بول باسكون صديق الفلاحين الذي أكله الذئب في صحراء موريطانيا (الحلقة 1)

محمد المساوي

بعد مرور 31 سنة، ما زالت الوفاة الغامضة للباحث والسوسيولوجي بول باسكون يوم 22 أبريل 1985 تثير الاسئلة وتستدرّ علامات الاستفهام؟ فمن هو بول باسكون، وما قيمته العلمية والاكاديمية، ولماذا تُوصف وفاته بالغامضة؟

لمحاولة الاقتراب من هاذين السؤالين سنعيد في”أنوال بريس” طيلة شهر رمضان نشر بعض حوارات باسكون، وبعض محاضراته وبعض ما كُتب عنه، سيكون عملنا تركيبيا يهتم بجمع المادة المتوفرة حول أبحاثه وشخصه، وهي مادة متناثرة هنا وهناك، ربما يبقى العدد 3 من مجلة بيت الحكمة اكتوبر 1986 اهم مرجع حاول ان يلملم صورة البحث العلمي الجاد الذي سلكه الفقيد، بالإضافة الى الحوار المهم الذي أجرته معه زكية داوود لحساب مجلة لاماليف سنة 1978 وترجمه الراحل مصطفى المسناوي، وفي هذا الحوار المطول يسلط الضوء على مشروعه البحثي والمسوغات التي جعلته يقدم عليه بشغف وحيوية واجتهاد قل نظيره، كما سنعيد نشر مقالات اخرى له نُشرت في مجلات مغربية مختلفة مثل “المشروع” و” المجلة المغربية للاقتصاد والاجتماع” ، وقد احصى أحد المهتمين ما يربو عن 150 مقالا كتبه باسكون، بالإضافة الى الكتب الجماعية التي شارك فيها، واطروحته للدكتوراه حول حوز مراكش.

لقد جاب باسكون ببحثه قرى المغرب المنسي من ايليغ وايت اوداريم بسوس الى ايت بوفراح بالريف مرورا بقرى الحوز وتساوت وسكساوة بالأطلس، لقد كان الفقيد يشنّع على المثقفين ادعاءهم الحديث عن مجتمعهم وهم لم يبرحوا يوما عتبة مكاتبهم المكيفة والمؤسسات الجامعية، في حين اختار هو أن ينغمس في طمي الحياة، وينزل الى قاع المجتمع ليتحسس نبض الوجود، وأنين البؤس الذي يندّ من وجوه الفلاحين الذين التقاهم.

الموت الغامض: أكله الذئب في الصحراء وهل في الصحراء ذئاب

ليلة 22 أبريل 1985 سيترجل باسكون من الحياة وهو في عمر 53 سنة في أوج العطاء والنضج، كان بالكاد قد أنهى كتاب “فلاحون بلا أرض” بالاشتراك مع محمد الناجي. رحل باسكون في حادث أقل ما يُقال انه غامض ويطرح أكثر من علامة استفهام، كان رفقة تلميذه وصديقه أحمد عارف الشاب المغربي ذو 28 ربيعاً، رحل الاثنان جراء حادثة سير في  صحراء موريطانيا على بعد 120 كلم من العاصمة نواكشوط؟ كانا قد قصدا المكان في اطار مشروع بحث بدعم مشترك من منظمة “الفاو” ومعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة بالرباط، هناك كانت نهايتهما المأساوية، قيل أنهما قُتلا في حادثة سير في الصحراء، ولكم ان تتصوروا حادثة سير مميتة في الصحراء؟ بعض الروايات تقول ان سيارة الدفع الرباعي التي كانت تقلهم قد اصطدمت بكثبان رملية، ورواية اخرى تقول ان الاصطدام حدث مع جمل كان جاثما وسط الطريق ولم ينتبه إليه السائق، في كل الأحوال، الامر الذي تيقن منه الجميع أن باسكون توفيّ مباشرة بعد الحادث بينما ظل صديقه لأزيد من 10 ساعات وهو يقاوم  في الصحراء الى ان توفي باحدى المستشفيات في نواكشوط.

انها الحقيقة الماثلة امام الجميع؛ لقد رحل باسكون، ذاب توهجه وسط الرمال الحارقة، هو الذي سبق له أن فقد ابنيه الوحدين  (جيل ونادين) سنة 1976 في رمال الصحراء نفسها، لقد اختطفا ابنيه وهما طفلين ولم يظهر لهما اثر إلا بعد 9 سنوات من اختفائهما، وقيل انهما تعرض للقتل على يد عصابة مجهولة، وهناك من قال ان عناصر من جبهة البوليزاريو من قتلتهما، المهم كانت الصحراء قدر باسكون وقبره، وحدها من تملك اسرار مأساته.

