بورتريه: محمد المجاوي.. راهب الحراك الذي يشتغل كثيرا ويتكلم قليلا

محمد المساوي/ جابر الخطيب

عُرف محمد المجاوي باسم حكيم الحراك الشعبي بالريف على الرغم من تواريه عن الأضواء، ظل قليل الكلام والظهور لكنه كان يعمل بنَفَس لا ينقطع؛يشتغل كثيرا ويتكلم قليلا، ويحضر في اللحظات الفاصلة من الحراك لتوجيهه وحسم ما قد يلم به من زيغ، ظل ينتقل من مكان عمله بجبال الريف كتامة الى الحسيمة بشكل مستمر منذ انطلاق الحراك الشعبي.

محمد المجاوي المناضل اليساري المخضرم، لم يكن وليد الحراك الشعبي الأخير، بل مر بمدارس نضالية منذ نعومة أظفاره، وبقدر ما صقلت تجربته السياسية والنضالية، صلبت قناعاته وظل دائما مؤمنا بالنضال الجماهيري بوصفه السبيل إلى التغيير.

ينحدر محمد المجاوي من دوار اصريحن بتماسينت، وازداد بدوار زاوية سيذي يوسف التابعة لجماعة لوطا حاليا سنة 1971 حيث كان يشتغل والده في الاعمال الفلاحة هناك، في سن الخامسة فقد والده محمد ابن تهامي موح وبعد ذلك بخمس سنوات فقد والدته لويزة حمادي وهو في سن العاشرة حيث عاش اليتم المزدوج، فتربى في كنف عائلة من أقربائه، درس الابتدائي بامزورن، ثم درس الإعدادي بسيدي عابد بالحسيمة، وكان متفوقا في دراسته، وانتقل لثانوية المغرب العربي بوجدة لمتابعة دراسته في مسلك تقني. طُرد من ثانوية المغرب العربي بوجدة خلال سنته الثانية ثانوي على خلفية المعركة التلاميذية 89/88 الذي كان أحد متزعميها في الثانوية وصدر قرار الطرد في حقه.

سنتين بعد ذلك؛ في الموسم الدراسي 91/90 سيحصل على بكالوريا حرة وسيجل بكلية الحقوق قانون عام بجامعة محمد الأول بوجدة، وسيحصل على درجة ميزة خلال السنوات الاربع وليسجل بالسلك الثالث بالرباط. لكن وضعه المادي لم يسعفه في مواصلة مشواره الدراسي.

انتمى لفصيل القاعديين (وجهة نظر 84 الكراس) بوجدة وتميز بدينامية وقدرة على التأطير والتعبأة، وكان رجل حوار، وظل منفتحا على كل الحساسيات والتيارات ومحاورا للجميع. رفض تحمل مسؤولية الطلبة القاعديين برغم كفاءته والإجماع الحاصل عليه، وفضل العمل الى جانب القواعد الطلابية.  عُرف عن المجاوي أيام كان مناضلا في صفوف أوطم بوجدة ابتعاده عن الزعامة وتفضيله للعمل التحتي القاعدي إلى جانب الطلبة في لجان الأقسام، والتعبئة وسط الطلبة الجدد.

كانت الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين مدرسة حقيقية فيها سيصقل قدراته التنظيمية والكفاحية، حيث التحق بفرع الحسيمة للجمعية وتحمل رئاسة الفرع سنة 1999، ويحكي عنه رفاقه الذين جايلوه خلال هذه المرحلة أنه كان مقاتلا حقيقيا، قريبا من كل معطلي المدينة، يتميز بسلوك ناضج، يقول احد رفاقه: “شهادة للتاريخ عند اشتغالنا معا في فرع جمعية المعطلين كان المجاوي منتميا لتيار النهج الديموقراطي بل مسؤولا بلجنته المحلية لكن لم يسجل عليه اية محاولة للزج بنضالات الفرع في أجندة حزبية ضيقة ولو في أحلك اللحظات التي كان مطلوبا منه الاصطفاف في ضفة معينة وظل المجاوي مناضلا مخلصا للجمعية الوطنية”، وكما يتميز المجاوي بنباهة قوية تجعله ينجح في بلورة مواقف سديدة في اللحظات المناسبة، كما يحكي رفاقه عن هذه المرحلة أن المسؤولين كانوا يضربون له الف حساب عندما يفتحون حوارا مع فرع جمعية المعطلين بالمدينة، إذا كان المجاوي لا يدخل إلى الحوار إلا مسلحاً بأدق التفاصيل والمعطيات التي تفضح ادعاءات المسؤولين.

