما قدرة على استنفاذ خصوبته. والمسألة كلها محصورة في اتخاذ إجراءات منهجية، لا ميكانيكية، تنطلق من بناء أنماط التماسك الباطني لمجتمعات متخيلة، تلك الأنماط التي تحقق لها الكثير أو القليل من الوجود الكامل، من خلال الماضي التاريخي لمجتمع بعينه. ومن شأن تحديد المستويات الحرجة للواقع الاجتماعي، داخل المجتمع التاريخي الحالي –أي تلك التي تعتبر منشأ الأزمات والمتضادات الرئيسية وعلاقات القوى السائدة- السماح بإبراز العلاقة الجدلية القائمة بين مكونات الواقع الاجتماعي-التاريخي.

والواقع أن هذه المكونات تكشف عن طبيعة اللعب بين تلك المتضادات على مستوى ثلاث أزواج رئيسية: المتضادات الشمولية القائمة بين تشكيلة اجتماعية وأخرى (مثال ذلك المجتمع الرأسمالي المصنع والمجتمع الفيودالي)، والمتضادات الخصوصية بين مستويين متماثلين لتشكيلتين اجتماعيتين مختلفتين (ومثال ذلك القانون القائم على العرف والقانون العصري، المحراث والجرار، العمل المأجور والمناصفة)، وأخيرا المتضادات الباطنية لمجتمع تاريخي فعلي بين مركبات مستوى معين (مركبات علاقات الإنتاج، مثلا) ومركبات مستوى معين آخر (مركبات العلاقات القانونية). ومن شأن موضعة هذه الأنواع المختلفة من العلاقات الجدلية –أفقيا بين مستويات مختلف التشكيلات الاجتماعية، كل منها على حدة، وعموديا بين مختلف مستويات التشكيلة الاجتماعية الواحدة، وشموليا بين التشكيلات الاجتماعية المتباينة –من شأن هذا التموضع إثراء النمط المقدم. ولا ريب في أن إحدى مخطورات هذا التحديد لأنواع العلاقات الديالكتيكية، تفقير الواقع الحي إلى حين. إذ أن مزاياه اليوم كامنة في تمكيننا من ترتيب أفضل وتصنيف أحسن واستقبال أمثل للمعطيات المونوغرافية.

وعلاوة على ذلك، فإن مفهوم المجتمع المركب يساعد، على صعيد الممارسة، على الكشف عن مدى فعاليات التقدم ومقاومات المحافظة، وباختصار على توضيح اتجاه الحركة العامة. كما يتيح تحقيق تلاؤم أمثل بين الإصلاحات المزمع تطبيقها وبين تعقيدات الواقع. وعلى هذا النحو ستتغير نظرتنا للمجتمع من مجرد ساعة محكمة التركيب أو صندوق قمامة للماضي إلى البوتقة التي تنفذ من خلالها إلى المستقبل.

7-إنسان المجتمع المركب:

إن مفهوم المجتمع المركب يفتح سبلا جديدة أمام الدراسة الاقتصادية للمجتمعات المعقدة التركيب وبالطبع أمام دراستها السوسيولوجية. طالما أن موضوع العلوم الاجتماعية لا يقبل الفصل، على افتراض الاختلاف بين هذه الأخيرة فيما يرجع لمناهجها. إلا أن فائدة المفهوم لا تقف عند هذا الحد، إذ يفتح المجال أيضا نحو اكتشاف سيكولوجية جديدة، هي سيكولوجية إنسان المجتمع المركب.

يعمل الناس الذين يعيشون في المجتمع المركب باستمرار على تكييف سلوكهم مع الواقع المعقد كي يتمكنوا من لعب أدوارهم داخله. فمن خلالهم تجد التناقضات التي يعج بها المجتمع حلها ويقع تجاوزها. كما أنهم لا ينقطعون عن تركيز إرادتهم ورغباتهم حول الخاصيات التي تبدو لهم سائدة، وهذا على مستويين مختلفين: المستوى الفردي والجماعي. إن الإنسان الذي غادر في الصباح بيته، حيث تمارس الزوجة عبادة الأجداد، متقلدا خنجره الفضي، كرمز للرجل الحر وللنبل والشرف التقليديين، وممتطيا دراجته النارية، كوسيلة للتنقل السريع، قصد ملاقاة موظف مأمور وقابل لأن يحصل له على قرض، بواسطة المعارف، بمناسبة الحملة الفلاحية وبفائدة محددة مسبقا، مقرون بضمانة تأخير الأداء، في حالة الكوارث التي وقع حساب احتمال وقوعها وفق قوانين الاحتمالات، ولكنها أيضا تلك الكوارث التي سيحاول إلقاء شرها بالتضرع للعلي القدير، وربما بفضل الاحتفال الجماعي (PROCESSION) متبوع بالتضحية بكبش، تقديما للقرابين… إن هذا الإنسان العادي، على العموم، والذي نجده مع اختلافات يسيرة، في كل أنحاء العالم ليس متناقضا. بل هو منطقي إلى أبعد الحدود، لانسجامه مع التعددية التي تطبع المجتمع وتجاوزه لتناقضاته عن طريق تكيفه المستمر مع جميع متطلبات الحياة الاجتماعية.