باسكون الذي عاش مسكونا بحرقة الأسئلة على حد تعبير اللعبي، ترك وراءه ارثا اكاديميا ضخماً، لكنه للأسف ضاع منه الكثير، والكثير منه على طريق الضياع، والأكثر منه حوصر بين رفوف مكتبات المعاهد والمؤسسات التي اشتغل معها.

يُتم البادية المغربية بعد رحيل باسكون

لقد اصبحت البادية المغربية يتيمة بعد رحيل باسكون، ما عادت هناك ابحاث حولها بعمقه وإصراره، كان الراحل أحد اعلام علم الاجتماع القروي، وتكلف بدراسة هذه المادة الحيوية بمعهد الزراعة والبيطرة، وأعطاها من نفسه الكثير، خاصة ان هو ايضا تربى في وسط قروي نواحي فاس من أبوين فرنسين، مما اورثه شغفا وحبا للقرية، فجعله ينغمس في تفكيك بنياتها واخضاع مجمل انشطتها للدراسة والتمحيص.

إن جريرة باسكون هي انه وضع يده في عش الدبابير، تجرأ على دراسة البنيات الاجتماعية التقليدية في البادية المغربية، في وقت كان ثقل القرية المغربية يشكل ازيد من 80 في المائة من ساكنة المغرب حينئذ، وكان سكان البوادي من فلاحين فقراء ومعدمين وخماسين يساقون من طرف الاعيان كما تساق الانعام، وكان النظام الملكي يعتبر القرية المغربية قاعدته الخلفية في مواجهة البورجوازية المتوسطة الصاعدة في المدن والحواضر، والتي شكّلت تعبيرات سياسية حاولت ان تنازع الملك في سلطته، لقد كان الفلاح المغربي مدافعا قويا على العرش الملكي كما كتب يوما ريمي لوفو، وباسكون حاول ان ينزل الى هذا الفلاح ليفهم منه وليُفهمه، وهو الذي كان يصرّ على أن المعرفة لا بد لكي تكون كذلك منم أن تنتج التغيير، اذ لا معرفة تحرّض على السكون وتأبيد الوضع، واستطاع باجتهاده وحنكته واصراره ان ينحت عميقا في هذا الموضوع ويحقق تراكما معرفيا كاد ان يوصله الى تقديم اطروحة كاملة متكاملة حول بنية النظام الاجتماعي في المغرب. وكما هو معروف فالتحديد العلمي لطبيعة نمط الانتاج في بلد ما، يعني من بين ما يعنيه ان النقطة رقم 1 في جدول أعمال الثورة قد أُنجزت. (ولنتذكر اعدام معهد السوسيولوجيا بداية السبعينات من طرف النظام المغربي).

ولادته من أبوين فرنسيين وحمله للجنسية المغربية

ولد بول باسكون يوم 13 أبريل 1932، واختار له القدر ان يرحل في نفس الشهر الذي ولد فيه، انه الشهر الذي تتزين فيه الأرض، وتخرج بكامل زينتها لتعلن الانتقال من فصل الشتاء الى فصل الصيف، فصل الجني وجمع المحصول.

ولد باسكون في منطقة تقع بين “الضويات” و”وادي النجا”، في سهل سايس، وهي المنطقة التي تحولت إلى ضيعة مَلَكية بعد الاستقلال ..لأبوين فرنسيين، كان أباه مهندسا فرنسيا عاملا بالأشغال العمومية، معاد لنظام فيشي شأنه في ذلك شأن زوجته، غداة الحرب العالمية الثانية فُرِضت الإقامة الجبرية على والدَيه بسبب مناهضتهما نظام فيشي الموالي للنازية، حيث حوصر والده في بوذنيب (في الجنوب الشرقي للمغرب).. أما والدته فقد فرِضت عليها الإقامة الإجبارية في ميدلت، فاضطرّ بول إلى المكوث في إحدى داخليات فاس لوحده طيلة فترة الحرب حتى الإنزال الأمريكيّ على شواطئ إفريقيا الشمالية سنة 1942 .

كشف التلميذ باسكون عن نباهة مبكرة، أهلته للحصول على شهادة الباكالوريا في العلوم التجربية، ليحصل بعد ذلك على الاجازة في العلوم الطبيعية سنة 1956، وبعدها بسنتين سيحصل على الاجازة في علم الاجتماع، هذا الجمع في التكوين بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية أهلته ليشق طريقه في نحت مناهج علم الاجتماع القروي بالمغرب، وخاصة وانه انخرط في البحث الميداني منذ بدايات تكوينه الاولى سواء في شعبة العلوم الطبيعية او علم الاجتماع.

