بورتريه: نوال بنعيسى.. رسولة الحراك التي لامست بكلماتها أقاصي الحلم

صورة من كلمة مسيرة 30 ماي نشرتها وكالة الانباء الفرسية

محمد المساوي

في الليلة الخامسة من رمضان السنة الماضية، كانت مدينة الحسيمة تعيش على وقع غليان شعبي كبير، بسبب الاعتقالات التي بدأت بشكل هستيري منذ زوال الجمعة أول ايام رمضان الذي صادف 26 ماي. كانت ليلة مشحونة بالتوتر، بالاضافة إلى اجواء رمضان وحرارة الطقس الذين فرضا منسوبا كبيرا من تصاعد حدة الاحتقان، خاصة وأن ناصر الزفزافي كان قد اعتقل يوما قبل ذلك، في تلك الليلة خرجت مسيرة شعبية حاشدة بعد صلاة التراويح شارك فيها والدي ناصر الزفزافي والالاف من النشطاء، بحي سيذي عابد الذي سيتحول إلى قاعدة خلفية حصينة للاحتجاجات التي استمرت بشكل يومي طيلة شهر رمضان.

في تلك الليلة تلقفت وسائل الاعلام العالمية صورة شابة في الثلاثينيات من عمرها، بشعر اشقر منسدل على كتفها الأيمن، وب”تيشورت” ابيض يحمل صورة ناصر الزفزافي، مكتوب عليها “كلنا زفزافيون”، قدمتها وسائل الاعلام العالمية بوصفها خليفة ناصر الزفزافي، وهو الوصف الذي جلب لها الكثير من المحن والمعاناة والكثير من الحسد والغيرة، انها نوال بنعيسى الذي أضحى اسمها لمدة طويلة يتكرر في جل نشرات وقصاصات الاخبار العالمية، نوال امتلكت تلك الليلة/ليلة الاحتقان، جرأة نادرة، ممزوجة بحكمة الانسانة الواعية بخطورة الوضع، ارتجلت خطابا وجهته لجمهور الحراك من جهة، وللدولة والمسؤولين من جهة أخرى، كان الوضع مشحونا يدفع الى تكسير الجرة، لكنها تحدثت بلغة هادئة، وبنبرة يملؤها التحدي والصمود: “نقول لهذه الدولة مطلبنا الاني هو اطلاق سراح المعتقلين وتحقيق ملفنا الحقوقي، ونقول اننا سلميين وسنصمد سلميين الى اخر طفل في الريف”.

قبل أن تظهر نوال بهذه الصورة وهذه الكلمات، كانت بعض وسائل الاعلام الموالية للسلطة وبعض المحللين يحاولون جاهدين النفخ في رمي حراك الريف بالتشدد، وكان هناك من يستعد أن يعلن أن حراك الريف موال لداعش، وبدأوا يلمحون إلى ما حدث في صلاة الجمعة الذي فتح أبواب الاعتقالات، خاصة أن بلاغ وكيل الملك كان قد صدر، يتهم ناصر الزفزافي بعرقلة صلاة الجمعة، وبعضهم ذهب إلى أن حراك الريف تدعمه ايران التي تريد أن تخلق بؤرة شيعية في شمال المغرب، لكن كل هذه الترهات ذهبت ادراج الرياح بفضل صورة نوال، الأم الشابة التي تلبس الجينز، وتخطب في جماهير الحراك، إذ كيف يمكن أن تتهم حراكا شعبيا بالتطرف،  تقوده امرأة متزوجة، أم لأربعة اطفال بلباس عصري وشعر سافر.

 

نوال رفقة ابنها يانيس

 

مع هذه الشهرة المفاجئة والاضواء التي سُلطت عليها، ستبدأ رحلة المعاناة، مضايقات من طرف السلطة، اذ بعد يومين من تلك الليلة ستتوصل باستدعاء من الشرطة، من جانب اخر بدأت بعض الاصوات المحسوبة على الحراك، خاصة الاصوات التي ظهرت فجأت تتسيد منصات اللايف الفايسبوكي، فراح البعض منهم يهاجم نوال، ويتهمها بالعمالة للسلطة، وهناك من تساءل مستنكرا، كيف لهذه الفتاة المتزوجة السافرة أن تقود الحراك، وغيرها من التحرشات والاتهامات المجانية، فصارت نوال عرضة لسهام بعض ابناء الحراك من جهة ولبعض العقليات الذكورية، وعرضة أيضا لمضايقات السلطة، لكن رغم كل ذلك، لم تستسلم ولم تنهزم، ظلت صامدة، تواجه اتهمات الاخوة بالحضور الميداني اليومي، وتواجه مضايقات السلطة بالاصرار على حقها في التظاهر السلمي. وكتبت رداّ على من اتهمها بأن تريد أن تسرق مكانة الزفزافي من خلال تنصيبها من طرف وسائل الاعلام خليفة للزفزافي: “أتعلمون من خليفة ناصر.. إنها الجماهير الشعبية السلمية وليس شخص واحد”.