إن الإنابة عما في سلوكه من علاقات الأبوية أو القبلية أو الإقطاعية وعما فيه من دلالات على الصناعة والتوجه نحو المستقبل، عمل يؤدي في واقع الأمر إلى التعرف على طبيعة المجتمع الذي ينتمي إليه. وبالنسبة للحالة التي يوجد عليها بالضبط فإنه في ذلك الصباح لم يكن عابثا حينما حاول التلاؤم مع تعقيدات الواقع وإنما عمل على توزيع مراهاناته أحسن توزيع ممكن. ولن نفهم أي شيء لتصرفاته إذا ما اكتفينا بالقول بأن المجتمع الذي يمارس فيه هذه الأدوار يغلب عليه الطابع الرأسمالي أو الفيودالي أو التقليدي. كما أننا لن نتقدم أكثر إذا قلنا بأن هذا المجتمع هو المجتمع المغربي لسنة 1971، في إحدى نواحيه، لما تفقده هذه الخصوصية من كل فائدة إجرائية.

والواقع أن المسألة الأخيرة التي أريد فحصها متعلقة بوضعية الإنسان المغربي، أي بوضعية المجتمع المركب. كيف نعيش داخل هذا المجتمع؟ كيف نقوى على التكيف داخل عالم على درجة من التعقيد، بحيث يحتوي أربعة نماذج على الأقل من المجتمعات، إن لم نقل خمسة، بالنسبة للذين يضيفون لهذه الوضعية صعوبة زائدة هي انتماؤهم الاشتراكي أو مشيئتهم في أن يكونوا اشتراكيين.

هاكم الجواب إذن! إننا مرغمون جميعا على تحقيق توازن داخل شخصياتنا وعلى إحداث توافق بين كافة هذه المجتمعات المتنافسة وشتى مميزات هذا المجتمع الذي يتخذ له يوما آلاف الأشكال التي لكل منها منطقها ومرجعها وقاموسها وتقاليدها بل وأحيانا لسانها الخاص.

