بورتريه.. يوهان كرويف فيلسوف الكرة الشاملة

رحل اليوم 24 مارس اسطورة كرة القدم الهولندية والعالمية واحد اساطير فريق البارصا يوهان كرويف عن سن يناهز 68 سنة بعد صراع مرير مع المرض اللعين، وشاءت الصدف ان يسلم الروح في مدينة برشلونة المدينة التي عشقها وعشقته حتى النخاع، وبذلك انطفأت اهم شعلة في تاريخ كرة القدم العالمية نظير التأثير الكبير الذي مارسه كلاعب او كمدرب في صفوف اياكس الهولندي والمنتخب الهولندي وفريق برشلونة الاسباني، وفي هذا البورتريه نرسم أهم ملامح هذا اللاعب الاستثنائي.

طفولة على تخوم الكرة

ولد هندريك يوهانس كرويف يوم25 أبريل 1947 بمدينة امستردام الهولندية من اب بقال ووالدة كانت تعمل منظفة في نادي اياكس امستردام الهولندي، عاش طفولته ككل اطفال ذاك الزمان والمكان، غير ان ربما للمكان دوره في تشكيل الاسطورة والمساهمة في نحت بعض ملامحها، حيث شاء القدر أن يتواجد منزل العائلة بمحاذاة ملعب اياكس، فنشأ الفتى كرويف منذ نعومة اظفاره مهوس بالملعب والفرجة وكرة القدم، كان يغافل والده ويصعد اسوار الملعب ليشاهد تدريبات فريق اياكس، وفي بعض الاحيان كانت تصحبه والدته عندما تذهب الى عملها لتنظيف ادارة الملعب ومرافقه، منذئذ كشف كرويف عن عشق لامتناهي للساحرة المستديرة، أضحت شغله الشاغل وحلمه المؤجل، الى أن شاهده مرة أحد مسؤولي الفريق وهو في سنة العاشرة يداعب الكرة، فالتقطه بحدسه الكروي، سأل عن هويته، واستدعاه ليصطحب وثائقه ووالده ليتم تسجيله في نادي اياكس، تلك كانت سدرة منتهى احلام الفتى كرويف، وتلك كانت نقطة انطلاقه الى التألق في عالم كرة القدم.

 الرقم 14 وولادة نجم

منذ بروز اسمه كلاعب ناشئ في صفوف فريق اياكس الهولندي التزم كرويف ارتداء القميص رقم 14 وهو القميص الذي لازمه كثيرا كلاعب الى ان انتهى مشواره الكروي. تدرج كرويف بسرعة في صفوف ناشيئ اياكس، الى ان اتيحت له فرصة ذهبية ابلى فيها البلاء الحسن، وبصم بها على بداية باهرة في عالم كرة القدم، حيث منحه مدرب اياكس انذاك “رينوس ميكلز” الفرصة ليلعب في صفوف الفريق الاول وهو ابن 18 سنة في مقابلة مهمة ومصيرية؛ يتعلق الامر بمباراة برسم الدور الثاني من مسابقة كأس ابطال أوربا امام فريق ليفربول الانجليزي احد عمالقة الكرة الاوربية انذاك.

في المبارة برز كرويف بشكل جيد جعله يسرق الاضواء ويساهم بشكل كبير بفوز فريق بخمسة اهداف لاثنين على ليفربول العريق، كان الفوز كبيرا، وكان الفوز الاكبر ولادة نجم سيبصم بسيطرته على الكرة الاوربية والعالمية لاعوام.

الكرة الشاملة : من مجد  الاياكس الى صنع التاريخ مع المنتخب الهولندي و البارصا

منذ اواخر الستينات وبداية السبعينات اصبح فريق اياكس أقوى فرق كرة القدم الاوربية، اذ استحوذ على ابطال أوربا لثلاث سنوات منذ هزيمته في نهائي 1969 امام فريق اس ميلان الايطالي، حيث سيتمكن الاياكس من الفوز بابطال اوربا سنوات 1971 و1972 و1973 بفضل  الخلطة السحرية العجيبة التي أدت الى ولادة ما يسمى بالكرة الشاملة التي كسّرت روتينية الكرة الكلاسيكية المبنية على وجود اسوار عالية تفصل بين تمركز كل لاعب في الملعب والرهان على المواهب الفردية، غير أن المدرب الشهير رينوس ميكلز واللاعب المبدع يوهان كرويف استطاعا ان يقدم  للعالم كرة حديثة مبنية على المتعة وتجسير التواصل والتناغم بين اللاعبين في الهجوم والدفاع، وساعدت  سرعة وموهبة الجانح الطائر يوهان كرويف، على انجاح هذه الكرة التي اصبحت حديث عوالم كرة القدم. ومن بعد قام فريق اياكس من سحب رقم 14 من قمصان الفريق تكريما لنجمه واعترافا بما حققه لاياكس.