ولدت نوال خريف 1981 في اسرة من 6 ابناء، 4 بنات و2 من الذكور، ومن والد يمتهن بيع المواد الغذائية ووالدة ربة بيت. تلقت تعليمها الابتدائي في مدرسة فاطمة الزهراء، ثم تعليمها الاعدادي في اعدادية سيدي عابد، ودرست مرحلتها الثانوية في ثانوية الباديسي.
شاء القدر، وشاءت الظروف أن تتخلى نوال عن مقاعد الدراسة في الباكالوريا، حينها كانت قد تزوجت في الصيف الذي يسبق الموسم الدراسي للباكلوريا، ورغم زواجها، عادت الى مقاعد الدراسة لتستكمل مشوارها التعليمي، لكن بعد مضي نصف الموسم، ظهرت عليها علامات الحمل، فكان ذلك يشكل لها احراجا أمام زملائها وزميلاتها في المدرسة والقسم، حاولت أن تتكيف مع الوضع، لكن بقدر ما بدأ ابنها أيمن يكبر شيئا فشيئا في أحشائها، كانت المتاعب تزداد، وحالتها النفسية تتوتر، اذ هي شابة في مقتبل العمر، تعيش لأول مرة تجربة الحمل، وأي حمل، ان تكون تلميذة في قسم الباكالوريا وهي حامل. بعدها جاء القرار الصعب، انقطعت نوال عن الدراسة، وتفرغت للحمل والولادة والاعتناء بوليدها البكر.
غادرت نوال مقاعد الدراسة مكرهة، لكن ما لبثت حتى وجدت نفسها مضظرة لتساير ايقاع الحياة الزوجية، وتتكفل بابنائها واسرتها، وانجبت بعد ذلك 3 ابناء اخرين انضافوا الى أيمن (مروان، ميسم، يانيس).

 

 

عاشت نوال حياتها كأي شابة في الريف تزوجت في سن صغير، اهتمت بشؤونها الصغيرة، لكن في كل مرة كانت تشعر وكأن ثمة قوة خفية تستدرجها لتخرج من هموم اليومي، لتعانق رحاب العمل التطوعي والاجتماعي، فحاولت أن تنخرط بمجهودات ذاتية في بعض المبادرات التي تستهدف خاصة مرضى السرطان، والنساء القرويات الفقيرات اللواتي ينزلن على مستشفى محمد الخامس بالحسيمة.
الى أن جاءت لحظة استشهاد محسن فكري ليلة 28 اكتوبر 2016، حينها شعرت بزلزال داخلي،  ذرفت دموع الحسرة والاحساس بالحكرة وهي تتابع وقائع التجمع الاحتجاجي أمام مفوضية الشرطة بالحسيمة عبر تقنية اللايف، حين تناول ناصر كلمته الشهيرة أمام عامل الاقليم ووكيل الملك. حينها لم تكن نوال تعرف احدا من النشطاء، بسبب قلت احتكاكها بالعمل الجمعوي و السياسي المنظم، حتى مسيرات 20 فبراير لم تشارك فيها، كانت تتابع المشهد من بعيد وهي ام لطفلة لم يتجاوز عمرها بعض الاشهر، وطفل اخر في عمر الثلاث سنوات.
بعد انطلاق احتجاجات حراك الريف، بدأت نوال تقترب بخطى خجولة الى هذا الحراك، وتشارك في بعض فعالياته الاحتجاجية، شيئا فشيئا حتى صارت اكثر قربا، من دائرة النشطاء المعروفين بالمدينة، فرحبوا بها ورأوا فيها قيمة مضافة للحراك، لكنها رغم ذلك، اختارت في البداية أن تبتعد عن الاضواء وعن دائرة قيادة الحراك، واثرت أن تهتم بالجانب الاجتماعي للحراك، وتحاول أن تساعد الحالات الاجتماعية الخاصة والمعوزة، في نفس الوقت تسجل حضورها المستمر في احتجاجات الحراك.