وأنجز باسكون على امتداد سنتي 1955 و 1956 عددا من الأبحاث لفائدة بول تريانتون بمعهد العلوم الاجتماعية و الشغل، ليختار بعدها الإقامة الدائمة بالمغرب بدءا من سنة 1957، لينخرط مع عدد من الباحثين من تخصصات متنوعة لانجاز عدة ابحاث بدأها سنة 1954 ببحث حول هجرة امازيغ سوس “ايت أوادريم” الى مدينة جرادة. بيد أن المشروع العلمي لباسكون سيبرز بداية الستينات حينما عُيّن منسقا للدراسات العامة حول تهيئة الحوز الكبير بمراكش، توج ذلك بحصوله على الجنسية المغربية سنة 1964 وعُيّن  سنة 1966مديرا للمكتب الجهوي لحوز مراكش.

وهذه لائحة بعض أعماله وفترات من مسيره العلمي والحياتي كما نشرته مجلة “بيت الحكمة”:

1932: -الميلاد بـ فاس، من والدين فرنسيين

1954: -نشر أول دراسة، وكانت عن «هجرة شلوح سوس (أيت وادريم) إلى جرادة».

1956: -مكلف بالتنسيق بين الدراسات التحضيرية لأول تصميم خماسي مغربي، بمصلحة التخطيط.

-تأسيس «الفريق المتداخل الاختصاصات للبحث في العلوم الإنسانية» ERISH

1961: -الالتحاق بالمكتب الوطني للريّ.

1964: -الحصول على الجنسية المغربية.

-التعيين على رأس مكتب الحوز.

1969: -«ما يقوله 296 شابا قرويا»، تحقيق لصالح «اليونسيف»، 144 صفحة (مترجم إلى العربية: مجلة «البحث العلمي»، العدد 19/1972).

1970: (إلى وفاته): -أستاذ بمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة.

1974: -«المسألة الزراعية بالمغرب-1» (بالاشتراك مع ن. بودربالة، م. الشرايبي)، 423 ص.

1977: -«المسألة الزراعية بالمغرب-2» (بالاشتراك مع ن. بودربالة، م. الشرايبي وأ.حمودي)، 220 ص.

حوز مراكش: التاريخ الاجتماعي والهياكل الزراعية»، (أطروحة لنيل دكتوراه الدولة في علم الاجتماع)، في مجلدين، 858 ص.

1980: -«دراسات قروية» (أفكار وتحقيقات حول القرية المغربية)، 290 ص.

1983: -«بني بوفراح» (دراسات في الايكولوجيا الاجتماعية لسهل ريفي)، بالاشتراك مع هرمان فَان ديرفُّوستن، 297 ص.

1984: -«دار إيليغ والتاريخ الاجتماعي لتازروالت»، (بالاشتراك مع أ.عريف. د.شروتر، م. الطوزي، ه.ف.ديرفّوستن، 222 ص.

-«المسألة المائية بالمغرب»، (بالاشتراك مع ن.بودربالة، ج.شيش، ع. حرزنّي) 397 ص.

1985: -(ليلة 22 أبريل)، الوفاة بموريتانيا في حادثة سير، رفقة الباحث المغربي أحمد عريف.

2 تعليقات
  1. مصطفى حساني يقول

    كان أستاذا متميزا ، اطر جيل مهندسو السبعينيات بالمعهد الحسن الثاني للزراعة وخاصة رسم بصماته عبر تأطيره للتدريب المسمى ” اكتشاف الطبيعة” الذي كان على طلبة السنة الأولى التحضيرية في إطار فريق يتكون من ٨ الى ١٠ طلبة ،انجازه بأحدى المناطق المغربية الريفية ،غالبا تكون مهمشة و بعيدة ،خلال عشرون يوما يعيشون فيها في الخلاء يتعرفون فيها على نمط عيش الساكنة المعنية، ويجمعون كل انواع النبات و الحشرات و الأحجار المتواجدة بالمنطقة ويعدون على اثر كل هذا ،تقريرا مفصلا . اعمال و معطيات كثيرة و متميزة ،نتجت عن تأطير ات و ابداعات الاستاذ بول بسكون رحمه الله، والتي اثرت إيجابيا على كثير من الأُطر العليا التي ابدعت وأسست و أعطت انطلاقة التنمية الفلاحية والقروية ببلادنا و حتى بالعديد من جهات العالم و المؤسسات الدولية التي اعتمدت على خبرة مهندسي المغرب.

  2. رياضي نورالدين يقول

    اذكر اننا التقينا والاستاذ احمد عارف في بداية الثمانينات نحن مجموعة اصدقاء نادي السينما الجديدة قرب بوليو بعين السبع.
    الصورة ضبابية…
    لكنه كان لقاء
    اذكر ابتسامته لحد الساعة
    تحية لروحهما
    بول باسكون واحمد عارف

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.