وإني لأدعوكم لتشاهدوا معي منظر فلاح ذاهب لمراجعة مكتب محلي للإدارة الفلاحية، لسحب ملفه الخاص بالحصول على قرض لبناء حظيرة، بعد ما تلقى نبأ الموافقة على طلب له بهذا الخصوص. لقد خرج من بيته مرتديا جلبابا أبيض ومتقلدا خنجرا (كمية) باديا جدا للعيان، مما يرمز للرجولة الحرة أو للارستقراطية الفلاحية القديمة. ثم ما لبث أن ركب دراجته النارية بعد ذكر اسم الله، طلبا للسلامة وشهادة على الورع الديني. وحيث أن دراجته لم تنطلق جيدا فإنه كان مجبرا على تنظيف نضاحة البنزين. وواضح أن هذا عمل تقني. ثم أنه قد وضع في جراب دراجته الدجاجة التي سيهديها للمسؤول الإداري مقابل تسليمه ملفه الشخصي. وها أنه قد وصل إلى مركز الاستثمار. إلا أن الجهل بأمور المكاتب والخوف من أن يكون معرضا للإنكار، حينما يقدم نفسه بإحداهما (مشكل الهوية والرشد الاجتماعيين في المجتمع القايدي) جعله يقصد أحد أبناء العم الذي يشتغل كميكانيكي بأحد المعامل (العلاقة العائلية). غير أن هذا الأخير شرح لصاحبنا كونه مجرد عامل، مما جعل الدخول إلى المكاتب بالنسبة له أمرا غير ميسور، وبالتالي مسألة التدخل لفائدته شيئا صعبا (توزيع العمل والأدوار من النوع الرأسمالي البيروقراطي). ومع ذلك فسيحاول الاعتماد في انجاز هذه المهمة على موظف صغير تعرف عليه مؤخرا بمناسبة الإصلاح الذي أجراه على سيارته دون أن يأخذ منه مقابل ذك العمل بعد. وقد وفق صاحبنا في نهاية المطاف للدول إلى مكتب مدير المركز عد توصيات معقدة، لا داعي لا من الناحية القانونية وأمكن الاستغناء عنه جزئيا أو الاستعاضة عنها بالانتظار طويلا أمام مكتب المدير. وكما كان منتظرا فقد قدم فلاحنا دجاجته لهذا الأخير. ودونا شك فإن معرفة ما إذا كانت دجاجته مقبولة أم لا مسألة ممتعة. لكن الأمتع من ذلك تحليل معنى هذه الهدية أو هذا الأجر أو هذه الرشوة بالنسبة للفلاح. ذلك أن التداخل الوثيق بين هذه المظاهر الثلاثة يجعل من سبر أغوار نفسانيته شرطا للإجابة على السؤال. وعلى كل، ومن وجهة نظر فلاحنا، فإن مكافأة هذا الموظف المرموق والمتواجد داخل مكتب يبدو بابه صعب الاقتحام لا تقع على الدولة وحدها وإنما على عاتقه كذلك. يدخل صاحبنا أثر ذلك في محادثات حول القرض نفسه، أي حول الوضعية المعقدة لكل من القرض والمساعدة. ذلك أنه سيأخذ قدرا ماليا يتم تسديده، اسميا، بفائدة (لا شك أنه اكتسب تجربة في القروض الربوية ذات فوائد أعلى بكثير مما يطلب منه اليوم. إلا أن الربا كان مسألة لا مشروعة في حين أن الدولة، في هذه الحالة هي التي تقرض بفائدة، قانونيا وبواسطة عقد مكتوب) ويحصل في نفس الوقت على مساعدة من الدولة، قصد بناء حظيرته، لها طابع الأعطية أو المساعدة أو الحظوة. إن القرض والفائدة والأعطية والحظوة، في هذه الحالة، أشياء مترابطة أشد ما يكون الارتباط بحيث يصعب علينا معرفة ما إذا كان الأمر متعلقا بالرأسمالية أم بالفيودالية أو حتى بالاشتراكية. وكيفما كان الأمر فليس هذا كل شيء. فمازال على فلاحنا تأمين نفسه ضد الحريق والاستماع إلى شروح حول احتمال تعرض حظيرته للصواعق أو للاشتعال نتيجة إهمال الرعاة واستحالة الاستفادة من القرض في حالة مثول هذه المخاطر. عليه إذن أن يفهم مبادئ حساب الاحتمالات والإحصائيات والبروسبكتيف، في وضعية تتصف بسيادة مناخ يطبعه الغرر، وفي وضعية ثقافية يظهر المستقبل من خلالها مستحيل التوقع ما دام الإنسان يشعر بنفسه أعزل أمام الطبيعة وبإزاء اضرابه من الناس الآخرين. وأخيرا فهو ملزم بالإمضاء. إلا أن مسألة الاسم غير بسيطة لأنه وإن كان معروفا باسمه واسم أبيه في القرية التي ينتمي إليها فإن هذا الاسم سرعان ما يفتقد معناه بمجرد الارتفاع إلى مستوى الجماعة أو مركز الاستثمارات، وآنذاك سيكون بحاجة إلى الشهود وحضور المقدم بل والشيخ، الشيء الذي لا يعمل على تسهيل المهمة. إلا أن الجانب المأساوي في المسألة يتمثل في الرجوع بصاحبنا الفلاح، بغتة، إلى العصور القبلية والإقطاعية بعد ما كان يخاطب قبل حين بلغة الإحصائيات وقوانين الأعداد الكبيرة والتعاضديات.

وكما ترون فهذا واحد من الأمثلة المبتذلة اليومية، نرى من خلاله مساهمة الفلاح الدائمة في مجتمع بالغ التعقيد يستعصي عليه فهمه كلية واتخاذ سلوك منطقي واحد إزاءه، في جميع الأعمال التي يأتي بها. ونظرا لذلك فإن المصالح الشخصية هي الوحدة الفريدة التي يحدد داخلها سلوك ومعنى تصرفاته. وإن التطور الخارق الذي عرفته الفردانية في بلادنا، حاليا، ليجد مصدر تفسير هاهنا، أي في هذا الواقع الاجتماعي المعقد.

وقد تقولون بأن هذا المثال بعيد عنكم ولا يعني سكان المدن وخصوصا منهم المثقفين. فإليكم مثالا آخر.