في كل هذه المحطات كانت تقترب الى الميكرفون بحذر مشوب بالخجل، الى أن جاءت مناسبة المسيرة النسائية في 8 مارس 2017، ووقع عليها الاختيار لتلقي كلمة المسيرة، كانت مسيرة نسائية ناجحة شكلت سابقة في تاريخ المنطقة، مسيرة نسائية شعبية بامتياز، حضرتها النساء بأعداد غفيرة من كل الفئات والأعمار، كانت مسيرة تاريخية مشهودة، اختتمتها نوال بنعيسى بكلمة معبرة، عبرت فيها عن تجند النساء والرجال في معركة تحقيق الملف الحقوقي ومطالبه العادلة والمشروعة.
بعد ذلك صارت نوال من الوجوه المعروفة ضمن نشطاء ونشيطات الحراك، هكذا ودون سابق تخطيط وجدت نفسها تعتلي المنصات بحماس قل نظيره، إلى جانب ناصر الزفزافي نبيل احمجيق وسيليا الزياني ومحمد المجاوي ومحمد جلول من بعد واخرون، فشاركت ناصر الزفزافي وقادة الحراك الحضور  الى مناطق ايت قمرة وازغار وايت هيشم وامزورن.. والشكل الاحتجاجي الذي نظم في منطقة اولاد أمغار.

صورة نشرتها الباييس في عدد 31 ماي

 

إلى أن أتت لحظة الجمعة 26 ماي حيث بدأت الاعتقالات تستهدف جل نشطاء الحراك، فاعتقل من اعتقل في ذاك اليوم، وتوارى عن الانظار خوفا من الاعتقال بعض النشطاء الاخرين المستهدفين من طرف السلطات، وجدت نفسها الى جانب قليل من النشطاء أغلبهم نساء، مجبرات على مواصلة المسير، فشكلت مع سيليا الزياني ثنائيا قويا في الحشد والتعبئة للمسيرات الاحتجاجية، كان ثنائيا يمشي دون أن يشعر على هدي الثنائي الذي بصم حراك الريف؛ الزفزافي وأحمجيق، لكن ما لبثتا قليلا حتى تم اعتقال سيليا، ومورست مضايقات على نوال بنعيسى، وهي تعرف أن كونها أم لاربعة أطفال هو من جنبها الاعتقال، وكانت مقتنعة أنه في أي لحظة سيتم الحاقها برفاقها في سجن عكاشة، لكنها رغم ذلك لم تتراجع ولم تستسلم، فدعت الى تنظيم مسيرة نسائية للمطالبة باطلاق سراح المعتقلين ورفع القمع والعسكرة عن المدينة يوم السبت 3 يونيو، دعت الى المسيرة بالتنسيق مع والدة ناصر الزفزافي، ووجهت نداءً الى المسيرة من منزل الزفزافي رفقة والدته، حان موعد المسيرة لكن السلطة كان لها قرار اخر، لا يمكن أن تتساهل مع احتجاج في الشارع حتى وان كانت مسيرة للامهات والنساء، فأحضرت فرقة من الشرطيات النساء لفض المسيرة بالقوة.

زادت الضغوطات على نوال، إذ بدأت تتوصل بمكالمات هاتفية تهددها في حياتها وأسرتها، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي بدأت تتناسل حسابات باسماء مستعارة متخصصة في مهاجمتها وتخوينها، ورغم الاثر السلبي العميق الذي خلفه هذا الوضع الا أنها، لملمت جراحها وندوبها وقررت أن تواصل المسير.
شاركت في مسيرة 20 يوليوز، ونالت نصيبها من الرفس والركل والضرب، كفكفت دموعها، ودوات الجراح التي اصابتها اثناء مشاركتها في هذه المسيرة، وظلت تكتب تدوينات في الفايسبوك، تحث على الصمود والسلمية والاستمرار في الاحتجاج، فتم استدعاءها مرة أخرى، وتم توجيه اتهامات ب “إهانة رجال القوات العمومية أثناء أدائهم لمهاهم، والتجمهر في الطرق العمومية، والتظاهر في الطرق العمومية دون سابق تصريح، إلى جانب المساهمة في تنظيم مظاهرة غير مصرح بها والتحريض على ارتكاب جنايات أو جنح”، وأحيلت على المحكمة، لتصدر حكمها الابتدائية قبل أسابيع، بعشرة أشهر سجنا غير نافذة، ليكون أول حكم ادانة يستهدف العنصر النسوي في حراك الريف.

