بورتريه: أحمد الزفزافي.. الأسد الذي خرج من صلبه ذاك الشبل

محمد المساوي

يوم الأحد 15 يوليوز، في الساحة المقابلة لمحطة القطار المدينة بالرباط، وشمس شهر يوليوز تلفح الوجوه، وقف “شابٌ” في عمر السبعين، بقامة فارهة، ورأس لم ينهزم شعره تماما أمام الشيب، بنظرات حادة تطفح بالخجل والحنان وعمق النظر الى أقاصي الحلم، نظرات تجمع بين حدة عيون النسر ووداعة الحملان، وقف يخاطب الجماهير التي احتشدت بهم الساحة للتضامن مع معتقلي حراك الريف والمطالبة باطلاق سراحهم، وعدسات وسائل الاعلام تلتقط تقاسيم وجهه وتنقل كلمات خطابه.

إنه أحمد الزفزافي، والد ناصر الزفزافي الذي خاطب الجموع وكأنه خطيب ضليع في السيطرة على الجماهير، كل الأعناق كانت مشرئبة إليه لتتلقف كلماته واشاراته، حتى قادة الاحزاب والهيئات السياسية المشاركة في المسيرة، وقفت تنصت إليه بإمعان، وبإعجاب، وبحسد خفيف على موهبته في الخطابة، واستمالة الناس واقناعهم برجاحة وعدالة القضية التي يدافع عنها.

تحدث في خطابه عن الريف الذي يوحّد المغرب، ردّاً على ما يروجه العقل الامني للدولة وادواته الحزبية من خلال تصوير الريف مشتل الانفصال. تحدث عن تاريخ المقاومة، عن صمود الريف والريفيين في وجه كل السهام التي حاولت أن تطالهم.

إنه أحمد الزفزافي، الرجل الذي أصبح وجها مألوفا، مدافعاً شرساً عن حراك الريف ومعتقليه، يجمع في خطابه بين الوفاء لخطاب الحراك، والتنبيه إلى عدالة قضيتهم، مع الاصرار على التأكيد أن المعتقلين ليسوا كتلة عناد، بل هم مشاتل الصمود والصدق والنضال من أجل وطن اخر ممكن، من أجل وطن الحرية والكرامة.

الرجل الذي استضافته العديد من القنوات التلفزية العالمية، واستقبله البرلمان الهولندي والبرلمان الاوربي أكثر من مرة، الرجل الذي التقى بمسؤولين كبار في الدولة، منهم وزراء ومستشاري الملك ورؤساء حكومة سابقين وغيرهم، كما التقى العديد من الساسة في المغرب وخارجه، وكل من التقاهم تفاجأوا بمستواه المعرفي، وقدرته على الانصات والمناقشة والتفاوض بعزيمة لا تلين، حتى خُيّل إليهم أن الرجل خرّيج تجارب سياسية وجماهيرية، عتّقته وجعلته ينبض حكمة وانصاتا واقناعاً. فمن هو أحمد الزفزافي، ومن أين له كل هذه الكاريزما والحضور القوي الذي شدّ انتباه الجميع؟

ولد أحمد الزفزافي ابن الفقيه السي حمو نمحند ازفزاف سنة 1943 بمدشر ازفزافن قبيلة ايت وياغر بإقليم الحسيمة، نشأ في اسرة محبة للعلم، اسرة كان افرادها يتقلدون مهام قيادية في مقاومة محمد بن عبد الكريم الخطابي، والده كان فقيها معروفا، وجدّه من أمه اليزيد نرحاج حمو، وزير داخلية محمد ابن عبد الكريم الخطّابي. شقيقه الاكبر محمد الزفزافي حاصل على شهادة جامعية من جامعة عين شمس بالقاهرة، كلية الاداب، قسم التاريخ، اواخر الخمسينيات من القرن الماضي، حيث زار محمد ابن عبد الكريم الخطابي في اقامته بالقاهرة سنة 1955 بعد حصوله على شهادة الباكالوريا من ثانوية القاضي عيّاض بتطوان، وعاد إلى المغرب سنة 1960 حيث عيّن استاذا لمادة الاجتماعيات في ثانوية المشيشي بمدينة الشاون، ومن بعد ذلك انتقل لتدريس مادة الاجتماعيات لأقسام الباكالوريا في ثانوية القاضي عيّاض بتطوان، وفي نفس الوقت اشتغل أستاذً لمادة الفلسفة في ثانوية القاضي بن العربي للتعليم الأصيل بنفس المدينة، عُرف عنه نشاطه النضالي والسياسي، لم ينتم للأحزاب السياسية الموجودة حينها، اختار العمل خارجها، وشكّل مع بعض رفاقه، مكتب جمعية مساندة الكفاح الفلسطيني بتطوان، وفي سنة 1972 تعرض لحادثة سير مميتة نواحي القصر الكبير، اعتبرتها عائلته واصدقاؤه عمل مدبرا استهدف حياته، خاصة أن مرحلة الرصاص كانت معروفة باستهداف حياة المناضلين عبر حوادث سير مفتعلة، توفي بعد أيام قليلة من الغيبوبة قضاها في مستشفى العرائش، وتوفيت معه في الحادث زوجته وابنه الأكبر، بينما نجا ابنه الأصغر الذي كان حينها مع جدته ولم يكن معه في السيارة، وهو الآن يعيش بألمانيا. أما أحمد الزفزافي فقد تلقى تعليمه الأولي بمسيد القرية، وبعده التحق بالمدرسة الابتدائية بأجدير، ونال شهادة الابتدائية سنة 1960 بمدينة الشاون من مدرسة مولاي علي بن الرشيد، بعد ذلك انتقل الى مدينة تطوان لمتابعة دراسته في ثانوية القاضي عيّاض، درس بها ست سنوات، وغادرها في مستوى الباكالوريا ليعيّنَ مقتصدا لدار الاطفال بالحسيمة سنة 1966 وظل في منصبه هذا إلى أن تقاعد سنة 2007.