لذلك اصبح كرويف مطمحا لكبار الفرق الاوربية، غير ان فريق برشلونة سبق الجميع وتمكن من اقناع كرويف للعب في صفوفه في أغلى صفقة حينئذ، فوصل الى اسوار الكامب نو سنة 1973 ونادي البارصا غائب عن التتويج ببطولة الدوري الاسباني منذ 14 سنة، وفي موسمه الأول حقق شيئا اثنين جعله معبود جماهير البارصا، اولا استطاع ان يفوز مع البارصا على الغريم التقليدي ريال مدريد ب 5 اهداف لصفر، ثم تحقيق بطولة الدوري الاسباني الذي غاب عن الفريق منذ 14 سنة، الاستحقاقين جعل كرويف يتحول الى نجم فوق العادة في البارصا.

فوز البارصا على الريال ب 5 لصفر بسبب تفوق كرويف

لعنة كأس العالم والتهديدات بالقتل

كانت دورة 1974 بألمانيا لكأس العالم من أشهر الدورات بسبب حجم المنتخبات وقوتها، وتميزت بالصراع الكلاسيكي بين القيصر الالماني بيكنباور والجناح الطائر الهولندي يوهان كرويف، كما تميزت الدورة بتراجع الكرة اللاتينية الى الوراء واستئساد الكرة الاوربية، حيث سيتمكن المنتخب الهولندي من اقصاء حامل اللقب المنتخب البرازيلي في دور النصف النهائي، رغم ان المنتخب البرازيلي حينها كان مدججا بالنجوم، كما أقصى قبل هذا الدور احد عملاقة الكرة اللاتينية منتخب الارجنتين، ليضرب موعدا مع صاحب الارض في النهائي منتخب ألمانيا الغربية، والذي استطاع انتزاع اللقب عبر فوزه بهدفين لواحد على المنتخب البرتقالي، وكان النقاد والمتتبعون يتوقعون تتويج الفريق الهولندي لأول مرة بسبب اسلوب كرة القدم الشاملة التي فاجأ به العالم وبسبب تفوق نجمه كرويف، غير أن للكرة كان له منطق اخر امام الاداء الواقعي للماكينات الالمانية.

المباراة النهائية لكأس العالم 1974: المانيا بيكنباور ضد هولندا كرويف

 

خلال الدورة المقبلة التي أقيمت في الارجنتين كان عشاق النجم الهولندي وعشاق الكرة الشاملة يمنون النفس بفوز الفريق بكأس هذه الدورة، غير أن الرياح تجري بما لا تشتهي السفن، فقد حذرت عصابة ارجنتينية مهوسة بكرة القدم النجم الهولندي من سفره الى الارجنتين وهددته بالقتل ان وطئت اقدام ارض الارجنتين للعب مع منتخب بلاده، وبعد بحث ومشاورات قرر كرويف عدم السفر الى الارجنتين حفاظا على حياته وحياة اسرته وقرر اعتزال كرة القدم، وشاءت المصادفة ان يلعب نهائي الدورة المنتخب الارجنتيني ضد منتخب هولندا في غياب نجمه، وتمكنت الارجنتين من الفوز وتحقيق اللقب، وفضاع حلم اعتناق لقب كأس العالم على كرويف ومنتخب هولندا.

اكتساح المنتخب الهولندي للمنتخب الارجنتيني 4 لصفر كأس العالم 1974

العودة من الاعتزال ومجد التدريب

عاد كرويف من الاعتزال سنة 1979 ليلعب في دوري امريكا الشمالية لسنتين، ثم بعد ذلك عاد الى اسبانيا في تجربة قصيرة مع فريق ليفانتي الاسباني، ليعود مجددا الى فريقه الام اجاكس امستردم، ولعب ايضا لفريق فاينورد، قبل ان يعتزل اللعب بشكل نهائي سنة 1984.

مباشرة بعد الاعتزال سيتولى تدريب فريق اياكس امستردام، ورغم حداثة سنه في عالم التدريب الاّ انه قاد الفريق للتوتيج بالالقاب منها لقب كأس الاتحاد الاوربي سنة 1987، وهو الامر الذي جعل مسؤولو ادارة نادي برشلونة يعتبرون ان الوقت قد حان ليعود النجم الى صفوف البارصا كمدرب، وهو ما تم سنة 1988 في رحلة ابداعية مع الفريق امتدت الى سنة 1996، وهي المرحلة التي شكل فيها فريق الاحلام الذي سيطر على الدوري الاسباني مسجلا تفوقا ساحقا على الغريم التقليدي ريال مدريد. وكما قاد كرويف برشلونة كلاعب ان يعود الى اقتناص لقب البطولة الاسبانية بعد غياب دام 14 سنة، استطاع كرويف ان يحقق اول لقب للبارصا في عصبة الابطال كمدرب سنة 1992 رفقة فريق الاحلام والنجوم روماريو سطويشكوف غوارديولا كومان… واخرون.

بعد هذا المشوار الحافل كلاعب ومدرب، اعتزل كرويف التدريب وصار يكتفي بدور المستشار لفريق اياكس او البارصا اوفريق شيفاز جوادالاخارا  المكسيكي. الى ان اسلم الروح بعد صراع مرير مع مرض السرطان، وكان قد عرف عن كرويف شراهة التدخين حيث خضع لعملية جراحية على القلب سنة 1991، وحينها قال ” اعشق اثنين التدخين وكرة القدم، فما بنيته بكرة القدم سيهدمه التدخين”.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.