صورة نوال بنعسيى من مسيرة 20 يوليوز نشرتها جريدة الغاردين البريطانية

 

شعرت نوال بغصة وهي تتابع أوضاع مدينتها، وتتابع أخبار رفاقها الآتية من سجن عكاشة ومن باقي سجون المملكة الموزعين عليها، وشعرت بغضة أكبر وهي ترى الضربات تتهاوى عليها ليس من السلطة فقط، بل من بعض ممن يفترض أنهم أبناء الحراك، فهناك من لم يغفر لها أن تدعو الى مواصلة السلمية وتحث الجماهير على الالتزام بالاحتجاج السلمي، بينما هم كانوا يراهنون على فتح المنطقة على مواجهات مع السلطة، والاستعداد لرفع سقف المطالب. حينها وعت نوال كم هو صعب أن تكوني امرأة؛ زوجة وأم لاربعة اطفال، في مجتمع تقليدي وتحت سلطة مستبدة ترى صوت المرأة خطر يجب وأده في المهد، لكن ما كان يعضّدها ويشدّ من أزرها أن أغلب أبناء وبنات الحراك في الميدان يكنون لها كل التقدير والاعجاب، ويرون فيها نموذج المرأة الريفية التي كسرت الصورة النمطية التي تكبّل النساء، وخاصة نساء المنطقة.
تعايشت نوال مع مشاكلها الاسرية التي نبتت على ضفاف هذا الوضع الذي تعيشه، وتعايشت مع موجة التخوينات التي اضحت وجبة يومية لم تستهدفها هي فقط، بل صارت تتقاذف الكل تقريبا، وتعايشت مع مضايقات السلطة بقناعتها أنها لا تفعل شيئا يخالف القانون، بل فقط تحلم بوطن يحفظ كرامة الانسان ويقطع مع الحكرة والخوف والقمع. “فخورة بالمشاركة في الحراك السلمي بالريف، إلى جانب شرفاء وطني الذين يتواجدون بسجون العار” تقول نوال في تدوينة لها على الفايسبوك.
حاولت هذه السنة التسجيل لتحضير الباكالوريا حر، غير أن المضايقات التي تتعرض لها والأوضاع التي تعيشها حتما عليها أن تؤجل حلم مواصلة التمدرس الى المواسم المقبلة.

كانت نوال بحق رسولة الحراك عندما اشتد القمع والاعتقال، حملت رسالته وجالت بها القنوات العالمية ووسائل الاعلام الدولية دون أن تقصد، وهو ما جعل كبريات الصحف العالمية تردّد اسمها وتلقبها بخليفة الزفزافي، كما أن جريدة لومند الفرنسية، نشرت بورتريها عنها يوم 2 يونيو 2017، أي يومين بعد كلمتها في مسيرة سيدي عابد التي تناقلتها وسائل الاعلام العالمية، عنوته “نوال بنعيسى.. وجه احتجاجي صاعد في حراك الريف بالمغرب”، بينما عنونت لوفيغارو الفرنسية مقالا لها يوم 6 يونيو عنها ب”نوال بنعيسى ثورة الحسيمة”، فيما نشرت جريدة الباييس الاسبانية بورتريها عنها يوم 2 يونيو عنونته ب”الرمز الجديد لحراك الريف ليست لديها خبرة سياسية”.

صورة لوكالة الانباء الفرنسية نشرتها جريدة لوفيغارو يوم 6 يونيو

 

لو نجح الحراك في أن يستثمر هذا الاهتمام الكبير من طرف وسائل الاعلام العالمية بنوال بنعيسى، لاعطى ذلك قوة أكبر للحراك، اذ ليس سهلا أن تملك حركة احتجاجية ما، وجها اعلاميا تتهافت عليه وسائل الاعلام العالمية، لكن للاسف، بعد بداية مسلسل الاعتقالات، انفرط عقد الحراك، واصبح بامكان كل واحد أن يمتطي صهوة اللايف وينصب نفسه القائد الجديد للحراك، بيده الامر و الحل والعقد، يكفّر هذا ويزكي ذاك، وأعين المخزن تراقب الوضع، وتغذي الشقاق بين الاخوة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وإن كان قدر رسل الرسالات السماوية أن يعانوا الامرين من عشيرتهم ومحيطهم، حتى صار المثل يقول لا مكان لنبي في وطنه، فنوال عندما قُدِّر لها أن تكون رسولة الحراك، تنقل رسالته الى العالم، بعد أن سجن أغلب نشطائه، صحيح، لم تهاجر إلى أوربا هربا من بطش السلطة، لكن واقع المضايقات، والمشاكل التي صارت تواجهها، جعلتها تهاجر مؤقتا مدينة الحسيمة الى تطوان، لتسترد أنفاسها وتواصل مسيرها الذي لا ترى أي داع قد يجعلها تتراجع عنه، إلاّ اطلاق سراح المعتقلين وتحقيق الملف الحقوقي.

ملحوظة: استعرنا عنوان البورتريه من ديوان أنسي الحاج “الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع”

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.