الراحل محمد الزفزافي الاخ الاكبر لاحمد الزفزافي

 

تزوج أحمد الزفزافي بالسيدة زليخة سي حدّو سنة 1973، أنجبا 4 أبناء كلهم ذكور: طارق، ناصر، محمد ثم لطفي، عاشا حياةً بسيطة، تكفّلا بتربية أبنائهما أحسن تربية، وتعليمهم رغم شظف العيش.

انخرط أحمد الزفزافي في العمل السياسي في مرحلة نضجه، استهوته تجربة الاتحاد الاشتراكي، وأُعجب بالمؤتمر الاستثنائي للحزب وبالتقرير الايديولوجي الذي صاغه عمر بن جلون ومحمد عابد الجابري، فقرر الانخراط في الحزب سنة 1975، وكان نشيطا في فرعه بالحسيمة إلى جانب ثلة من رجال التعليم والمحامين الذين كانوا يشكلون نخبة المدينة حينها، عُرف أحمد الزفزافي في محيطه العائلي والاجتماعي بدماثة اخلاقه، محبوبٌ لدى الجميع؛ رجل نكتة، يتعامل مع الحياة بسخرية لاذعة، تساعده على تهشيم كل الصعاب والتحدّيات التي تواجه.

ملصق ترشح احمد الزفزافي للانتخابات الجماعية سنة 1992 بالحسيمة

 

ترشح في الانتخابات الجماعية باسم الحزب في انتخابات 1992، حينها تشكلت لائحة قوية لحزب الاتحاد الاشتراكي، يقودها المحاميان المعروفان: الراحل الاستاذ علي فهمي، والنائب البرلماني السابق اسماعيل الهلالي، وغيرهما من مناضلي الاتحاد الاشتراكي حينها، لكن ولا أحد منهم أستطاع أن يكسب الرهان، حينها كانت وزارة الداخلية تتحكم في العملية الانتخابية كما تشاء غرائز البصري والمخزن، وهؤلاء الذين تقدموا للانتخابات كانوا على وعي أن وزارة الداخلية لن تسمح بنجاح أسماء لها تاريخ وارث نضالي بالمنطقة، (الاستاذ علي فهمي كان من معتقلي انتفاضة 1958/1959)، وأقدموا حينها على هذه الخطوة في اطار ما سمّوه بالترشيح النضالي للتواصل مع الجماهير.

مع تجربة التناوب التي قادها عبد الرحمان اليوسفي، رفض أحمد الزفزافي مثل العديد من أبناء الاتحاد القرار الذي اتخذه اليوسفي بقيادة الحكومة وفق تلك الشروط، فاختار أحمد الزفزافي مغادرة الحزب، وطلاق السياسة والممارسة الحزبية نهائيا، ولم ينتظم في أية تجربة من تلك التجارب التي خرجت من رحم الحزب.

بعد انطلاق الحراك، والدور الكبير الذي لعبه ابنه فيه، شعر احمد الزفزافي بالفخر، وظل يتتبع الحراك بأمل كبير، أملٌ أيقظ فيه كل أحلامه في الانعتاق والحرية واعادة الاعتبار للمنطقة وتحقيق دولة الحق والقانون، وبعد 7 اشهر من الحراك وجد نفسه أمام مهمة قيادة نضالات عائلات المعتقلين رفقة زوجته زليخة سي حدّو، فانبهر الكل بصمودهم ومستواهم المعرفي، ودفاعهم المستميت عن ابنهم ورفاقه المعتقلين، عندما سأله احد الصحافيين عن سر عدم تأثره الكبير، وعدم انهياره مباشرة بعد النطق بالأحكام، أجابه أحمد الزفزافي: “لأنني عندما أبكي أبكي بذكاء”.

كثيرون فهموا سرّ صلابة ناصر الزفزافي وموهبته في الخطابة، وقدرته الفائقة على قيادة الحراك وحَشْدِ الجماهير، بعد أن اكتشفوا شخصية “عيزي احمذ” كما يناديه نشطاء الحراك والمتعاطفون معه، كثيرون فهموا سرّ كاريزما ناصر، بعد أن تعرفوا على والديه، كان ذلك تجسيداً حقيقياً وملموساً للمثل القائل: “ذاك الشبل من ذاك الأسد”.

بالاضافة إلى قوة الشخصية والكاريزما وموهبة الخطابة، تتميز شخصية أحمد الزفزافي بقدرته الفائقة على الانصات، والنظر الى الأمور ببعد استراتيجي، يتجاوز اليومي ويرنو إلى الأفق بعيون فاحصة. لديه اطلاع واسع، مولع بسير أبطال التاريخ، وكثيرا ما يستدل في خطابه بأقول محمد بن عبد الكريم الخطابي ومانديلا وهوشي منه وغيرهم.
يزن الامور بميزان العقل، لا يحبّذ التسرع والارتجال والانسياق وراء استفزازات الذين توكل لهم هذه المهمة، قبل أيام قليلة هاتفته لأخذ تصريح صحفي حول ما كتبته احدى الجرائد المتلبّسة بمهنة الصحافة في حقه من أكاذيب واتهامات مغرضة، فكان جوابه: من الافضل أن لا انساق وراء هؤلاء واستفزازهم، سأكتفي بما جاء في القرآن الكريم “واعرض عن الجاهلين”.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.