تحمل مسؤولية قيادة الجمعية وطنيا خلال المؤتمر الخامس 98/2000، حيث شغل مهمة نائب رئيس الجمعية انذاك رضوان الهكاري مكلفاً بالعلاقات الخارجية بأوربا، وعرفت الجمعية أوج نضالاتها ( معركة يونيو، او ما سمي بمخيم المهمشين حيث استمر الاعتصام بمقر الاتحاد المغربي للشغل لأكثر من شهر، عرف خلاله المقر حصارا ورميا بالقنابل المسيلة للدموع، تم اعتقال 22 معطلا، بعدها سيتم هدم ساحة الاتحاد المغربي للشغل بالرباط). كما تعرض المجاوي خلال هذه الفترة للاعتقال بفاس خلال الذكرى السابعة لاغتيال الشهيد الحمزاوي والتي تزامنت واحتجاج الطلبة، واطلق سراحه بعد التعنيف الذي مورس في حقه.

بعد انتهاء ولايته بالمكتب التنفيذي للجمعية، وانسداد آفاق التشغيل بشكل نهائي بالمغرب، سيغادر لأوربا إذ استقر بمدريد وبعدها ببلاد الباسك، وكان عضوا نشيطا بجمعية العمال المهاجرين، ليواصل نضاله بين المهاجرين المغاربة باسبانيا واوربا.

بعد اشتداد الازمة الاقتصادية بأوربا سيعود إلى الوطن سنة 2009 حيث تزوج، وهو الان أب لطفلتين؛ رُزق بابنته الاولى “لويزة” سنة 2011 بعدها ابنته الثانية “دينا” سنة 2013 . وبعد سنتين من عودته انطلق الحراك الشعبي 2011، جيث كان عنصرا فعالا في قيادة حركة 20 فبراير بالحسيمة، ويحكي رفاقه أنه تعرض حينها لمساومات عديدة على شكل مناصب شغل بامتيازات مغرية، مقابل الانسحاب من الحركة، رفضها باصرار وعناده المعهودين وهو المعطل العائد من أوربا بعد اشتداد الازمة، واختار أن ينظم مجددا الى لجنة المعطلين القدامى وشارك في عدة اعتصامات أمام باب الولاية للمطالبة بحقه في الشغل.

اجتاز مباراة مركز تكوين المعلمين ليتخرج ضمن آخر فوج منذ سنتين (2015)، عين مدرسا بمدرسة دوار “توحشيت” بكتامة وسينخرط في النشاط النقابي والانضمام الى الجامعة الوطنية للتعليم (ام ش) حيث انتخب عضوا بالأجهزة في المؤتمر الجهوي للنقابة.

عند اندلاع أولى مظاهرات الاحتجاج على مقتل الشهيد محسن فكري كان في الموعد، حيث كان يتنقل باستمرار وبشكل أسبوعي بين االحسيمة و مكان عمله و كان ضمن القيادة الميدانية للحراك، كان العقل الرزين والهادئ للحراك، اكتسب احترام الجميع، وحاز ثقة كل الفرقاء، بسبب ترفعه عن الصراعات والخصومات الضيقة…

 يوم الجمعة 26 ماي حين بدأت حملة الاعتقالات لنشطاء الحراك الشعبي بالريف، كان المجاوي يباشر عمله كأستاذ في المدرسة التي يشتغل بها بكتامة، وفي فجر تلك الليلة تسلل زوار الليل إلى حيث يسكن رفقة احد زملائه، وحوصر في مسكنه من طرف اربع سيارات رباعية الدفع، ليقوموا بالقاء القبض عليه، ثم نقله بعد ذلك الى الدار البيضاء حيث يوجد لحد الان نزيل الاعتقال الاحتياطي بسجن عكاشة.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.