إنها محادثة تلفونية تجري داخل أحد المكاتب الإدارية بالرباط. يتلفن عون إداري إلى موظف آخر سبق أن تعرف عليه بإحدى الثانويات، أيام الدراسة. وكان موضوع المكالمة هو طلب توظيف أحد أبناء عمومته: يلح صاحبنا على مسألة القرابة، مذكرا مخاطبه أثناء الحديث، بنبرة ولغة خاصتين، بانتمائهما معا لنفس المنطقة وربما لذات القبيلة. كما لم يغفل عن إحياء ذكرى أحد رفاق الثانوية الذي توفق في حياته الإدارية، كما يقال، والحالة أنه على اتصال مستمر به. ثم يشير بعد ذلك إلى أن الشخص الذي يقترحه للعمل إنسان يتحمل تكاليف عائلية كبيرة ويعيل ولدين وثلاث بنات. ولم يفته التلميح إلى أن هذه الخدمة سترد بمثلها: إذا قدمت اليوم لي هذه الخدمة فستحتاجني أنت غدا. إلا أن هذا لم يحل دون الحديث عن مستوى الديبلوم الذي حصل عليه ابن العم، وهو شهادة غير عالية جدا، حسب الجواب، الشيء الذي عقّب عليه المخاطب بكونه يشك في وفرة وظائف شاغرة مناسبة لهذا المستوى، وإن كان سيبذل الجهد المطلوب لكي يرضي رغبة صديقه. وأخيرا وأثناء تبادل التحيات الأخيرة، بالعربية، وهي نفس اللغة التي تم استعمالها عند مبادلة الكلمات الأولى، دعا صاحبنا مخاطبه لتناول طعام العشاء. لقد أصبح هذا المشهد وإضرابه عاديا ومبتذلا إلى الحد الذي لم يعد يهتم به أحد، حتى البرامج التلفزيونية نفسها. إلا أننا لو أولينا العناية الكافية لفحص كافة دلالاته لاكتشفنا كل ذلك الغموض الراجع إلى تعقد المجتمع ومختلف أنظمته القيمية التي تتعايش وتتصارع وتتبارى داخل مجتمعنا.

عم يعبر سلوك موظفنا وهو على خط التلفون، عن الرياء أم عن الانتهازية؟ لقد لاحظناه ملتجئا إلى مجموعة من الحجج المتعاقبة، وكأنها من باب تحصيل الحاصل، لكي يتلاعب بها، عن غير وعي. وواضح أنه إذا كان من المؤكد أن لكل مجتمع معاييره وقيمه وأخلاقه. فإن إنسان المجتمع المركب يلعب على جميع النوطات وكافة النبرات. إنه يتابع أهدافه الشخصية والفردية بل والجماعية أحيانا، دون فحص ما إذا كان هذا الإجراء أو ذاك السلوك يعملان على تقوية أم هدم أخلاق ما أو منظومة من القيم بعينها. وبعبارة أخرى فإنه يستهزئ في الواقع بقيمة كل الأنساق الاجتماعية، على الرغم من افتخاره، من جهة ثانية، بكونه عصريا أو محترما للتقاليد أو «فعالا» أو اشتراكيا. إن هذه العقائد لا تستتبع، بالنسبة للكثيرين تغييرا في السلوك، في حين أن الكينونة داخل المجتمع تعني قبل كل شيء اختيار التصرف على طريقة ما. إلا أنه عندما نعيش في مجتمع مركب، يتكون لدينا ميل شخصي نحو اكتساب سلوك وأخلاق مركبة.

على أن تغيير المجتمع واختيار نمط للحياة جديد بهدف إقامة مجتمع حديث يتطلب حياة أخلاقية جديدة ويستوجب سلوكا وأخلاقا منسجمة في مجتمع يصبو للانسجام. وهذا ما يطرح إشكالية القطيعة.

ومشكل القطيعة هذا ليس جديدا. لقد اطلعت مؤخرا على فهرست ابن عجيبة وهو عالم صوفي من أصل تطواني، توفي حوالي 1810. استنكر ابن عجيبة، على طريقته الخاصة، تصرفات معاصريه، مرشدا إياهم للطريق المؤدية نحو التوحيد الكامل للشخصية (التوحيد الخاص) في اتجاه شعبي، بواسطة القطيعة مع العادات (بخرق العوائد). وإنني لعاجز عن العثور على أحسن خلاصة لصعوبة الوجود في هذا المجتمع المركب غير الصيغة المشهورة: كن حازما فستتقدم! إلا أن هذه أخلاق المجتمع الانتقالي، السائر على نهج تصفية الإنسان القديم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.